في لقائه مع أعضاء الكونغرس الأميركي يصف وزير الدفاع، روبرت غيتس، الوضع في العراق بأنّه وصل إلى "نهاية اللعبة". إلى أي مدى يمكن أن يشكل ذلك دلالة على صعيد ما سمي بـ"الحرب على الإرهاب" ضد تنظيم القاعدة؟ وهل تسلم القاعدة، اليوم، بأنّها وصلت إلى "نهاية اللعبة" أم تصر على أن خياراتها الاستراتيجية كانت صحيحة وأنّها ماضية في طريقها في هذه "الحرب العالمية"؟
يجيب بصورة غير مباشرة عن التساؤل السابق الشريط المصور الجديد لقادة القاعدة (بمناسبة مرور سبع سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001)، إذ يتميز عن باقي أشرطة القاعدة وخطاب قادتها في السابق، في مجالات متعددة أبرزها العلاقة مع إيران والحضور المكثف في الشريط لقادة القاعدة المركزية.
الدلالة الأولى تتمثل في تكريس جزء كبير من الشريط ضد السياسة الإيرانية في المنطقة، وكذلك حلفاء إيران، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، ما يشكل نقلة نوعية جديدة في خطاب القاعدة.
فقد حرص قادة القاعدة في السنوات التي تلت احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الابتعاد عن تسخين الصراع مع إيران، لأسباب رئيسة أبرزها الشعور أنّ هنالك قواسم مشتركة يمكن البناء عليها في مقدمتها مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
بالإضافة إلى ذلك شكّلت إيران معبراً حيوياً لقادة القاعدة وأفرادها الهاربين من الحرب الأفغانية باتجاهات مختلفة. وعلى الرغم من ترحيل إيران لعدد من أفراد القاعدة وأنصارها إلى دولهم، إلاّ أنّها بقيت محتفظة بشخصيات مفتاحية في مقدمتهم المسؤول الأمني الأول سيف العدل ومعه سعد بن لادن نجل زعيم القاعدة.
ظهر الخلاف جلياً في الموقف من إيران بين قيادة القاعدة المركزية (بصورة خاصة الظواهري) وخطابها البراغماتي وبين "تنظيم القاعدة في أرض الرافدين"، وتحديداً مع مواقف وخطابات كل من أبو مصعب الزرقاوي وأبو عمر البغدادي. فالقاعدة المركزية حاولت الابتعاد خلال المراحل الأولى للحرب العراقية عن أي اشتباك أو اصطدام، ولو حتى إعلامياً، مع إيران، بينما وصل الأمر بزعيم ما يسمى "دولة العراق الإسلامية"، قبل قرابة عام، إلى تهديد إيران بحرب مفتوحة داخل العراق.
إلاّ أنّ موقف القاعدة المركزية بدأ بالتحول باتجاه إعلان الصراع مع إيران، وقد برز ذلك جلياً من خلال إجابة الظواهري على قرابة تسعين سؤالاً وجهت إليه من قبل أنصار القاعدة، قبل عدة شهور.
فيما يكرس خطاب الظواهري في الشريط الأخير "نقلة نوعية" في خطاب القاعدة المركزية تجاه إيران. المحاججة التي يستند إليها الظواهري لا تنطلق من أسس دينية أو طائفية، إنّما هي سياسية بامتياز. فالرجل تحدث عن مفارقات المواقف الإيرانية في القضايا العربية والإسلامية، فبينما تساهم إيران في تكريس الاحتلال في العراق وأفغانستان، وتحرّم المقاومة وتسميها بالإرهاب فإنّها تدعم المقاومة في فلسطين ولبنان.
وإذا كان الظواهري يُلمِّح إلى "الانتهازية" السياسية الإيرانية ما يعكس عدم جدوى الرهان على إمكانية بناء مواقف مشتركة معها على قاعدة العداء للولايات المتحدة. فإنّ هنالك سبباً آخر يغطس وراء التحول الاستراتيجي من إيران ويمكن رصده بوضوح من خلال تشكيك الظواهري بالنصر الذي حققه حزب الله على إسرائيل صيف 2006، والذي عزز من شعبية حزب الله وزعيمه حسن نصرالله، ومنحهم "موقعاً رمزياً" في المشهد السياسي والإعلامي العربي. وهو الموقع الذي يقلق القاعدة ويرفع من مستوى هواجسها من تآكل شعبيتها وشرعيتها داخل الشارع العربي السني.
يتوازى مع هذه الأسباب ارتفاع وتيرة الصراع الطائفي في المنطقة في الآونة الأخيرة، وهي نزعة يمكن استثمارها بصورة فاعلة في عملية التعبئة والتجنيد للشارع السني خلف خطاب السلفية الجهادية عموماً، التي تشكل أقصى "اليمين السني" في مواجهة مخاطر "التشيع" السياسي والديني.
المسألة، إذن، في سياقها الرمزي والتاريخي تعكس الصراع بين قوى سنية وشيعية على صدارة المشهد الإسلامي، من حيث مشروعية الخطاب الديني أولاً والمشروعية الواقعية من خلال المواجهة مع مشروع الاحتلال والهيمنة الخارجية ثانياً.
الدلالة الثانية في الشريط تتمثل بحضور قيادات القاعدة الرئيسة، في مقدمتهم بالطبع أيمن الظواهري، الذي بدأ يقوم بدور المنظِّر الاستراتيجي والموجِّه لأبناء "القواعد" التي تدور في فلك المركز، إما فكرياً أو حركياً، ويتولى الإشراف على الرسالة السياسية والإعلامية للقاعدة، وقد أصبحت هذه الرسالة، من خلال شبكة الانترنت، حلقة الوصل والاتصال الرئيسة التي تشكل الجامع الرئيس بين المنتمين لهذه الشبكة أو المؤيدين لها.
المفاجأة البارزة في الشريط تتمثل بحضور شخصيتين فاعلتين، الأول هو عطية الله، وقد أصبح يحظى بشعبية كبيرة بين أنصار القاعدة، وله دوره التوجيهي الكبير على شبكة الانترنت، خلال الشهور الأخيرة، ويُعرف بصورة خاصة من خلال الملف العراقي، وكان له دور في السجال الإعلامي بين القاعدة وفصائل "المقاومة العراقية"، خلال مرحلة المواجهات المسلحة قبل حوالي عام.
أما الشخصية الثانية فهو أبو يحيى الليبي، ويمثل اليوم أبرز من يتولون عملية الفتوى والتنظير الشرعي والفقهي داخل الشبكة. أمّا حضور أبو اليزيد المصري، أمير القاعدة في أفغانستان، فالقيمة الرئيسة لذلك تتمثل في إنهاء الإشاعات حول مقتله، قبل أسابيع.
على صعيد "القواعد" المرتبطة بالقاعدة؛ فمن الملفت أنّ الشخص الوحيد الذي حضر في الشريط هو أبو مصعب عبد الودود، وهو القيادة المفتاحية في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، والذي قام بعمليات أمنية متعددة خلال الفترة الأخيرة.
بينما يلاحظ غياب أبو حمزة المهاجر أو أبو عمر البغدادي (قادة القاعدة في العراق) ومحمد خليل الحكايمة (قائد القاعدة في بلاد الكنانة)، ما يعكس بصورة ملموسة تراجع التنظيم في العراق مقارنة بالسنوات السابقة، وعجز التنظيم عن القيام بأي عملية نوعية في مصر، على الرغم من الإعلان عن وجوده، مما يؤكد قوة وتجذّر حالة "المراجعات" التي كرستها قيادة الجماعة الإسلامية والجهاد، والتي وصلت ذروتها مع "وثيقة" د. فضل في الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها "التنظيمات المسلحة" خلال المرحلة الأخيرة، واستدعت رداً مطولاً من الظواهري نفسه.
في المقابل؛ يعكس حضور ثلاث شخصيات مفتاحية في القاعدة المركزية في الشريط، وذلك عقب شريط آخر أعلنت فيه القاعدة مسؤوليتها عن تفجير السفارة الدنماركية في باكستان، حالة الارتياح الشديد التي يعيشها التنظيم اليوم في كل من باكستان وأفغانستان، بالتحالف مع طالبان أفغانستان والباكستان، والجماعات الإسلامية المحلية الأخرى.
فمن الواضح أنّ أجواء التوتر الحالية في باكستان تمثل محضناً ذهبياً للقاعدة ونشاطها وازدهارها، لكنه محضن مؤقت مرتبط بالشروط الموضوعية، وليس حالة مطردة ثابتة.
الرسالة السياسية الأبرز في هذا الشريط أنّ قادة القاعدة ومفاتيحها يؤكدون استمرار المعركة وعلى تماسك التنظيم وبقائه على قيد الحياة، على الرغم من "السبع سنوات من الحروب الصليبية"، وهو العنوان (أي الاحتلال والهيمنة) العنوان الأبرز الذي تستطيع القاعدة من خلاله الإبقاء على قناة التجنيد والتعبئة في الشارع العربي.
ربما لم تتمكن القاعدة منذ الحادي عشر من سبتمبر تنفيذ عمليات نوعية بذات القدرة ضد أهداف صلبة، فاتجهت إلى الأهداف الناعمة، لكن هنالك توافقاً بين أغلب المراقبين والباحثين أنّ خطورة القاعدة ازدادت في نواحٍ أخرى بتحولها إلى "رسالة سياسية" تتلقفها جماعات هنا أو هناك، وتشكل محفزاً للعديد من الشباب العربي والمسلم في سياق حالة من الإحباط والفوضى والفشل تسود في أغلب هذه المجتمعات.
من إضعاف القاعدة المركزية إلى تفشي "القواعد" في العديد من البقع، ومن العمليات المركزية إلى معارك محلية وإقليمية متعددة، تمارس فيها قيادة القاعدة المركزية دوراً توجيهياً إعلامياً لتحديد المسار العام، بينما يتولى "القادة الميدانيون" مسؤولية المعركة العسكرية والأمنية على أرض الواقع، ومن صعود بمناطق إلى ضعف وتراجع في أماكن أخرى.
الإجابة عن سؤال "حالة القاعدة" بعد هذه السنوات يكمن في التساؤل فيما إذا كانت الشروط التاريخية والواقعية التي أنتجت القاعدة انتهت، أم لا تزال قائمة، وربما تزداد سوءاً؟!