الأخبار التي نقرأها في الصحف عن رد محكمة العدل العليا لقرارات لوزراء ومسؤولين بحق موظفين، فصلا أو نقلا أو أي إجراء تعسفي تفوق في الأهمية والنتائج أضعافا مضاعفة تلك الندوات والمؤتمرات والمؤسسات الإعلامية الكثيرة المشغولة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ففي المحصلة ليست الديمقراطية تحفة أنيقة نحتفي بها في فنادق الخمس نجوم، ولا هواية جميلة نمارسها في الصالونات الأنيقة، وليست أيضا أيديولوجيا نحشد لها الدعاة والمنظرين، أو نكسب مناصريها بحفلات العلاقة العامة، ولكنها ببساطة عقد اجتماعي تقوم عليه المصالح اليومية، هي أن تقوم المؤسسات والمجتمعات بأعمالها وتسعى لمصالحها بحرية، وبلا قيد سوى القانون، وعندما تتضارب الحقوق والمصالح والآراء فإن القضاء هو المرجع الذي يفصل.
أعتقد أنها مناسبات مهمة يجب أن تحتفي بها الصحافة وتمنحنا فرصة كبيرة ليعرف الناس ويمارسوا أيضا حقوقهم ويتحملوا مسؤولية أعمالهم أيضا، فكان بوسع الصحافة ومندوبيها أن تتحدث مع الأطراف جميعها، وتقدم للمجتمع حالة دراسية عملية عن رعاية القضاء (وليس غير القضاء) وتنظيمه لعلاقات الأفراد والمؤسسات.
المسألة على نحو عملي ويجب أن يشجع ليكون ممارسة يومية، أن شخصية اعتبارية أو فردا من المواطنين أو المقيمين تشعر بضرر، فتتقدم للمحكمة مبينة الضرر الذي لحق بها وتحاول إثباته، فيفصل القضاء ويرد لصاحب الحق حقه، ويعطي المخطئ ليصلح خطأه، ومن الطبيعي عندما تمنح الصحافة الحرية أن تتحمل المسؤولية وأن تقع أيضا في الأخطاء، فمن لا يخطئ هو فقط من لا يعمل، ولذلك فإن المقياس العملي للديمقراطية وحريات النشر وإبداء الرأي بحجم الاعتذارات والقضايا التي تبت في المحاكم مؤيدة طرفا من الأطراف المتضررة أو المختلفة حول مسألة ما.
وتترسخ الديمقراطية عندما يستطيع كل شخص أن يذهب للقضاء لتحصيل حقه أو دفع ضرر أو ظلم وقع بحقه، وعندما تبطل المحاكم قرارات وعقودا وعطاءات وتوريدات يرى مدعون أنها مخالفة للقانون، وما عدا ذلك من فضول المؤتمرات والندوات والتصريحات واللقاءات والمشاركات الإعلامية والسياسية فلا يعدو كونه زينة غير ضارة!
فما يحمي المواطنين والمصالح والمقيمين والزوار والمستثمرين والعابرين ليس المؤتمرات الديمقراطية ولا الفضائيات التي يقول الناس فيها ما يشاؤون عن الوحدة والتسوية السياسية والتطبيع والمقاومة والصراعات الدولية والإقليمية، ولكن تحميها الثقة بأن حقا لا يضيع وأن اعتداء على مصلحة أو انتهاكا لقانون لا يمر، وعندما يدفعون الضرائب بعدالة ويتنافسون على الموارد والفرص والأعمال والمناصب والعطاءات والعقود والمنافع بعدالة تامة، ويحتكمون عند الاختلاف عليها إلى مرجعية مجمع عليها وموثوق بها.
وعندما، وفقط عندما، ترتبط حياة المواطنين اليومية والمعاشية بهذا العقد الاجتماعي، وتتحول هذه الثقة إلى مورد كبير، فتكون الديمقراطية محركا للموارد والمصالح والاستثمارات والأعمال والمهارات تزيدها وتطورها، فإذا لم تنعكس على موارد الناس والدول ومعاشها وإنتاجها لا يكون ثمة فرق بينها وبين جهود المحافظة على البوم المرقط والسلاحف النادرة والمهددة بالانقراض.
الجهود والأعمال التي تقوم بها مؤسسات دولية ومحلية للتدريب على الديمقراطية تدعو إلى الرثاء والحيرة حول هذا البزنس الفج والمؤذي أيضا للذوق، والذي يرتدي قناعا من الأناقة والرطانة الساذجة، فلم يعد ثم حاجة لها، ولا تمثل من الأولويات والطموحات سوى فرصة للمشاركة في أسلوب من الحياة في الفنادق بعيد المنال، ولو شغل هؤلاء الشباب أنفسهم وبالموارد المتحصل عليها في شبكة من مناصرة الناس والأفراد ومساعدتهم في إسماع صوتهم والمطالبة بحقهم لدى المسؤولين والمحاكم ووسائل الإعلام، فسوف يحققون كل يوم عشرات الانتصارات والإنجازات الحقيقية، وساهموا أيضا في تخفيف فاتورة الواردات.