بعد أن خلد التاريخ حذاء الفنان الهولندي فان كوخ الذي رسمه في لوحته الذائعة الصيت، سيتذكر التاريخ المعاصر فردتيْ حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي الذي كتب بهما أمس أنشودة الثأر من آلام ملايين الضحايا والمعذبين في الأرض. ويا ليت الفردتين أصابتا الرئيس الأميركي جورج بوش كي تذكره كدماتهما بالعار الذي كلل ثمانية أعوام من حكم العالم واضطهاد العراقيين وتفتيت بلادهم وغض الطرف عن مأساة الفلسطينيين والمجازر في أفغانستان وسواها من البلدان التي عبثت بمقدراتها قوات المارينز والطائرات الأطلسية.
لقد نال بوش ردا قاسيا لم تشفع له فيه سماجته وهو يحول الموقف إلى سخرية بذكر نمرة الحذاءين. إنها حيلة المصدوم الذي يريد أن ينأى بنفسه عن الإحساس بحجم الكراهية الذي يختزنه العراقيون والعرب والمسلمون وسائر شعوب العالم لهذا الطاغية الذي ملأ الدنيا دمارا وحوّل حياة الآدميين إلى جحيم.
هكذا يكون مصير الطغاة. وهكذا يكون حكمُ التاريخ أسبقَ إليهم من أنفاسهم اللاهثة وضحكاتهم الغبية ومناوراتهم الثعلبية الغاشمة.
فردتا حذاء شفتا غليل الملايين، لكأنما منتظر الزيدي هو المخلص المنتظر الذي شاء القدر له أن يجعل بوش يصطحب معه ذكرى الأحذية وهو يلوذ بغبار النسيان بعد أن يغادر البيت الأبيض.
ليس من السهل أن ينسى الرئيس الحذاء، فلقد لطمه الأميركيون من قبل بسائر أنواع الأحذية، وبكل المقاسات حينما انتخبوا أوباما وقلبوا ظهر المجن للجمهوريين الذين قدمهم بوش وعصابته على أنهم ندبة قبيحة وصديدية في التاريخ الأميركي.
ستعز الأحذية، بعد حذاءي الزيدي الذي انتظر اللحظة المناسبة للقصاص ممن سلبوا كرامة الشعوب وداسوا عليها بجنازير الدبابات فأثقلوا الأرواح المدمرة بالمرارات الكاوية.
وبعدما كانت الحجارة سلاح الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ستكون الأحذية سلاح المعذبين في سائر جهات الأرض ضد الجلاوزة وقاهري الناس وضد كل الدكتاتوريات، فقد ألهم منتظر الزيدي الكثيرين بحذاءيه اللذين أوقعا في قلب بوش هلعا أين منه الهلع الذي يبدد سكينة أطفال العراق آناء الليل وأطراف النهار؟
العراقيون سعداء بحذاءيْ منتظر. العرب والمسلمون وشعوب العالم الحية فرحة بهذا الانتصار الرمزي البالغ الدلالة لقدرة الوجدان الثائر على أن يسدد طعنة نجلاء في قلب الأشرار ومصاصي الدماء.
قبلة وداع ولا أحلى طبعها منتظر الزيدي بحذاءيه على وجنتي بوش ولو لم تصبهما. بمثل هذه القبلة يكون وداع القتلة. وبمثل هذا الوداع يليق لهذا الصحافي اليساري أن يزهو حتى لو اعتقله رموز الاحتلال الأميركي في العراق، وحتى لو أودعوه، كما يفعلون بشعبه، في غياهب السجون.
ستتسع الزنزانة ليديك يا منتظر. ستتسع لروحك الموارة بالعواصف. ستتسع للبراكين الخفاقة في قلبك. وستكون كل قلوب الناس فسحتك الرحبة المترامية الأطراف. ولن تقوى العتمة على النيل من شموسك الدفاقة بالشروق والضياء.