إعـــلان ▼

 
إبحث
أغنية الغد  
السبت 31 تموز 2010م
19 شعبان 1431 هـ
سامي شورش
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
ماذا لو أعلن الأكراد انفصالهم عن العراق؟
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
17/1/2009
|  

 

يرى أكثر من وسط سياسي عراقي أن الأكراد عاجزون عن الانفصال عن العراق لأسباب خارجة عن إرادتهم. في هذا الخصوص، تلوح تلك الأوساط بأسباب كردية وإقليمية تتجسد في سوء أحوال كردستان من الناحية السياسية والاقتصادية، ومعارضة دول مثل تركيا وإيران وسورية لقيام دولة كردية.

إنطلاقاً من هذه الرؤية غير الواقعية، تستخف تلك الأوساط بالمشكلات الكردية. بل أنها تتجاهل تطبيق الاستحقاقات الدستورية للأكراد أو إيلاء اهتمام كاف بأحوالهم لقناعتها بأنهم مضطرّون للرضوخ الى الأمر الواقع والقبول بتعديل الدستور بما يضمن حذف أو تعديل المواد الخاصة بحقوقهم. أما إذا واصلوا الرفض وتوجهوا الى إعلان الانفصال والدولة الخاصة، فإنهم لن يجنوا إلا على أنفسهم لأن الانفصال في الظروف الراهنة ليس أكثر من انتحار ذاتي.

أياً تكن تلك الأحوال، فالواضح أن الأكراد لا يريدون المس بوحدة الدولة العراقية. بل إنهم تجنبوا هذا المس في وقت كان فيه العراق ضعيفاً منخوراً وهشاً. في ما بعد، لعبوا دوراً مؤثراً في تخليص العراق من أزماته، إضافة الى إقناع الأطراف العراقية المتصارعة، الشيعية والسنية، على وقف تناحراتها والأخذ بمبدأ التوافق والتسامح ووضع المصلحة الوطنية فوق كل مصلحة أخرى. مع هذا، يهمّ الأكراد أن يوصلوا رسالة صريحة الى شركائهم في الدولة العراقية مفادها أنهم غير مستعدين للعيش في إطار عراق تغيب عنه الديموقراطية وحقوق الإنسان. هنا، تعود تلك الأوساط للتعبير عن تذمرها حيال الأكراد، مؤكدة في لهجة استعلاء شوفيني: اذهبوا الى الانفصال واعلنوا دولتكم ودعونا نبني العراق بمقاس خال من شوائبكم القومية! الأكيد أن هذه الدعوة تتضمن إشارة صريحة الى عجز الأكراد عن اللجوء الى خيار الانفصال. ففي رأي الأوساط العراقية: لا الاقتصاد يساعدهم. ولا الحالة السياسية. ولا مواقف الدول الإقليمية.

هنا، يبرز السؤال الأكثر أهمية: ماذا لو فعلها الأكراد؟ ماذا لو أعلنوا، على حين غرة، أنهم قرروا التمتع بحقهم في دولة ذاتية، طالبين حماية دولية من الأمم المتحدة والدول الكبرى؟

قبل الخوض في التفاصيل، يرى البعض ان أوساطاً بين الشيعة العراقيين يريدون بالفعل دفع الأكراد الى الإنفصال عن العراق لا كرهاً بهم، إنما لسبب مؤداه أن هذا سيفضي الى تحوّل السنة العرب داخل العراق الى أقلية لا تتجاوز 13 في المائة، ما يسمح لممثلي الطائفة السياسية الشيعية بالسيطرة شبه الكاملة على الدولة العراقية ومرافقها الاقتصادية والديبلوماسية. وهذا، في حال تحققه سيؤدي الى تحوّل العراق الى ثاني دولة شيعية في العالم، ما يمهد لتحقيق الحلم الذي طالما عملت من أجله إيران، أي بناء هلال شيعي قادر على تقسيم العالم الإسلامي في الشرق الأوسط الى نصفين بعد ربط إيران والعراق وسورية ولبنان عن طريق البرّ.

بعيداً عن التفاصيل، ليست أحوال كردستان العراق عصيّة على التحول الى دولة. فالحالة الاقتصادية والسياسية مستقرة. فيما الأوضاع الأمنية تتمتع بثبات واستقرار لافتين. كما أن الأكراد أصبحوا يمتلكون خبرة إدارية كبيرة بعدما نجحوا في إدارة كيانهم الذاتي الحالي لأكثر من ستة عشر عاماً. في هذا الإطار، استطاعوا تنظيم انتخابات نزيهة وناجحة قبل تحرير العراق بأكثر من عشر سنوات. ثم أقاموا انتخابات بلدية ساعدت في إطلاق تنمية عمرانية وخدمية كبيرة. أما بالنسبة الى النفط، فهناك حقول بدا الإنتاج فيها. إضافة الى قاعدة تحتية صناعية وتجارية ملائمة.

علاوة على هذا، تراكمت في الجعبة الكردية خبرة طويلة تمتد لأكثر من نصف قرن من العمل الخارجي، خصوصاً ان مكاتب الأحزاب الكردية في أوروبا وأميركا كانت في فترة الرئيس المشنوق صدام حسين بمثابة سفارات للعراقيين. فيما استطاعت كوادرها، منهم نائب رئيس الوزراء العراقي الدكتور برهم صالح ووزير الخارجية هوشيار زيباري، إقامة شبكة حيوية من العلاقات الديبلوماسية مع مختلف الأوساط الدولية خصوصاً في أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي. مع هذا، ماذا عن العوامل الإقليمية؟

في هذا الخصوص، ينبغي أن تعرف الأوساط العراقية التي تقلل من شأن لجوء الأكراد الى خيار الانفصال أن الحالة الإقليمية تغيرت في السنوات الخمس الماضية بشكل جوهري. الواقع، ان الأكراد كانوا في مقدم الإثنيات التي استفادت من التغييرات. فتركيا، مثلاً، دخلت طور تحولات داخلية عظيمة آخرها عودة السخونة الى علاقاتها مع الأكراد. في الواقع، يتفق القسم الأعظم من المراقبين على انعدام فرص عودة أنقرة الى مخاطبة أكراد العراق بالسلاح. المتفائلون وسط المراقبين يرون أن تركيا قد لا تعارض في مستقبل قريب انضمام كركوك الى خارطة كردستان العراق. بل قد لا تعارض إرادة الأكراد في الانفصال عن العراق. ما بدأته أنقرة من خطوات في اتجاه الأكراد قد تنتهي الى تطبيع ساخن لم يتوقّعه كثيرون. لكل هذا، ليس من الحكمة في شيء التعويل على المعارضة التركية للدولة الكردية في العراق.

أما إيران وسورية فمواقفهما شهدت أيضاً تحولات. أولاً، الدولتان تعيشان مشكلات خطيرة مع الولايات المتحدة، الأولى بسبب برنامجها النووي ودعمها لما تصفه واشنطن بالإرهاب في الشرق الأوسط. فيما الثانية تواجه صعوبات جمّة في علاقتها مع المجتمع الدولي وأميركا بسبب لبنان والمحكمة الدولية الخاصة بمقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري. هذا بالطبع، إضافة الى مشكلاتهما مع اسرائيل حيث لا تني الأخيرة عن التلويح بضربات جوية محتملة ضد أهداف عسكرية ونووية في الدولتين.

فيما الحال على هذه الشاكلة، لا يمكن للدولتين أن تعطيا العالم ذريعة جديدة لمعاداتهما عبر تجييش الجيوش ومهاجمة كردستان العراق، خصوصاً أن المسؤولين الأكراد لم تبدر منهم إشارة الى رغبتهم في تأجيج الصراع مع الدولتين او السماح باستخدام أراضيهم لشن الحروب ضدهما. أما في حال الضرورة القصوى، فالأكراد حالهم حال بقية الشعوب والأمم، يمكن أن يدفعوا ضريبة الجيرة مع دول مصنفة ضمن قوائم الإرهاب في العالم. لكن الأكيد ان المجتمع الدولي لن يسكت عن تعرض شعب يفوق عديده على أربعة ملايين الى الهجرة والتشرد واللوذ بالجبال ومواجهة الهجمات العسكرية الكاسحة. ما يزيد من احتمال كهذا أن الأكراد بالفعل نجحوا، بشهادة الجميع، في إقامة تجربة ديمقراطية قد لا تكون مثالية لكنها جيدة مقارنة بأحوال المنطقة.

مع هذا كلّه، لا يفضل الأكراد خيار الانفصال. بل يتوقون للعيش في كنف عراق ديمقراطي فيدرالي دستوري موحد. أما بقاؤهم داخل العراق فلا يعني أنهم عاجزون عن خيار آخر. إنما يعني أنهم عازمون على حل مشكلاتهم في إطار الدولة العراقية عبر الوسائل السلمية والحوارية ووفق الاستحقاقات التي ينص عليها الدستور. وفي حال عدم رضوخ الحكومة العراقية لمنطق الديمقراطية والحوار فإن الانفصال سيكون حتماً أكثر الاحتمالات واقعية خصوصاً أن وسط العرب تكوين هائل من المثقفين والسياسيين لا يعارض تمتع الأكراد بحق تقرير المصير بما فيه حق تكوين الدولة المستقلة.

سامي شورش
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)