إعـــلان ▼KING Hussein Cancer Foundation

 
إبحث
أغنية الغد  
الثلاثاء 7 ايلول 2010م
28 رمضان 1431 هـ
هاني الحوراني
هاني الحوراني
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
القاهرة 1966
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
13/2/2009
|  

في مثل هذه الأيام، من مطلع عام 1966، قضيت في القاهرة اجازة منتصف العام الدراسي الأول وأنا على مقاعد كلية العلوم السياسية والادارية في الجامعة الأردنية. الذي أعاد تلك الرحلة إلى الذاكرة، هو وفاة محمود أمين العالم، المفكر المصري اليساري المعروف، الذي غادرنا في كانون الثاني (يناير) الفائت.

تذكرت تلك الرحلة والاجازة الحافلة، لأني كنت أجريت حوارات صحافية مع محمود أمين  العالم، ونجيب محفوظ ومجموعة أخرى من الرموز الأدبية والفنية المصرية. وهي حوارات لم يطلبها مني أحد، لكنها كانت محاولة مني لإثبات الذات، و"للتباهي" على الأرجح، بمقابلة هذه الأسماء الكبيرة خاصة وأني كنت في بداية محاولاتي الكتابية في الصحافة الأردنية والعربية. كانت زيارتي هذه للقاهرة الزيارة الأولى لها، في زمن كنا نؤمن بحق أن مصر هي "أم الدنيا"، وكانت هي تتصرف حينها باعتبارها "أم الدنيا" فعلاً، ولم نكن قد شهدنا بعد الانكسار العظيم الذي رافق هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وزعزع ايماننا بالنظام الناصري، وشكل بداية الانحسار للناصرية والقومية كفكر سياسي مهيمن على الساحة العربية.

خلال تلك الاجازة القصيرة، لكن المفصلية، أجريت أولى المقابلات مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، حيث تركزت أسئلتي على آخر رواياته التي كانت قد صدرت في عام 1965، وأثارت نقاشاً حاداً حولها، أعني بها رواية "ثرثرة فوق النيل"، التي أرهصت بأزمة مصر السياسية والفكرية، ثم جاءت هزيمة حزيران 1967 لتقيم البرهان عليها بصورة مفجعة. وما أذكره حينها، أنني قمت بسلسلة من المناورات للحصول على رقم الهاتف المباشر للأديب نجيب محفوظ، لكنني وقعت على رقم هاتف الدكتور (الطبيب) نجيب محفوظ قبل أن أصل إلى رقم منزل نجيب محفوظ الروائي. وحين تحدثت اليه، ادّعيت اني أمثل جريدة "الحرية" الأسبوعية اللبنانية، التي كانت تنطق باسم حركة القوميين العرب، وهكذا حصلت على موعد لإجراء المقابلة معه.

في تلك المقابلة اصطحبت معي أخي، الذي كان يدرس في القاهرة، حيث تقمص دور المصور الصحافي. وعندما صعدت بالمصعد إلى مكتبه في برج التلفزيون، تلقيت كناصري شاب قادم من الأردن، أول صدمة سياسية حين تقدم مني "مخبر" قبل أن أطرق باب الأديب الكبير، وأخذ يسألني عن هويتي والصحيفة التي أمثلها ولماذا أريد أن أقابل نجيب محفوظ. ولم يخطر ببالي، حينها، أن رجلاً بقامة محفوظ الأدبية، يجري التحري عمن يزوره وأسباب الزيارة. وبعد أن دلفت إلى مكتب الأديب الكبير كان أول أسئلته: كيف حصلت على رقم هاتف المنزل؟ ومن العجيب أنه لم يسألني عن عمري، فقد شرع في الاجابة عن أسئلتي باقتضاب، وعندما انتهينا التقط أخي صوراً لنجيب محفوظ ولي في وضعية "الحوار الجاد"! لا، بل طلبت إلى الأديب الكبير تقليب مجلة "الحرية" التي كانت تصدر حينها بحجم "التابلويد"، متظاهراً بقراءتها، وقد تجاوب مع طلبي مما أتاح لنا أخذ المزيد من الصور. ولست بحاجة إلى الاشارة الى ان نجيب محفوظ لم يكن يعرف عن هذه المجلة من قبل، وأن تلك المناسبة ربما كانت الوحيدة التي تصفح فيها نجيب محفوظ "الحرية" الأسبوعية اللبنانية.

كان موعدي الثاني مع المفكر محمود أمين العالم في مقهى "جروبي" الشهير على أحد نواصي ميدان طلعت حرب في وسط القاهرة، لكني حين دخلت اليه لم يكن العالم قد وصل بعد، وأثناء انتظاري له وجدت رجلاً نوبياً طويل القامة، يواصل التحديق بي بفضول، وافترضت انه "مخبر"، يرصد حركة المترددين على المقهى، فبادلت نظرته الفضولية بنظرات تقدح شرراً وجفاء. لكنه لم يلبث أن تقدم نحوي بتهذيب بالغ ليعرّفني بنفسه، وللمفاجأة فقد تبين أنه محمد خليل قاسم، كاتب رواية "الشمندورة"، وهي أول رواية نوبية تصدر في مصر، وكانت تنشر على حلقات في اسبوعية "صباح الخير" الصادرة عن دار روز اليوسف. وقد أوفده محمود أمين العالم ليكون بانتظاري في المقهى ريثما ينهي عملاً طارئاً حال دون وصوله في الموعد.

ليتني كنت أعلم أن محمد خليل قاسم الذي احتفت مجلة "صباح الخير" حينها بروايته "الشمندورة" ونشرتها على حلقات، وقد زينت حلقاتها برسوم أهم فنانيها، لن تطول به الحياة، إذ توفى في أيار (مايو) 1968، أي بعد ذلك اللقاء العابر معه في مقهى "جروبي" بعامين ونيف، عن عمر لا يتعدى الخامسة والأربعين بكثير!

وكيف لي أن أعلم، وأنا أحدج محمد خليل قاسم بنظرات عدائية، ظناً مني انه مخبر، في لقائي العابر معه في مقهى "جروبي" أنه، مثل محمود أمين العالم، عاش مناضلاً متعلقاً بمثله ومبادئه، فقد انضم إلى جماعة الاخوان المسلمين في اواسط الأربعينات لكنه غادرها سريعاً إلى نقيضها، أي الحركة الشيوعية المصرية، لينتهي عام 1946 إلى السجن. وخلال تواجده في المعتقلات السياسية، التي ما ان يغادرها حتى يعود اليها، لم يكتف بمحو أمية المساجين وإنما أمية السجانين أيضاً، ولقد ظل هكذا حتى الإفراج عنه آخر مرة عام 1963.

أستسمح القارئ بأن أضيف بضعة سطور عن محمد خليل قاسم الذي عرفته فعلاً بعد وفاته، ولقائي العابر معه.

فقد روى محمد خليل قاسم في "الشمندورة" قصة قريته "قتة"، من أراضي النوبة التي أغرقتها تعلية سد أسوان الثانية عام 1933، وتُذَّكرنا "الشمندورة" بأعمال الفنان العراقي نوري الراوي، الذي ظل "يروي" بالألوان قصة بلدته "راوة" في شمال العراق التي غمرتها مياه الفرات، بعد بناء سد عليه، وتحولت بعدها إلى أسطورة تعيش في ذاكرة الفنان ووجدانه، يتخيل مبانيها وأشجارها وهي  تحت الماء، مجسداً هذه الصورة الخيالية في الكثير من لوحاته.

كتب محمد خليل قاسم رواية "الشمندورة" سراً في معتقل الواحات، وبقلم "كوبيا" على ورق بدائي الصنع، قبل أن تنشر وتوضع في مقام أهم الأعمال الروائية المصرية، ولتقارن مع رواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي. وفضلاً عن أعماله الأدبية فقد لعب قاسم دوره في اكتشاف ورعاية جيل من الأدباء والفنانين النوبيين.

وبالعودة إلى محمود أمين العالم الذي دخل مقهى جروبي بعد انتظار قليل مني، ليفاجأ بأن القادم من الأردن لم يكن رفيقاً مخضرماً من الحزب الشيوعي الأردني كما توقع، ولم يكن يحمل في جعبته رسالة سرية "توصى بحاملها"، أو تنقل اليه أخبار الحزب الشقيق، أو تحيات قادته. فقد وجد فتى يافعاً، ضئيل الحجم، يصارحه بأنه قومي ناصري، بدأ للتو بالتعرف على الماركسية عن طريق الكتب المهربة، والمجلات اليسارية التي بدأت الرقابة على المطبوعات تسمح بدخولها في فترات الانفراج القصيرة التي عرفها الأردن في الستينات.

ومع الوقت، بدأ العالم بابتسامته الدائمة وسعة أفقه يستوعب أن موعده المهم مع الزائر الأردني ليس إلا لقاء صحافيا مع شاب معجب بكتاباته المعمقة عن أعمال نجيب محفوظ الروائية المنشورة في مجلة "الكاتب" الشهرية اليسارية، أو مقالاته الأسبوعية التي باشر بنشرها في مجلة "المصور"، بعيد خروجه من المعتقلات السياسية، وكان آخر مراحلها ما بين 1959 و 1964.

سَلَّمت محمود أمين العالم حفنة من الأسئلة، لأعود بعد أيام لألتقي به في مدخل أحد مسارح القاهرة، وقد أجاب عن أسئلتي باستفاضة أسعدتني، أولاً، لأنها أشعرتني بجدية تعامله مع محاولاتي الصحافية المبكرة، التي لا ريب عندي انها لم تخلُ من سذاجة، وثانياً، لأنه زودني "بصيد ثمين" كثير الصفحات، لا بد أن يثير اهتمام الناشر والقارئ بغنى محتواه.

لم أعد أذكر ماذا سألت محمود أمين العالم وماذا أجابني. لكني لن أنسى أبداً سخاءه وجديته في تعامله مع أسئلتي ... ولليوم أشعر بالامتنان لدماثته واستجابته بالرد المستفيض على تلك الأسئلة. وكان علي أن انتظر نحو ثلاثين عاماً لاحقة لأزور القاهرة للمرة الثانية، ولأراه مجدداً بين الحين والآخر خلال مؤتمرات ومناسبات مختلفة منذ عام 1996.

ليس من السهل اختزال مسيرة محمود أمين العالم ومنجزاته في مجال الثقافة والفكر، والتي استهلها بكتابه الشهير "في الثقافة الوطنية"، الذي ألفه مع صديق عمره د. عبد العظيم أنيس. فهي من الغنى والتنوع ما يحول دون تسجيلها في عجالة كهذه. ولعلي أتفق مع د. فيصل دراج حين قال إن أعظم أعماله هي حياته ذاتها، بكل ما حفلت به من تجارب وأدوار. ولعلي أضيف أن روحه المتفائلة وانفتاحه كانت أبرز سماته الشخصية. وربما يفسر ذلك أن نجد المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين، مهدي عاكف، في مقدمة المشيعين لجثمان الماركسي والشيوعي محمود أمين العالم.

لم أكتف في اجازاتي القصيرة في القاهرة بمقابلة نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم، ولا بد أن طموحي الجامح لم تعد تحده حدود، وهكذا توجهت إلى دار روز اليوسف، حيث سعيت لمقابلة الشاعر صلاح عبد الصبور لأكتشف أنه في رحلة أدبية إلى الهند. وهكذا تحولت إلى الشاعر عبد المعطي حجازي الذي كان يليه في النجومية. لكنه كان أقل صبراً معي، وهكذا لم يتردد في إعادة أسئلتي إلي، باعتبارها محاولات ساذجة لفهم الشعر الحديث، ناصحاً إياي أن أقرأ أكثر قبل أن أعود اليه!

لكن هذا لم يمنعني من المحاولة مع رسام الكاريكاتير المعروف جورج البهجوري الذي اشتهر بخطوطه الحرة والمختزلة في الرسم الكاريكاتوري، ونجحت في إجراء حديث معه. ولم يلبث أن غادر البهجوري مصر وهجر الرسم الكاريكاتوري ليعيش كفنان تشكيلي في باريس في حياة بوهيمية امتدت به لسنوات طويلة قبل أن يعود ثانية للقاهرة. وفي الوقت نفسه أجريت مقابلة مع د. مصطفى محمود، الطبيب الذي تحوّل نحو الصحافة والتأليف، وكان يعمل في دار روز اليوسف، لكن هذا الكاتب الذي بدأ يسارياً يجاهر بعلمانيته ويتحدى المعتقدات الدينية الراسخة شهد، منذ أواسط الستينات، تحولاً مفاجئاً قاده إلى التحول إلى "داعية اسلامية" ذائع الصيت، وإلى وجه تلفزيون شهير بنى معه ثروة طائلة.

بالتوازي مع هذه المقابلات استنحت فرصة تلك الاجازة القصيرة لمشاهدة أبرز إبداعات المسرح المصري حينذاك، فشاهدت أعمالاً ليوسف إدريس ونعمان عاشور، وحتى لعميد المسرح المصري، يوسف "بيه" وهبي الذي كان يعرض مقتطفات من مسرحياته المختلفة في أحد مسارح الاسكندرية، بل إني شاهدت عملاً مسرحياً لأحمد سعيد مدير إذاعة "صوت العرب"، صوت الناصرية المجلجل، الذي كان يتوعد اسرائيل والرجعية العربية "بالثبور وعظائم الأمور"، قبل أن يأفل نجمه، مباشرة بعيد هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

كان يفترض أن أنشر المقابلات التي أجريتها مع نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم وجورج البهجوري ومصطفى محمود في صحيفة "الحرية" الأسبوعية التي كانت تمثل حركة القوميين العرب، وتصدر في بيروت. لكني ما إن عدت من هذه الاجازة الحافلة حتى فوجئت بوقوع حملة ملاحقات شاملة للأحزاب السياسية العاملة تحت الأرض (وكنت منتسباً لواحد منها) تزامنت مع الاجازة القصيرة التي قضيتها في القاهرة. وقد شغلني ذلك عن مهمة تحرير المقابلات وإعدادها للنشر.

وعلى أثر الاعتداءات الاسرائيلية على قرية السموع التي وقعت في العام نفسه، وجدت نفسي ملاحقاً بعد تنظيم مظاهرات احتجاجية في الجامعة الأردنية. ومع ذلك فقد بدأت بإعداد المقابلات للنشر، وأذكر أني أرسلت مقابلتي مع نجيب محفوظ إلى الشاعر عبد الرحيم عمر الذي كان يرأس تحرير مجلة "أفكار" حينذاك. وكادت المقابلة تنشر، بعد أن وافق عليها، لكنه لم يلبث أن اعتقل مع العديدين الذين شملتهم حملة الاعتقالات الثانية لعام 1966. وهكذا انتظرت حصيلة مقابلاتي مع نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم والآخرين إلى ما بعد حرب 1967، وبدلاً من نشرها في "الحرية" الأسبوعية، قمت بإرسالها إلى الأديب المعروف غسان كنفاني الذي قام بنشرها تباعاً في الملحق الأسبوعي لجريدة "الأنوار" وهو ملحق حافل بالمقالات السياسية والفكرية والثقافية، وكان يرأس تحريره حينذاك.

 hani.hourani@alghad,jo

هاني الحوراني
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)