إعـــلان ▼bayt

 
إبحث
أغنية الغد  
الخميس 9 ايلول 2010م
30 رمضان 1431 هـ
هاني الحوراني
هاني الحوراني
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
العلاقة مع العراق الجديد: نحو مقاربة استراتيجية
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
21/2/2009
|  

 

 أعلنت الحكومة الأردنية مؤخراً، وبشكل خاص على لسان وزير الداخلية، عن اتخاذ اجراءات جديدة لتسهيل دخول العراقيين وإقامتهم في الأردن، بعد أن كانت قد اتخذت قبل أشهر قليلة (أيار/مايو 2008) اجراءات صارمة لتقييد دخول العراقيين للأردن، من أبرزها ضرورة حصولهم على تأشيرة مسبقة من السفارة الأردنية ببغداد، واعتماد شركة TNT لاستلام طلبات التأشيرة وإيصالها للسفارة الأردنية، من خلال مكاتبها في المدن العراقية.

وكان الأردن قد وضع تدابير أكثر تشدداً لدخول العراقيين الى أراضيه بعيد العمليات الإرهابية التي استهدفت ثلاثة فنادق في العاصمة الأردنية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وكشفت التحقيقات في حينها مسؤولية تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" عن هذه التفجيرات، فضلاً عن محاولات ارهابية أخرى استهدفت عدداً من المرافق الأردنية.

التسهيلات الأردنية الجديدة لدخول العراقيين الى الأردن، ومنها تمديد قبول دخول العراقيين بجواز سفرهم القديم من فئة "S" الذي كان أوقف العمل به بدعوى سهولة تزويره، وكذلك السماح للعراقيين القادمين من دولة ثالثة، اي ليس مباشرة من العراق، بدخول الأردن  بدون تأشيرة أردنية مسبقة، وتخصيص مكتب للمستثمرين العراقيين في مطار الملكة علياء الدولي لتسهيل معاملة دخولهم الى الأردن، جاءت بعد ثمانية أشهر فقط على العمل بالتأشيرات المسبقة لدخول المواطنين العراقيين، والتي كانت موضع شكاواهم، وحدت بقوة من دون دخولهم أو انها دفعتهم للتحول، (خاصة المستثمرين منهم) نحو دول عربية أخرى. هذه التغييرات الإجرائية تطرح سؤالاً ملحاً، عن مغزى التقلبات الحادة والسريعة في التعامل مع الأخوة العراقيين، وما اذا كانت لدينا في الأردن رؤية استراتيجية أو طويلة المدى تجاه الدولة الجارة والشقيقة؟!

أسبوعية "السجل" نشرت في اواخر كانون الثاني الماضي ان التسهيلات الجديدة الممنوحة للعراقيين، جاءت على اثر غداء على شرف الملك عبدالله الثاني أقيم في منزل المهندس علي أبو الراغب، رئيس الوزراء السابق، استمع خلاله الى شكاوى رجال أعمال عراقيين من استمرار العمل بإجراءات "الفيزا" المسبقة لقدوم العراقيين، وأن الملك تفاجأ من هذه المعلومات ووعد بمعالجتها وتسهيل دخول العراقيين الى المملكة.

أما وزير الداخلية الذي شكل على إثر ذلك لجنة خاصة في وزارته لوضع اجراءات جديدة تيسر دخول العراقيين وإقامتهم في المملكة، فصرح "للعرب اليوم" في مقابلة معها يوم 25 الشهر الماضي أيضاً، أن التسهيلات سوف "تضبط" عدد العراقيين القادمين الى الأردن، مما يشير الى أن صانعي القرار الحكومي ليس لديهم فهم موحد أو مستقر للعلاقة مع العراق الجديد. فهل هذه التسهيلات تستهدف المستثمرين العراقيين من دون غيرهم؟ وماذا عن بقية العراقيين؟ ولماذا هذه المعاملة التمييزية، اذا صح أنها انتقائية او "منضبطة"، كما صرح وزير الداخلية.

ان هذا التقلب الحاد في المواقف الأردنية تجاه العراقيين بات يتطلب مناقشة مفتوحة، وسياسات واضحة ورؤية استراتيجية تتجاوز الأوضاع المؤقتة التي مر بها العراق منذ عام 2003 وحتى الآن. فماذا نريد من العراق وما هي طبيعة العلاقة التي نتطلع الى اقامتها معه. وما هي العقبات أو الاعتبارات التي ما تزال تحول دون تطويرها الى المستوى المرجو؟!

لا نأتي بجديد اذا قلنا ان العراق والأردن تربطهما علاقات تاريخية قديمة ووثيقة تعود الى الأيام الأولى لنشأة البلدين، أي إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى والاقتسام الغربي للتركة العثمانية في المشرق العربي. وقد حكم اثنان من أبناء الشريف حسين، هما عبدالله الأول وفيصل الأول ثم أحفادهما البلدين، وخضعا معاً للانتداب والنفوذ البريطاني حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقام اتحاد هاشمي بين البلدين عام 1958، مباشرة بعيد الوحدة السورية – المصرية، وتحت تأثير التهديد الراديكالي الذي مثلته حينذاك. لكن الاتحاد الهاشمي والوحدة السورية المصرية انتهيا سريعاً، جراء ثورة تموز 1958 العراقية ثم جراء الانفصال السوري عام 1961.

ورغم تعاقب العهود السياسية التي مرت بالعراق منذ عام 1958 وحتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003، فقد اتسمت علاقات الأردن بالعراق الشقيق بنوع من الثبات والعلاقات التي تراوحت بين الحرارة والفتور، لكنها قلما شهدت تقلبات حادة أو توترات استثنائية. ولم يكن مجرد مصادفة ان تكون علاقات الأردن مع العراق أكثر استقراراً ووثوقاً من علاقاته بجيرانه الآخرين، فالبلدان شكلا ولا يزالان حالة من الاعتمادية المتبادلة، مع اختلاف أسباب هذه الاعتمادية لكل منهما. ولقد آن الأوان لتطوير هذه الاعتمادية المتبادلة، التي ليس عيباً ان نشير إلى أن صراعات وحروب المنطقة كانت وراء تعزيزها واستمرارها. فالمطلوب الانتقال بهذه العلاقة من حالة الضرورة القسرية او المحكومة بالظروف الاقليمية الى حالة من التكامل الاستراتيجي بين البلدين.

لتحقيق هذا الانتقال فإن على صاحب القرار السياسي في الأردن اخراج العلاقة مع العراق من دائرة ذهنية ادارة الأزمات، فالعراق يجب أن ينظر اليه كعمق استراتيجي للأردن، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والثقافي، وعليه ان يحقق اختراقاً نوعياً في نمط العلاقة المقامة معه الى مستوى الشراكة والتكامل الاستراتيجي، ويخرج بها من دائرة التعامل السابق معه، والذي كان يتراوح ما بين اعتبارات الأمن وبين اعتبارات الانتفاع المؤقت بميزات اقتصادية، مثل استئناف المنحة النفطية المجانية والأسعار التفضيلية للنفط العراقي، أو منح التسهيلات للمستثمرين العراقيين تحت تأثير ضغوط الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية على الأردن، وبهدف تشجيع الاستثمارات العراقية للقدوم للأردن.

وبصراحة فإنه من المعيب أن يبدو الأردن، كما لو أنه عاد عن الاجراءات التقييدية لدخول العراقيين للأردن، وسارع الى توفير التسهيلات للدخول والإقامة للمستثمرين ورجال الأعمال العراقيين، تحت ضغط الحاجة والاضطرار، أو استجابة لطلب فئة من العراقيين من أصحاب الثروة والحظوة.

لسنا بحاجة للتشدد ولا للتساهل في الأمور التي تمس أمن الأردن أو حماية مصالحه وموارده الشحيحة. لكننا بحاجة الى سياسة واضحة وحوارات بالعمق مع العراق الجديد. ان لدى الأردن الكثير ليقدمه له، وهو في طريقه للتعافي واستعادة سيادته الكاملة وشروعه الفعلي في إعادة بناء اقتصاده. لدينا كفاءات ومهارات بشرية، ولدينا شركات مجربة للمساعدة في اعادة الإعمار.

وبالنسبة لنا فإن العراق وليس الخليج على سبيل المثال، هو العمق الحقيقي للاقتصاد الأردني، فهو السوق الذي يجب ان نسعى اليها وتأمين احتياجاتها من مختلف السلع والخدمات، كما يجب ان نكيف تخطيطنا الاقتصادي لتحقيق أكبر قدر من التكامل مع العراق وتلبية احتياجاته، من ذلك تأهيل شركات كبيرة الحجم للمقاولات والاستشارات لتلبية احتياجات إعادة البناء، ومساعدة جامعاته على إعادة اتصالها بالعالم والعلوم المعاصرة وتحديث اداراتها، وتطوير خدماتنا الطبية والعلاجية لتصبح مقصداً رئيسياً لعلاج العراقيين، وربما الأهم من ذلك تأهيل مرافقنا ومناطقنا السياحية لجعلها المقصد الرئيسي لسياحة العراقيين.

ربما الاختراق الأكبر المطلوب إحداثه تجاه العراق الجديد هو في المقام الأول فكري وسايكولوجي، ويتطلب منا في الأردن، جهداً كبيراً لتبديد الأحكام المسبقة ايديولوجياً وسياسياً تجاه النظام العراقي الجديد، والذي يتمثل في كثرة الأقلام التي تؤجج الشكوك والعداء ضده، وتحت شعارات قومية براقة، والتي لدينا بعض الأسباب للتشكك بدوافعها او بحكمتها، بالنظر الى أن معظم الأقلام التي تهاجم العراق الجديد تتم على يد أنصار النظام العراقي السابق او المنتفعين بدعمه المالي والمعنوي.

ان الاستمرار بتأجيج نزعة عداء غير مبررة ضد العراق الجديد بات يلحق الأذى بمصالح الأردن وحاجته لبناء علاقات سليمة وثابتة مع العراق الجديد.

لقد حسمت الدولة الأردنية خياراتها تجاه العراق، من خلال مبادرتها، قبل غيرها من الدول العربية، بتسمية سفير لها في بغداد، وإعادة فتح السفارة الأردنية في العاصمة العراقية. وأعلنت الدولة الأردنية أنها على مسافة واحدة من جميع مكونات الشعب العراقي من دون تمييز بينها. وقد آن الأوان لاستكمال هذه القرارات بالعمل على بلورة استراتيجية عملية لبناء علاقة تكاملية وتشاركية مستقرة بين البلدين، تراعي المصالح المشتركة للبلدين وتستجيب لمصالح الشعبين ككل، وليس لفئة منهم، أو تمليها اعتبارات آنية ومؤقتة.

hhourani@ujrc-jordan.org

هاني الحوراني
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)