هكذا بدأت أنغريد حديثها في ورشة العمل التي جمعتنا في بيروت، وضمت عدداً من الخبراء ونشطاء العمل الأهلي العربي: من هو العملاق الذي سجل نمواً أسرع من الصين!؟ اتسعت حدقات النشطاء والخبراء دهشة، هل ثمة من هو أسرع نمواً من العملاق الصيني؟. وسألنا بعفوية: من؟ وأجابت أنغريد بثقة: المجتمع المدني!
وأنغريد سيرينث ليست ألمانية أو من شمال أوروبا كما يوحي اسمها الأول، فهي هندية، أطلق والدها عليها اسمها هذا، تيمناً باسم الممثلة الشهيرة انغريد برجمان بعد أن شاهد الفيلم الشهير "كازبلانكا"، الذي كان من بطولتها الى جانب همفري بوغارت.
لم تحتج أنغريد الى تعزيز قولها بالأرقام والنسب المئوية فهي السكرتير العام لمنظمة سيفيكوس العالمية، أو "التحالف العالمي من أجل مشاركة المواطنين"، والتي تمثل حركة دولية تضم منظمات من أكثر من مائة دولة في العالم. وكانت المنظمة قد نشأت عام 1993 من أجل "تعزيز صوت الشعوب وإيصال آرائها بغية تحقيق مشاركة مدنية فعالة ومستدامة، وأن يتمتع المواطنون بحقهم في تأليف الجمعيات وتعزيز قدرتهم على المشاركة في مختلف القطاعات". وسيفيكوس تحالف مفتوح العضوية للأفراد وليس فقط للمنظمات، ويصل عدد المشتركين في نشرتها الإلكترونية الى 80 ألف شخص.
لكن أنغريد سيرينث لم تكتف بإقرار حقيقة ايجابية، وهي ان المجتمع المدني العالمي هو الأسرع نمواً، حتى من الصين، وإنما أردفت ذلك بحقيقة سلبية، وهي ان المجتمع المدني لم يكن يوماً تحت الخطر بقدر ما كان في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001. فبحجة الحرب على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة بزعامة جورج دبليو بوش، قيدت الحريات المدنية في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم وسُنت تشريعات أدت إلى تقليص الحقوق المدنية، بما في ذلك حريات التجمع والاجتماع، وإلى التدخل في الحريات الشخصية والمراقبة على الاتصالات، كما أجازت عشرات الدول احتجاز حرية المواطنين واعتقالهم من دون محاكمة ولمدد طويلة. ولهذا الغرض أنشأت سيفيكوس برنامجاً جديداً سمّي "مرصد المجتمع المدني" بهدف حماية المجال المعطى للمجتمع المدني والأفراد من أجل المشاركة في مختلف دول العالم، والرد على الأوضاع التي تتعرض فيها حريات الاجتماع والتعبير للتهديد، وللحؤول دون التدابير المهددة لها والعمل على تغييرها.
لقد تعرفت على سيفيكوس في التسعينات الماضية من خلال مطبوعاتها وأبحاثها المعمقة عن المجتمع المدني في العالم، لكني تعرفت عليها عن كثب حين شاركت، عام 2004، في ورشة دراسية في جوهانسبيرج، جنوب افريقيا، لمناقشة وتطوير مؤشر المجتمع المدني
(CSI Index) الذي يطبق حالياً في أكثر من خمسين دولة في العالم. وهو منهج بحثي لتقييم حالة المجتمع المدني في العالم، لا يسهم فقط في خلق قاعدة معرفية عن المجتمع المدني، وإنما يشكل أيضاً أداة للتقييم الذاتي له، ويفترض أن تقوم به تحالفات من المنظمات الوطنية في كل بلد.
قلت إننا التقينا قبل أسبوعين في بيروت، مجموعة من المنظمات والخبراء لتطوير منهجية تقييم المجتمع المدني العربي، اعتماداً على مؤشر سيفيكوس، وقمنا بتمارين لتطبيق المؤشر على حالة المجتمع المدني في خمسة بلدان عربية من بينها الأردن، وهو مشروع يحتاج تنفيذه لمدة عام قبل ان يخرج كل فريق وطني بتقريره عن حالة المجتمع المدني في بلده. وتنشر التقارير الوطنية في المجلد الأول من مؤشر المجتمع المدني، وهو مجلد العروض الوطنية، لكن هذه التقارير يعاد الاستفادة منها في إعداد المنظور المقارن الذي يعرض المؤشرات الدولية لتطور المجتمع المدني وينشر في مجلد ثانٍ.
وعلى الرغم من وجود عدة مراكز أبحاث جامعية ومؤسسات عالمية ترصد وتدرس المجتمع المدني، وأشهرها المركز القائم في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، إلا أن المنهجية التي طورتها سيفيكوس في وضع مؤشرات المجتمع المدني على النطاق العالمي تعتبر اختراقاً مهماً، لأنها تعتمد أساساً على المبادرات الخاصة بالتقييم الذاتي والتعلم الجماعي لمنظمات المجتمع المدني، ولذلك تعتبر منهجيتها ومخرجاتها فريدة نوعاً ما، خاصة للاعتبارات التالية: فهي أولاً أداة للتقييم قائمة على منهجية تشاركية تتضمن تجميع للمعلومات من مصادرها، ووضع دراسات حالة من أجل إجراء تقييم شمولي لحالة المجتمع المدني.
وهي ثانياً تنطوي على عملية حوار جماعية بين أعضاء منظمات المجتمع المدني والفئات ذات العلاقة للتعرف على نقاط قوة وضعف المجتمع المدني. وهي ثالثاً تقود الى أعمال مشتركة بين الفاعلين الاجتماعيين المشاركين في عملية التقييم من أجل بلورة خطة عمل ملموسة وتنفيذها، الأمر الذي يسهم في تقوية المجتمع المدني في مستوى كل بلد على حدة.
ويجب الإشارة هنا الى أننا سبق وأن طبقنا منهجية سيفيكوس عام 2005 على المجتمع المدني في الأردن، الأمر الذي ساعدنا على تشخيص نقاط قوة وضعف المجتمع المدني، وعلى بلورة خطة عمل نفذت على عامين سابقين من أجل بناء قدرات منظمات المجتمع المدني، وأدت الى بناء شبكة غير رسمية للتعلم الذاتي والتشاركي بين أكثر من 40 منظمة مدنية أردنية.
يبقى أن نشير الى أن سيفيكوس أو "التحالف العالمي من أجل مشاركة المواطنين" سبق أن أبدت قلقها الى المسؤولين الأردنيين بشأن صدور قانون الجمعيات الأخير، الذي يجافي المعايير الدولية لحقوق التجمع والتنظيم. وفي بيروت استفسرت أنغريد سيرنيث الأمينة العامة للمنظمة عن آخر التطورات التي جدّت على صعيد تعديل القانون المذكور، وتساءلت كيف يمكن لسيفيكوس أن تساعد في تحسين هذا التشريع الحيوي للمجتمع المدني الأردني. ولم أجد ما أقوله لها سوى أن الحوار حول القانون المعدل لقانون الجمعيات مايزال جارياً بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، ومن المرجح أن يعرض على الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، و"إن شاء الله خير"!