يجب أن نعترف بحقيقة مرة، وهي أن المبادرات الاجتماعية لكي تحقق النجاح الذي تستحقه، فإن في مقدمة شروط نجاحها ورواجها هو الحصول على رعاية رسمية رفيعة المستوى. دع عنك الشروط الأخرى، من مضمون المبادرة وجدواها أو مردودها، جدتها وجديتها. فقد تتوفر كل هذه الشروط، لكن المبادرة لكي تحظى بالدعم والتأييد، بل وحتى تكسب القبول العام فإن عليها أن تمر "بفلتر" الرعاية الرسمية، التي كلما سمت حظيت بفرص وافرة من النجاح والاقبال، وبعكس ذلك فإنها تطمس أو تحظى بفرص نجاح أقل.
أيهما أسبق في انجاح المبادرة: تأمين الرعاية أم جدواها الاجتماعي؟ الجواب معروف سلفاً، وهو يشبه وصفة طبية مجربة: أمّن الرعاية وبعد ذلك فكّر في ملء مبادرتك بالمضامين!
كيف يرعى المسؤولون المبادرات الاجتماعية، وكيف تصل اليهم لطلب الرعاية، وما هي سبل اقناعهم بدعم مبادرتك؟! تلكم أسئلة تصلح لدورات تدريبية أو مكاتب استشارية. أي لتأسيس "بزنس" جديد من المؤكد أن يعود على صاحبه بمردود وفير.
ولو نظرنا إلى الأمر من الجهة المقابلة، أي الرعاة الرسميين للمبادرات، فإن السؤال هو: كيف يقرر هؤلاء أن يرعوا (أو لا يرعوا) مبادرة ما؟ وهل ثمة معايير لديهم للرعاية، هل يستشيرون جهة ما قبل منح الرعاية؟ ومن هم الذين يشورون على المسؤولين بقبول الرعاية أو برفضها؟ وهل لديهم أيضاً معايير محددة؟!
بُعد ثالث لمعضلة الرعاية هو الجهة المستهدفة التي تتوجه اليها المبادرة، فإذا كانت القطاع الخاص فإن أول ما يسألون عنه هو أسماء المدعوين الآخرين، ومستوى تمثيل الشركات الأخرى، وما إذا كانت هناك رعاية رسمية للنشاط ومستوى هذه الرعاية.
وباختصار فإن مسألة دعم المبادرات الاجتماعية تحت عنوان الرعاية انفصلت عملياً وواقعياً عن الهدف السامي منها. فهي من ناحية أصبحت شرطاً مسبقاً لنجاح المبادرة، بينما المفترض أن تكون عاملاً مساعداً لا أكثر. كما أن معايير الرعاية تخضع لاعتبارات غامضة وغير محددة لا يدرك طلاسمها سوى القلة المحظوظة التي تعرف المفاتيح الرئيسية للوصول إلى الرعاية المناسبة. والأخطر من ذلك ان الجمهور والاعلام باتا ايضاً أسيرين لفخ الرعاية، ويقرران على ضوئها المشاركة في النشاط أو حصوله على التغطية اللازمة.
أحد علماء الاجتماع العرب لفت نظره كثرة لجوء المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث في الأردن للرعاية الرسمية لنشاطاتها ومؤتمراتها. وأستغرب ان هذا يحدث حتى عندما تكون موجهة إلى جمهور مهتم بموضوع النشاط، ولا يحتاج إلى تشجيع على المشاركة من خلال رعاية رسمية عليا.
مشكلة الرعاية انها قد تنقلب على طالبيها، فالجمهور الذي تجتذبه الأسماء البراقة للرعاة، هو من النوع الذي ينفض بمجرد مغادرتها للقاعة، ولا يبقى ليسمع أو ليقول شيئاً. ومن الناحية العملية فإن طالبي الرعاية قد يكونون ضحايا مباشرين للرعاة المنتظرين، فهم يستهلكون الوقت والجهد بانتظار موافقة المسؤول الكبير على الرعاية، ليتلقى في نهاية الأمر رسالة مقتضبة تقول له: "شكراً على الدعوة ونعتذر عن عدم الرعاية"!
اعرف أن هذا حدث فعلاً لمؤسسة انتظرت ثلاثة أسابيع كاملة الرعاية المنشودة، وجاءها الجواب بالاعتذار قبل أيام قليلة من النشاط!