إعـــلان ▼KING Hussein Cancer Foundation

 
إبحث
أغنية الغد  
الثلاثاء 7 ايلول 2010م
28 رمضان 1431 هـ
هاني الحوراني
هاني الحوراني
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
تعال إلى حيث النكهة!
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
21/4/2009
|  

هل تذكرون ذلك الشريط الاعلاني الكلاسيكي لسجائر مارلبورو، الذي كان يصور الكاوبوي الأميركي وهو يقود قطعان العجول في الأقفار الشاسعة، مروضاً إياها، عابراً بها الفيافي والأنهار، لينتهي بعد مشقة يوم مرهق بإعداد قطعة "ستيك" سميكة على نار الحطب، وارتشاف القهوة الأميركية الطازجة، والتي تتصاعد منها الأبخرة، حيث يعقب ذلك اشعال راعي البقر الأميركي سيجارة "مارلبورو" على دوي موسيقى حماسية متصاعدة الارتفاع، ويختتم الشريط الاعلاني بالجملة الشهيرة التي تتردد بصوت عميق: "تعال إلى حيث النكهة ... تعال إلى بلاد مارلبورو"!

لقد تذكرت ذلك الشريط الاعلاني، أولاً فيما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يخطب أمام البرلمان التركي، وثانياً، وأنا أتحدث إلى فنان كندي من أصول أميركية لاتينية يزور العالم العربي لأول مرة، حين قال لي: "لم أفكر أبداً في أن أزور الولايات المتحدة، لكني الآن، وبعد وصول أوباما إلى السلطة ربما أفعل". أين المعنى المشترك بين هذه المشاهد المتضاربة؟! انها في العلاقة الملتبسة بين أميركا والشرق الأوسط، بل والعالم!

يلعب الاعلان الشهير عن السجائر على فكرة مكافأة الذات على الجهد الشاق بوجبة دسمة وفنجان من القهوة الطازجة و "مجة سيجارة". لكن الاعلان يستحضر، خاصة لغير الأميركيين المفارقة بين إغراء المشاهدين "بالذهاب إلى حيث النكهة" وبين صعوبة الذهاب إلى الولايات المتحدة، والتي ازدادت في السنوات العشر الأخيرة (أي ما بعد احداث 11 سبتمبر والحرب على الارهاب). فلا الفرص باتت متاحة، كما من قبل، للذهاب إلى الولايات المتحدة بسبب القيود المشددة على السفر اليها، ولا الرغبة عادت قوية لدى غير الأميركيين لكي يقصدوها، حتى عندما تكون ممكنة، تجنباً للإذلال في المطارات.

النتيجة أن الولايات المتحدة خسرت آلاف الطلبة الذين كانت الدراسة فيها مقصداً وطموحاً لهم. ولم يقتصر الأمر على الطلبة العرب والمسلمين، وإنما بات يشمل الجنسيات الأخرى، من طلبة وسائحين ومستثمرين. وخلال سنوات مضت شكت الجامعات الأميركية من هذا الاحجام وذلك التراجع، وسعت لاستدراك ذلك بحملات لتسويق التعليم العالي في الولايات المتحدة.

أما صديقنا الفنان الكندي، فقد دأب على مدار السنوات العشر الأخيرة على عبور أجواء الولايات المتحدة في طريقه للمكسيك أو بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، من دون أن يفكر، ولو لمرة، في الهبوط في المطارات الأميركية لزيارة هذا البلد الذي يعبره جواً في الذهاب والاياب.

مناسبة هذا الكلام هو ذلك الجهد المحموم الذي يبذله أوباما، ومعه الجيش الجرار من الدبلوماسية الأميركية بقيادة هيلاري كلينتون لاصلاح ما خربه تاريخ طويل من العنجهية والغطرسة الأميركية، ليس فقط مع العرب والمسلمين وإنما مع اقرب جيران الولايات المتحدة، أي بلدان أميركا اللاتينية، وحتى مع اوروبا والبقية الباقية من العالم.

في تركيا، أطرب الرئيس أوباما أعضاء البرلمان (وغالبيتهم من ممثلي حزب العدالة والتنمية الحاكم ذي التوجهات الاسلامية، بزعامة رجب طيب أردوغان) بخطابه الذي انطوى على دعوة صريحة للمصالحة مع الاسلام والمسلمين، وتحديداً مع الحليف الأطلسي القديم، أي تركيا ذاتها. ولما كانت الولايات المتحدة من الضخامة والقوة بحيث لا أحد يحلم بالتبرع لاستعدائها، فإن جهود إدارة الرئيس أوباما لتصحيح السياسة الخارجية الأميركية، لقيت الكثير من الترحيب لا فقط من شركائها الدوليين، لا بل حتى من خصومها، مثل ايران وكوبا، حتى لا نقول من "حماس" و"حزب الله"!

محاولات التصحيح الأميركية التي أطلقها الرئيس الجديد وإدارته خلال الأيام التسعين الأولى من ولايته قوبلت، بطبيعة الحال، بمقاومة المحافظين والليبراليين الجدد، الذين يمكن نعت جزء منهم باعتبارهم "جماعات ضغط يهودية" شديدة اليمينية، جل اهتمامها هو دعم اسرائيل وليس المصالح القومية العليا للولايات المتحدة. وهي الجماعات التي رأت أن خطاب أوباما في البرلمان التركي حمل "رسائل ضعف" تجاه المسلمين والعرب.

وغني عن البيان أن مثل هذه الانتقادات اليمينية ظهرت وسوف تظهر مستقبلاً تجاه مراجعات الادارة الأميركية للسياسات القديمة ذات الصلة بقضايا أخرى مثل تعذيب المعتقلين في المعسكرات الأميركية في جوانتانامو وأفغانستان، أو تجاه بلدان اميركا اللاتينية، وكذلك الحصار الأميركي من حول كوبا.

المشكلة الكبرى ليست في المقاومة الداخلية لاصلاحات باراك أوباما للسياسات الخارجية من جانب اليمين الأميركي، وإنما في الاستعداد المسبق للادارة الجديدة للخضوع لابتزازات هذا اليمين عن طريق أشكال المساومة مع قوى الماضي، تحت دعاوى الحفاظ على "وحدة الجبهة الداخلية".

إذ بمجرد السير في هذا الطريق المهادن، والذي مهدت له مبكراً نوعية التعيينات في ادارة أوباما الجديدة، فإن هذه الإدارة ما ان بدأت تعلن تباعاً عن هذه التغييرات، سواء تجاه مشكلة الشرق الأوسط (أو النزاع العربي- الاسرائيلي)، أو تجاه تصفية إرث الحرب الأميركية على الارهاب، أو السياسة العدائية تجاه كوبا وغيرها من القضايا الدولية، حتى قرنتها بتطبيقات "منزوعة الدسم"، أي بترجمات عملية فاترة وفقيرة المضامين، تجعل من وعود التغيير مجرد صياغات بلاغية وإنشاءات لغوية جميلة.

وعليه، فإن السؤال هو: متى تظهر هذه الإدارة، إرادة حقيقية في تحويل "حلو الكلام" إلى أفعال على الأرض، تتناسب مع التوقعات التي تثيرها اللغة الجديدة للخطاب الباراكي؟

على البيت الأبيض اليوم أن يتجاوز التبشير بالتغيير الموعود إلى إحداث التغيير الفعلي على الأرض، وذلك من خلال اعطاء أجوبة واضحة ومعلنة عن الاستعصاءات التي تسببت بها الإدارات الأميركية السابقة، لا سيما تجاه النزاع في الشرق الأوسط. ونقصد هنا بوجه خاص ترجمة دعمها "لحل الدولتين" بصورة ملموسة، من خلال انتقاد معلن وصريح لسياسة حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل، وإعادة تحريك المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية.

كما أن على الادارة الجديدة وضع حد لابتزازات الدولة العبرية ومماطلاتها في الاستجابة لاستحقاقات السلام، وفق ما استقر عليه الاجماع والشرعية الدولية. ويمكن أن يحدث ذلك من خلال اتخاذ موقف حازم وفوري تجاه سياسة التوسع الاستيطاني التي أعلنت عنها حكومة نتنياهو مؤخراً، ويمكن أن يتم ذلك خلال استقبال أوباما الملك عبدالله الثاني في البيت الأبيض، أو أثناء لقائه المنتظر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال الأيام القليلة اللاحقة.

بغير ذلك تتحول بلاغة أوباما وخطبه وشعاراته الجذابة إلى شيء من قبيل اعلانات السجائر الأميركية الشهيرة التي تدعو مشاهديها إلى "حيث النكهة، وإلى بلاد مارلبورو"، أي مجرد كلام دعائي لبيع الأحلام!

hani.hourani@alghad.jo

هاني الحوراني
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)