يمكن اعتبار مؤتمري ديربان "1" (جنوب افريقيا، أواخر آب/ مطلع أيلول 2001) وديربان "2" (جنيف، سويسرا، 20 - 24 نيسان 2009)، مسطرة لقياس الاختلاف الذي جدّ على العالم في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 الارهابية على نيويورك وواشنطن، مقارنة بالمرحلة التي سبقت هذه الهجمات.
من المصادفات أن المؤتمرين عقدا في المرتين حين كانت القضية الفلسطينية تمر بمنعطفات هامة، فديربان (1) عقد بُعيد فشل مباحثات كامب ديفيد بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة باراك الاسرائيلية العمالية برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون، وفي ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي فجرتها زيارة شارون للحرم القدسي والفشل في مواصلة عملية اوسلو. أما ديربان (2) فقد عقد أيضاً بعد أشهر قليلة من العدوان الاسرائيلي الشامل على قطاع غزة، ووضع اسرائيل تحت طائلة الاتهام بارتكاب جرائم ابادة وجرائم حرب، جراء ما قامت به من استهداف المدنيين العزل واستعمال أسلحة وذخائر محرمة دولياً ضدهم ولقصف المدارس والمستشفيات والأحياء السكنية.
ومن هذه المصادفات أيضاً أن ينعقد المؤتمران (ديربان 1 وديربان 2)، في ظل وجود حكومة يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو على رأس السلطة الاسرائيلية، أي حكومة نتنياهو الأولى التي لم توفر الأطفال والمدنيين في قمعها للانتفاضة الفلسطينية الثانية (ومشهدها الأبرز استشهاد الطفل محمد جمال الدرة وهو في حضن أبيه بوابل من رصاص الجيش الاسرائيلي، كما سجلته لحظة بلحظة كاميرات وكالة الصحافة الفرنسية وهو المشهد الذي دخل التاريخ). وها هو ديربان الثاني ينعقد أيضاً واسرائيل تحت حكم حكومة بنيامين نتنياهو الثانية، المعززة بوجود رمز فاشي وعنصري آخر هو أفيغدور ليبرمان وزير خارجيته.
ربما كان أبرز ما أثبتته وقائع المؤتمرين ان العالم وإن كان قد خلف وراءه الحرب الباردة التي شقته ما بين معسكرين غربي وشرقي، لكنه لم يتجاوز أبداً الانقسام الذي يشقه ما بين شمال غني وجنوب فقير. وقد جاء ديربان (2) ليؤكد ان هذا الانقسام قد تعمق، بل وتجذر تحت تأثير العولمة وتفاقم الفروقات بين دول الشمال ودول الجنوب، وكذلك تحت تأثير السياسات الأميركية بعيد أحداث 11 سبتمبر، هذه السياسات التي أحلت الحرب على الارهاب محل حل النزاعات التاريخية ولا سيما النزاع العربي الاسرائيلي وأباحت انتهاك حقوق الإنسان والحريات.
مع ذلك، فإنه إذا كان ديربان الأول قد حقق نتائج باهرة - على الأقل بمعيار هذه الأيام - في التصدي لظاهرة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب على المستوى العالمي، وشكل "نصف انتصار" على المستوى العربي، لجهة وضع السياسات والممارسات والمؤسسات الاسرائيلية والصهيونية تحت مجهر الاتهام بصلتها الوطيدة بالعنصرية، فإن ديربان الثاني شكل خطوة كبيرة للخلف، جراء "التنقيح" الذي قامت به حكومات الشمال لروح ومقررات ديربان الأول، بدعوى تحريرها من العداء للغرب.
أما فيما يخص العرب، فقد شكل ديربان الثاني عدة خطوات إلى الخلف، تحديداً لخضوعه للابتزاز الغربي، ولا سيما الأميركي، بهدف منع ادانة اسرائيل إدانة صريحة جراء ممارستها الإجرامية.
لماذا أخفق مؤتمر ديربان (2) في تعزيز مكاسب ديربان الثاني (1)، أو حتى في الحفاظ على زخمها؟!
أولاًً، لأن التحضيرات للمؤتمرين اختلفت جذرياً. ففي الطريق الى ديربان (1) استغرقت التحضيرات مدة طويلة قاربت العامين (منذ 12 كانون الأول/ ديسمبر 1999، حين أخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها بعقد المؤتمر الثالث حول العنصرية في جنوب افريقيا، وحتى انعقاده الفعلي في آب/ اغسطس 2001).
وثانياً، لأن تحضيرات المنظمات غير الحكومية لديربان (1) شملت مختلف القارات والأقاليم، وأظهرت قوة هذه المنظمات وتأثيرها الفاعل على الحكومات في دول الشمال والجنوب على حد سواء. كما أظهرت هذه التحضيرات أن "وحدة العالم" بشماله وجنوبه تجسدت على صعيد منظمات المجتمع المدني، بخلاف الحال على المستوى الحكومي.
ثالثاً، ورغم تأخر المنظمات الحقوقية العربية في الانخراط في التحضيرات لمؤتمر ديربان (1)، إلا انها سرعان ما عوضت هذا التأخر بسلسلة من المؤتمرات والاجتماعات الاقليمية التي مكنتها من الانخراط الفاعل في أعمال مشتركة مع المجموعات الافريقية والآسيوية وغيرها. وكانت المحصلة هي تفوق أداء المنظمات الحقوقية والمدنية العربية على دور الحكومات العربية في ديربان (1)، وان هذه المنظمات هي الصانع الحقيقي للنجاحات التي تحققت، في مجال محاصرة وادانة العنصرية الاسرائيلية والاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية.
الفارق بين ديربان (1) وديربان (2) أن اجندة المؤتمر الدولي الأول أُعدت بمشاركة فاعلة لدول الجنوب، وبخاصة لمنظماتها غير الحكومية التي شاركت بالآلاف في التحضيرات والأعمال الفعلية للمؤتمر.
لقد تعلمت حكومات الشمال الدرس من ديربان واحد، واستعدت لديربان الثاني، مستفيدة من المناخ الدولي المتغير الذي ساد مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001، ولم ينحسر بعد، رغم وصول رئاسة جديدة إلى البيت الأبيض تحمل "وعود التغيير" للسياسات الأميركية ذات الطابع العدواني، ورغم غيوم الأزمة الاقتصادية والمالية التي تسببت بها سياسات الغرب، وباتت تتطلب تنازلات وسياسات تصحيحية لعلاقة الشمال بدول الجنوب.
وربما كان العامل الأهم في انتكاس ديربان (2) هو ضعف الحضور العربي فيه، وتدني التحضيرات له على صعيد المنظمات غير الحكومية، حتى إننا لم نسمع عن أي من هذه التحضيرات، اذا ما وقعت فعلاً. وفاقم من الغياب أو ضعف الحضور العربي في المؤتمر لجوء الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد لملء الفراغ بحضوره الشخصي الاستفزازي، وهو صاحب نظريات نفي وقوع المحرقة ضد اليهود، والداعي صراحة إلى إزالة اسرائيل من الوجود، الأمر الذي وفر الذريعة والغطاء المناسب لفرض مزيد من الضغوط الأميركية والغربية على ديربان (2)، ولابتزاز مواقف ناعمة منه في البيان الختامي، تجاه اسرائيل والغرب، تحت التهديد بمقاطعة المؤتمر أو الانسحاب منه.
وهكذا خسر العرب والفلسطينيون رغم فوز محمود أحمدي نجاد اعلامياً من ظهوره الاستعراضي في ديربان (2)، وخطابه الصدامي الذي لم يكن من هدف له سوى تعزيز فرصه وفرص الجناح المتشدد في الانتخابات الايرانية القريبة. وكسبت في المقابل اسرائيل، بقيادة حكومتها اليمينية، والتي وفر لها الرئيس الايراني الحجة لتقديم نفسها باعتبارها الضحية البريئة "للتطرف الإسلامي" ولخطر إيران النووي. ومن المفارقات أن يستخلص هذه الخلاصة وزير خارجية اسرائيل، افيغادور ليبرمان، الرمز المجسد للفاشية والعنصرية الأبرز في اسرائيل!