يشهد الأردن حالياً حراكاً ونقاشاً وطنياً واسعاً محوره اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باتفاقية "سيداو". ويمكن اعتبار هذا النقاش ظاهرة صحية، خاصة وإن العالم يحتفل (أو هو بصدد الاحتفال) بالذكرى الثلاثين لاعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الاتفاقية، في قرارها رقم 34/180 بتاريخ 18/12/1979، حيث عرضت بعد ذلك للتوقيع والتصديق والانضمام.
لكن بعض النقاش والحراك الذي يدور حالياً حول الاتفاقية، وخاصة حول رفع الحكومة الأردنية تحفظاتها على الفقرة 4 من المادة 15 من الاتفاقية، التي سبق للأردن، قبل سبعة عشر عاماً أن صادق عليها (تموز 1992)، وقام قبل أعوام قليلة بنشرها في الجريدة الرسمية (1/8/2007)، ما يعني تحولها إلى مرتبة التشريع الأردني – نقول إن بعض هذا النقاش لا يدخل بالتأكيد في اطار الاحتفال بواحدة من أهم الاتفاقيات الدولية و"ام" الاتفاقيات الضامنة لحقوق النساء ومساواتهن، وإنما انطوى على ردة إلى الوراء، ومحاولة متأخرة لإعادة عجلة التاريخ إلى الخلف. ولذلك ليس من المبالغة وصف هذه المحاولات بأنها جاءت خارج السياق التاريخي والواقعي للأردن والعالم كما نعرفه اليوم.
لقد حملت بعض الأطراف والأفراد في حزب جبهة العمل الاسلامي على الاتفاقية المذكورة، وانساق في ركاب هذه الحملة رموز قيادية في حزب الوسط الاسلامي، بدعوى أن "سيداو" تنطوي على مبادئ مخالفة للشريعة الاسلامية. فقد دعا بيان حزب جبهة العمل الاسلامي، يوم 26 نيسان (ابريل) الماضي، الحكومة إلى سحب مصادقتها على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، "مؤكداً ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية في بنود ومواد الاتفاقية. وقرر الحزب أن المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تدعو لها الأمم المتحدة إنما تعكس مفهوم العولمة، التي حسب تعبيير البيان "لا تحترم خصوصية المجتمعات وثقافاتها وتشريعاتها الخاصة".
وذهب أمين عام حزب جبهة العمل الاسلامي زكي بني ارشيد في مؤتمر صحافي عقده مؤخراً إلى القول بأن بنود اتفاقية سيداو "ستؤثر على ثقافة الأمة، وأنه من الصعب المرور عنها دون تمحيص في أسبابها السياسية والاجتماعية والاقتصادية".
وفي رفض ضمني للمساواة بين النساء والرجال التي نصت عليها "سيداو"، قال بني ارشيد "اننا مع الحريات التي أقرها شرع الله والتي تحترم المرأة أُما وأُختاً وزوجة في جميع مجالات الحياة".
وكان رئيس لجنة علماء الشريعة الاسلامية في الحزب، د. زيد الكيلاني، أكثر صراحة ووضوحاً في رفضه لسيداو، فقد اعتبرها "أخطر الاتفاقيات كونها تقوم بالأساس على إلغاء كافة الفوارق، حتى البيولوجية منها، بين الجنسين". ورفض الكيلاني صراحة أن تكون المرأة نداً للرجل، "كما في الغرب"، أو أن تكون مساوية للرجل في الميراث، وأن لا يكون الرجال قوامين على النساء.
وأضاف "أن اتفاقية سيداو تحطم المجتمع الأسري، وتلغي مجتمع الحضارة الاسلامية الذي يحفظ للأسرة تماسكها وشرفها"، داعياً إلى التحرك للدفاع عن "أعراض الأمة وشرفها".
بدورها تحدثت ميسون دراوشة، عضو اللجنة المركزية للقطاع النسائي في حزب جبهة العمل الاسلامي في المؤتمر الصحافي نفسه، قائلة إن اتفاقية سيداو ستحول "الحياة الأسرية إلى صراع وحرب مشتعلة بين الرجل والمرأة"، و "إن تطبيق بنودها سيؤدي إلى شيوع التفسخ الأسري وسلب المرأة حقوقها التي أعطاها اياها الشرع".
أردنا من هذه الاقتباسات أن نشير إلى أن الحوار والنقاش الدائر من جانب بعض أقسام الحركة الاسلامية في الأردن لا يستهدف فقط ثني الأردن عن سحب تحفظه على الفقرة 4 من المادة 15، وإنما كشف عن رفضه بالمطلق للاتفاقية وبل دعوته السافرة لسحب مصادقته عليها. أي انه يدعو الأردن للتراجع عن توقيعه على الاتفاقية (1980) وعن مصادقته عليها (1992) وعن نشرها في الجريدة الرسمية (2007).
وكأن هذه الاتفاقية لم تشهد منذ صدورها سلسلة واسعة من النقاشات، ولم توضع حولها عشرات الدراسات، العديد منها على يد اسلاميين واسلاميات، وتناولت بالمقارنة أحكام "سيداو" مع أحكام الشريعة الاسلامية، وتوصلت إلى امكانية المواءمة بينهما في معظم النقاط. وأحب أن أنوه هنا إلى مثال واحد عن هذه الدراسات، تلك التي وضعتها العين د. نوال الفاعوري منذ عشر سنوات، تحت عنوان "نظرة إلى حقوق المرأة بين اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة وأحكام الشريعة الاسلامية".
بكلمات أخرى، فإنه يُشتم من الحملة التي تقودها بعض أطراف جبهة العمل الاسلامي ضد اتفاقية "سيداو"، أن الهدف ليس الحوار وابداء الرأي في شأن سحب الحكومة الأردنية تحفظها السابق بشأن الفقرة 4 من المادة 15، وإنما استخدام الهجوم على اتفاقية سيداو بالمجمل في اطار معركة سياسية تخص الحزب أو بعض القوى فيه، متجاهلة – أي هذه الحملة – أن الأردن تعدى منذ زمن بعيد مرحلة النقاش المبدئي حول الاتفاقية، وان مختلف القوى والمنظمات المعنية والحكومة استقرت على اتفاق عام حول الموقف من هذه الاتفاقية، ألا وهو المصادقة عليها، مع ابداء بعض التحفظات حول بعض بنودها، وهو ما حدث فعلاً.
المسألة الأخرى الا وهي رفض البعض سحب الحكومة الأردنية، في شباط الماضي، تحفظها على الفقرة 4 من المادة 15 من الاتفاقية، وهي المادة التي تتعلق "بمنح الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع الخاص بحرية الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم واقامتهم".
وقد انضم إلى حزب جبهة العمل الاسلامي، حزب "الوسط" الاسلامي التوجه، في رفضه رفع هذا التحفظ عن المادة المذكورة، ونظم حملة جمع تواقيع لما يزيد على 50 من اساتذة الشريعة في الجامعات الأردنية على عريضة تطالب بالابقاء على هذا التحفظ، ورفض "الضغوط الخارجية" التي تدفع لرفع التحفظات عن هذه الاتفاقية، والتي وصفوها بأنها تتنافى مع "خصوصية الأمة"!
كنا سنتفهم هذه المعارضة لولا أن القوانين الأردنية وواقع الحياة المعاش للمرأة في الأردن سبقا رفع التحفظ على الفقرة المذكورة. فالمرأة الأردنية تسافر وتتنقل للعمل والدراسة، وهي تقيم خارج بلدها وبعيداً عن أسرتها أحياناً، اما للدراسة أو العمل، وهي تملك قانوناً وشرعاً أن تشترط ما تشاء من حقوق في عقد الزواج، أسوة بالرجل.
هذا، إلى جانب أن قانون الجوازات الذي عدل منذ سنوات بات يسمح للمرأة والأطفال القُصر بالحصول على جوازات سفر لهم، من دون اشتراط موافقة ولي الأمر.
فلماذا إذن هذه الحملة الشعواء على إجراء يضعنا في موقع أكثر انسجاماً مع الاتفاقيات والمعايير الدولية. ولماذا هذا الترويع للناس بمخاطر مزعومة جراء رفع التحفظ على الفقرة 4 من المادة 15، وكأن خطر الانحلال والتفكك الأسري لم يكن ينتظر سوى هذه الخطوة، أو كأن النساء يقفن على أهبة تامة بانتظار رفع هذا التحفظ للقيام بالتمرد على قوامة الرجل، زوجاً كان أو أباً.
ولماذا هذا التهويل من العولمة و"الضغوط الخارجية"، علماً بأن الاتفاقية صدرت عام 1979، قبل صعود موجة العولمة، فضلاً عن أن الولايات المتحدة، التي تُنسب اليها ممارسة مثل هذه الضغوط عادة لم توقع على "سيداو" ولم تنضم اليها ولم تصادق عليها حتى الآن، حسبما أفاد وزير الدولة لشؤون الاتصال والاعلام د. نبيل الشريف مؤخراً.
خلاصة القول ان الكثير من الضجيج الذي ثار ويثور اعلامياً حول اتفاقية "سيداو" ما هو الا "زوبعة في فنجان"، فهو خارج السياق والزمن. فقد قيل مثله قبل 15 عاماً أو أكثر لكن ترداده اليوم أقرب ما يكون إلى عودة "أهل الكهف" من رقادهم الطويل لفتح قضايا حسم أمرها قديماً بينما هم نيام!