لم يكن كلاوس مارتن شواب، البروفيسور الألماني في الاقتصاد والمدرس في جامعة جنيف بسويسرا، يتخيل في أقصى أحلامه جموحاً، ان الندوة التي دعا اليها في عام 1971، وضمت 444 مديراً تنفيذياً للشركات الصناعية في أوروبا الغربية، للتعرف على الخبرات الأميركية في الإدارة، سوف تكون منطلقاً لبناء "صناعة" مؤتمرات اقتصادية دولية تحمل بصمته وتقترن باسمه، ألا وهي الصناعة التي تحمل اسم المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، المعروف بمكان انعقاده الأصلي، دافوس، سويسرا.
والآن يتربع كلاوس شواب، البالغ واحدا وسبعين عاماً (مواليد 30 آذار 1938) على عرش امبراطورية ضخمة وصناعة جامحة، عمادها جمع قادة أكبر ألف شركة في العالم ورؤساء الدول وصانعي السياسة والرأي العام في ملتقى سنوي ثابت في الشهر الأول من كل عام، في منتجع دافوس الشتوي في جبال الألب السويسرية. وهو الملتقى الذي ينعقد لخمسة أيام في أجواء من الرفاهية الاستثنائية، لمناقشة طائفة من القضايا الساخنة في الاقتصاد والأعمال والسياسة والبيئة.
ولأن النجاح يجر النجاح فقد "فرخ" منتدى دافوس الاقتصادي العالمي منتديات قارية وإقليمية، أهمها "اللقاء السنوي للأبطال الجدد" في الصين، أو "دافوس الصيفي" والذي يضم قادة الأعمال والسياسة في الدول الصناعية الصاعدة بما فيها الهند وروسيا والبرازيل وطبعاً الصين، اضافة الى المنتدى الاقتصادي العالمي لقارة أميركا اللاتينية، وسلسلة من اللقاءات الاقليمية التي تحمل اسم دافوس الى مناطق أخرى من العالم مثل أوروبا، آسيا الوسطى، روسيا، افريقيا والشرق الأوسط.
وعلى غير العادة، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط ينعقد خلال العام المقبل لمرتين في قطر والمغرب، بعد أن كان يتناوب الانعقاد في البحر الميت (الأردن) وشرم الشيخ (مصر) خلال السنوات السبع الأخيرة.
كان كلاوس شواب في مطلع السبعينات مجرد بروفيسور أكاديمي، يدرس سياسات الأعمال في جامعة جنيف. كان حينها يحمل شهادة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة فريبورج وأخرى في الهندسة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، ودرجة الماجستير في الإدارة العامة من مدرسة جون ف. كيندي للحكومة في جامعة هارفرد. أما الآن فقد أضاف الى رصيده الأكاديمي سبع شهادات دكتوراة فخرية، جراء الأعمال والمبادرات التي حملت بصمته واسمه، وبات نجماً عالمياً، وربما لا تضارعه شخصية أخرى في معرفته المباشرة بقادة العالم والشركات العملاقة وصانعي القرار السياسي والاقتصادي.
لا تشير سيرة كلاوس شواب الذاتية الى أية مساهمات أكاديمية كبيرة أو مميزة، بل انها لا تشير الى مؤلفاته أو مقالاته. لكنها تبرز بالمقابل مواهبه العملية في جمع النخب الاقتصادية والسياسية في حوارات ومبادرات تقود الى "تغيير العالم"، أو حسب شعار المنتدى الاقتصادي العالمي "الالتزام بجعل العالم في حالة أفضل".
ربما كانت أولى مساهماته المهمة هي تبنيه المقاربة الادارية القائمة على التوجه لأصحاب المصالح (Stakeholders) بدلاً من قصر الاهتمام على أصحاب الأسهم (Shareholders)، أي تلك المقاربة التي تبني نجاح المؤسسة على المديرين الذين لا يأخذون بالاعتبار فقط مصالح المالكين والزبائن أو العملاء، وإنما أيضاً المستخدمين والمجتمعات المحلية التي تعمل المؤسسات من خلالها، بما في ذلك الحكومات.
ومن المفارقات ان كلاوس شواب بنى قصص نجاحه المتكررة على الأزمات العاصفة التي مر بها الاقتصاد العالمي منذ مطلع السبعينات، وكذلك على تداعيات الصراع العربي الاسرائيلي على الاقتصاد العالمي، مثل انهيار نظام بريتون وودز، القائم على آلية التبادل الثابتة للعملات، في مطلع السبعينات، وحرب تشرين أول (أكتوبر) 1973 التي رافقها استخدام النفط كسلاح في الصراع العربي الاسرائيلي، ما أدى الى الارتفاع التاريخي الأول لسعر النفط عالمياً. وهكذا في ظل أحداث فارقة كهذه، انعقد منتدى دافوس السنوي الأول في كانون الثاني (يناير) 1974.
ان المنتدى الأوروبي للادارة الذي عقده شواب لأول مرة عام 1971، واستمر بالعمل حتى عام 1987، لم يلبث أن تحول بعد ذلك الى المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي طور له رؤية أوسع لتشمل توفير منبر لحل النزاعات الدولية، ما مكن القادة السياسيين من استخدام دافوس كمنصة محايدة لتسوية خلافاتهم. ففي عام 1988 أطلق منه "اعلان دافوس" بين تركيا واليونان لتسوية النزاعات العالقة بينهما، والتي كادت تهدد بحرب ضروس بين البلدين. وفي عام 1992 شهد اللقاء السنوي في دافوس الظهور العلني الأول لرئيس وزراء دولة جنوب افريقيا العنصرية دوكليرك جنباً إلى جنب مع نيلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا اللاحق، أي بعد نحو عامين، على اثر تصفية النظام العنصري فيها.
وفي عام 1994 شهد ملتقى دافوس السنوي ظهور شمعون بيريز وزير خارجية اسرائيل والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، عشية التوقيع على اتفاقية أوسلو الشهيرة. وفي عام 2008 حاضر بيل جيتس في المنتدى حول "الرأسمالية الخلاقة"، داعياً في محاضرته لاستخدام قوى السوق للتصدي الأفضل لاحتياجات الفقراء. أما ملتقى 2009 الذي انعقد على أصداء العدوان الاسرائيلي على غزة، فقد كانت ابرز ملامحه تلك المناظرة الساخنة بين رئيس الوزراء التركي أردوغان والرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز، والتي انتهت بالانسحاب الغاضب لأردوغان لعدم منحه الوقت الكافي للرد على بيريز، الذي كان قد برر العدوان على غزة، ودافع عنه دفاعاً مستميتاً.
لقد صنع كلاوس شواب قصة نجاح شخصية بالاعتماد على نبوغه العملي في بناء صناعة عالمية مستدامة للحوار والالتقاء، أولاً على المستوى الأوروبي، ثم على الصعيد العالمي. لكن نجاحه هذا لا يعود فقط الى مزاياه الشخصية، وإنما أيضاً الى حاجة العالم الى منبر عالمي للحوار والبحث في المشاكل المتفجرة التي شهدها في العقود الثلاثة الأخيرة للحرب الباردة.
ما وفر لكلاوس شواب عوامل النجاح مقارباته الشخصية التي تعتمد الاستدامة والتوجه العريض لأصحاب المصالح، وفهمه الواسع للارتباط الوثيق بين السياسة والاقتصاد. إضافة إلى حاجة العالم، في ظل العولمة المتعاظمة، الى منبر دائم لمواجهة التحديات والكشف عن الفرص التي تطلقها العولمة، وبالأحرى الفرص لأصحاب المال والشركات الكبرى والتحديات الناجمة عن تعاظم الاستقطاب بين الثروة والفقر بين الشمال والجنوب، والحاجة الى تسوية النزاعات المتفجرة في العديد من مناطق العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط.
لقد حافظ المنتدى الاقتصادي العالمي على مدار السنوات التي انقضت على انعقاده الدوري منذ عام 1974 وحتى الآن، على مشهديته الكلاسيكية وتقاليده الرصينة، ومنها شعاره واسمه التجاري، الذي يتصدر واجهات مؤتمراته والتي تضفي على انعقاده صفة "الرقي" كملتقى للنخبة العالمية. ولقد كرس ذات التقاليد الرفيعة في تفريعاته القارية والإقليمية التي حصدت انتشاراً وإقبالاً قلّ نظيره في عالم صناعة المؤتمرات، التي ازدهرت بقوة مع صعود العولمة.
لكن هذا النجاح الاستثنائي للمنتدى، حيثما انعقد، ارتبط في أذهان الكثيرين، خاصة مناهضي العولمة، بنظرة سلبية، باعتباره عنواناً للعولمة الجائرة ومكاناً لالتقاء "القطط السمان"، واستعراضاً مشهدياً لأصحاب القوة والثروة. وذلك بالرغم من محاولة ادارة المنتدى توفير منابر متعددة فيه للحوار حول "سبل اصلاح السياسات"، وإضفاء قدر من التوازن على العلاقة ما بين الاقتصاد والمجتمع، وما بين النمو والاستدامة البيئية، ورعاية المبادرات العالمية للمسؤولية الاجتماعية.
أحد أوجه النقد التي لا يمكن إغفالها هو ارتفاع كلفة انعقاده حيثما حل، سواء في موطنه الأصلي، سويسرا، أو خارجه (كما هو حال انعقاده الأخير في البحر الميت) حيث يتطلب عقده اجراءات أمن صارمة ومكلفة. وهكذا فإن منتدى دافوس الاقتصادي العالمي يستثير ردود فعل متفاوتة الحدة، تبعاً للبلد الذي ينعقد فيه وطبيعة الاصطفاف الاجتماعي داخله.
لقد بلور مناهضو العولمة منذ عام 2001 منتدىً بديلاً أسموه "المنتدى الاجتماعي العالمي"، وقد قصد به أن ينعقد في الوقت نفسه لانعقاد دافوس، وذلك في محاولة لاجتذاب الأضواء الإعلامية نحو الحلول البديلة التي يقترحها عادة المنتدى الاقتصادي العالمي. ورغم ان المنتدى الاجتماعي العالمي "فرخ" بدوره منتديات اجتماعية قارية وإقليمية ووطنية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وحوض المتوسط وحتى في الولايات المتحدة، ورغم الوعود التي أطلقتها هذه المنتديات الاجتماعية بالوصول الى "بديل ثالث" للرأسمالية والشيوعية، أو إلى "بديل تشاركي"، إلا أن هذه المنتديات لم تستطع أن تبلور قوة عالمية ثالثة، أو خيارات اقتصادية اجتماعية واضحة، باستثناء انتقاداتها اللاذعة للرأسمالية والليبرالية الجديدة.
وعليه فإنه ليس من المستغرب أن يستمر المنتدى الاقتصادي العالمي في انعقاده السنوي بنجاح، حاشداً بضعة آلاف من نخبة أثرياء العالم وقادته السياسيين، حتى في ذروة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وأن يستمر في عقد المنتديات واللقاءات القارية والاقليمية في أرجاء مختلفة من العالم، وكأن دافوس السويسري وشقيقاته الكثر بات يسد حاجه دائمة للعالم. لذلك فهو يعيش ويزدهر ليس فقط في أوقات الازدهار والرواج الاقتصادي، وإنما أيضاً في زمن الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية والحروب والنزاعات الاقليمية، وكأنه المسرح الأبرز للعولمة المعاصرة!