هل تعلم أن واحدا من كل 40 رجلا في الأردن فوق سن الاربعين يحمل لقب معالي؟ كنا نتذكر كم لدينا من وزير ورئيس وزراء متقاعدين، ولكن سرعة التغيير، وربما عدم أهمية الأمر أبعدانا عن تتبع هذه الإحصائيات على الرغم من أنها تكلف الموازنة ما يقارب عشرة ملايين دينار شهريا تقريبا من رواتب ومزايا.
إذا نظرت الى غالبية من أصبحوا وزراء هذه الأيام تجد أنهم انتقلوا من الفقر وشح الحال الى الثروة والجاه، وفي بعض الأحيان انتقلوا الى الثراء الفاحش واصبحوا من ذوي مئات الملايين فتسمع عن بيت لمعاليه السابق يصل قيمته الى 11 مليون دينار وخمسة مليون دينار في حالة معالي آخر.
لن نسأل كيف يكون هذا في بلد فقير، وكيف يستطيع الموظف في القطاع العام أن يدخر هذا المبلغ من راتبه حتى لو جوع نفسه وأهله وتعمدوا الإملاق، كيف يصير لفلان بيت بمليون أو 11 مليون من راتب لم يتعد ألفي دينار في حينه؟ حتى لو سافر كل يوم وجمّع مياوماته ولم ينفقها.
كم من مستوزر في الأردن؟ كل الشعب مستوزر، حتى اطفالنا حين نسألهم عما يريدون أن يصبحوا في المستقبل يجيبون بأنهم يريدون أن يصبحوا وزراء، لا أطباء ومهندسين وطيارين، وأحيانا اقتصاديين. لماذا يعتقدون أن أفضل وظيفة هي وظيفة وزير؟ لا عجب فالوظيفة ليست بحاجة الى أي تدريب خاص أو شهادة. وهي وظيفة سهلة التأهيل، ولا تحتاج لأن تكون حزبيا أو مناضلا أو مفكرا وذا باع طويل، كل ما عليك هو أن تعرف فلانا فيأتيه الحظ، ويأتيك معه فيتذكرك في نصف النهار أو اليومين (كحد أقصى) اللذين سيشكل فيهما وزاراته.
خلال الوزارة ستعلم أي مشروع سيبدا ومتى بدأ وأين، وستستفيد من الفرص، لأنك ذكي وفهلوي (لن نسميك فاسدا)، وستضع قوانين لمصلحة عملك وأسرتك وأصدقائك. كما ستحصل وأقاربك من خلال شركاتك على عطاءات (لأنك تخدم البلد)، وإن حباك الله ببعض المال فيمكنك أن تضاعفه أضعافا مضاعفة في شهور وتصبح وعائلتك من رجال الأعمال، يشار لكم بالبنان.
وإن ذهبت للبيت من المنصب بسرعة لأنك تسأل أسئلة كثيرة ولك رأي وعزيمة ("إن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة" كما قال الشاعر)، فلا تحزن كثيرا فتقاعدك لمدى الحياة، وستحصل على خدمات صحية بدرجة ممتاز أيضا مدى الحياة، ويحق لك حمل سلاح مرخص، وستتذكرك الحكومة (إن كنت من النوع الصامت) بمنصب في مجلس إدارة شركة (لا حاجة للخبرة) بمكافأة تفوق راتبك التقاعدي وبالإضافة اليه لأنها مكافأة وليست مقابل عمل أو أداء (زملاؤك الوزراء يقررون ما فيه مصلحتك ومصلحتهم دائما).
وإن لم تصبح ثريا حتى ذلك فلا تقلق ستصبح ثريا لأن القطاع الخاص سيتوسم فيك القدرة، لأنك وزير سابق، على الادارة (أنظر ما فعلته يداك باقتصادنا) فتصبح رئيس بنك أو رئيس مجلس إدارة وسنظل نناديك معالي؛ وحين يتجرأ البعض فيسألون من أين لديك هذا ستخرج براءة، لأننا في الأردن لا ندين الوزراء حتى لو حطّموا الاقتصاد، ولا نسأل الوزير أن يعلن عما لديه قبل ان يصبح وزيرا (وزير واحد فقط طيلة الخمس عشرة سنة الماضية أعلن عن ممتلكاته في بداية خدمته ونهايتها للصحافة).
أذكر يوم أصبح الممثل الأميركي ارنولد شوارزنغر حاكما لولاية كاليفورنيا كيف أحصيت ثروته بـ 340 مليون دينار ووضعها هو تحت وصاية عمياء، أي لا يسمح له بالتدخل فيها بأي شكل من الأشكال، خوفا من الشبهات؛ وكيف طردت الصحافة والكونغرس الاميركي جون سنونو الوزير المهم آنذاك من الحكومة الأميركية لأن زوجته استخدمت سيارة الحكومة لأغراضها الخاصة. ربما لهذا يحب الأطفال هناك أن يصبحوا علماء ورجال أعمال ويرغب أطفالنا هنا أن يصبحوا وزراء.
د. يوسف منصور