نحن نعيش بين نوعين من السباق، سباق العالم المتقدم نحو الفتوح العلمية وسباقنا نحن نحو استعادة ما كان لنا من أرض وكرامة
نعم، أين كنت حين مشى أرمسترونج على سطح القمر؟! فالذين عاصروا هذا الحدث الفاصل في تاريخ البشرية (20 تموز/ يوليو 1969)، وشهدوا صعود الانسان لأول مرة إلى الفضاء الخارجي للقمر، والهبوط على سطحه والسير على الكوكب الأقرب إلى قلب الانسان، لا بد أن يتذكروا تلك الدهشة الأولى لذلك الحدث حين تم بثه مباشرة على شاشات التلفزيون الذي لم يكن يعرف الألوان، وإنما فقط اللونان الأبيض والأسود، أقله في بلادنا حينذاك.
شخصياً ما أزال أشعر بالأسف لعدم تمكني حينها من الجلوس أمام التلفاز لمراقبة هذا الحدث الذي جمع البشرية حول الشاشات الفضية لمشاهدة ما لم يكن قابلاً للتصديق. لكني فيما بعد لم أوفر فرصة للتأمل في تلك الصور البطيئة، المشوشة أحياناً، لحركة رواد الفضاء وهم ينقلون بتثاقل أقدامهم على سطح القمر المرقش بالبقع والحفر المستديرة، أو أثناء زرعهم العلم الأميركي فوقه، تعبيراً عن انتصارهم في السباق نحو الفضاء الخارجي، هذا السباق الذي ظل السوفيات متفوقين في مختلف مراحله، وحققوا خلاله اختراقات ظل الأميركيون يلهثون وراءها، إلى أن داست أقدام أرمسترونج ورفاقه سطح القمر لأول مرة.
لم أكن أمام شاشات التلفزيون حين هبط أرمسترونج وزملاؤه إلى سطح القمر، فقد كنت حينها قابعاً في خيمة على رأس تلة محاذية لمخيم البقعة، ضمن معسكر طلابي للعمل، ومن هناك كنت أراقب مراقبة حية، وبالعين المجردة، سطح القمر عَلّي ألحظ أية علامة على وقوع شيء فارق يدل على الحدث! لكني لأسفي لم أرَ سوى سطوع سطح القمر الذي أعرفه، فلا زوبعة مفاجئة من الغبار غطت جانباً منه جراء نزول المركبة الفضائية، ولا آثار أقدام الرواد تركت ندباً ظاهرة في سطحه. فمن مكاني ظل القمر، كما عرفناه دوماً، القرص الفضي الذي يمدنا بذلك الشعور بالرفقة المريحة أو الحضور السحري للآخر الغامض، والذي يشاركنا أسرارنا من دون عناء.
على مدار أربعين عاماً، منذ تلك الليلة التي كان أرمسترونج يدوس فيها بأقدامه على سطح القمر، نحن نعيش المفارقة بين نوعين من السباق، سباق العالم المتقدم نحو الفتوح العلمية والفضائية والصناعية، وسباقنا نحن نحو استعادة ما كان لنا من أرض وكرامة واحترام للذات، أي ما اعتبرناه شرطاً مسبقاً للخوض في أي سباق آخر.
ليلة 20 تموز 1969، كنت على رأس تلة مطلة على مخيم البقعة، أنا وعشرات من الشباب الذي التحقوا بمعسكر للعمل الطلابي، الذي نظمه حينها تنظيم جامعي هو "جبهة النضال الطلابي"، وذلك في مسعى للجمع ما بين تدريب الشباب وزيادة وعيهم وبين توجيه طاقاتهم لمساعدة سكان مخيم البقعة، الذي كان قد مر على اقامته ما دون ثلاث سنوات.
كنا حينها خليطاً من الشباب اليساري الذين يعود بعضهم إلى بلدان عربية أخرى، وكانت حصة هامة منهم تنتمي إلى منظمات يسارية تركية. فيما البقية من بلدان اسكندنافية وأوروبية غربية. كنت أحلم وقتها بمعسكر عمل للشباب، يقام في السهل الفسيح مقابل المخيم، بحيث نصله في دقائق، لكني حصلت على معسكر قصي، في بقعة جبلية تحتاج إلى مسيرة ساعة للوصول إلى المخيم. وبدلاً من معسكر طلابي للعمل مُنحنا ثكنة عسكرية للتدريب على السلاح، وحين فكرنا باستضافة مفكرين عرب لإلقاء محاضرات على طلبة معسكرنا، كان على هؤلاء أن يتسلقوا طريقاً وعرة ما بين المنعطفات الصخرية، و"ينقطع نفسهم" قبل أن ينطقوا بكلمة.
لم نحصل على معسكر عمل طلابي وإنما على ثكنة، ولم نساعد مخيم البقعة وإنما تركنا لديهم حفرة هائلة كنا نرجو ان نجعل منها ملجأ للسكان اذا ما تعرضوا لقصف مفاجئ من الطيران الاسرائيلي، لكن مهمتنا انتهت قبل أن ننهي بناء الملجأ!
لم يكن ارمسترونج ورفاقه وحدهم الذي مشوا بتثاقل فوق سطح القمر، ربما تحت وطأة ثقل ملابسهم وخوذهم واسطوانات الأوكسجين التي تعلو ظهورهم. نحن أيضاً مشيناها بتثاقل تحت وطأة ثقل الأسلحة الفردية والجعب المملوءة بالذخيرة والبساطير القديمة الثقيلة ذات المسامير الكثيرة التي تنغرس في الأقدام كلما دُسَّت على الأرض. نعم مشينا نحن أيضاً المسار الصعب الذي ظننا انه سيقودنا إلى قمرنا الخاص، إلى اكتشاف عمرنا، والعودة إلى ما هو لنا وجدير بنا.
كنا هناك، حينما مشى أرمسترونج على سطح القمر، راقبت القمر حينها من تلة مطلة على مخيم البقعة، راقب الآخرون شاشات التلفاز. عاد أرمسترونج وعاد زملاؤه على متن مركبتهم إلى سطح الأرض. أثاروا فضولنا، تمنينا أن نشارك بقية العالم دهشة الاكتشاف، وفي الحقيقة كان جزء منا يمشي مع هؤلاء على سطح القمر.
أما نحن فقد مشينا أيضاً، قبل أربعين عاماً على درب وعر آخر، لكننا لم نصل بعد، ولم نعد.