في ندوة "الآفاق المستقبلية للطبقة الوسطى" التي نظمتها جامعة فيلادلفيا، يوم 8/8/2009، طلب إلي أن أتحدث عن "إعادة بناء الطبقة الوسطى". وفي ختام ورقتي دعوت إلى مراجعة الثقافة الضمنية لدى الدولة الأردنية، والتي تتخذ موقف الحذر والريبة من النقابة و"النقابية"، وقلت أن اتخاذ موقف ايجابي من النقابية وتشجيع الطبقة الوسطى على بناء أطر ومواقف تفاوضية وازنة هو الطريق لتحقيق الاستقرار الداخلي، فالنقابية توفر الآلية لتفعيل مبادئ المواطنة والمشاركة والمسؤولية وتجسد معاني الوحدة الوطنية والمسؤولية المشتركة.
ولما كان هذا الكلام في ختام الورقة والندوة معاً، فقد قرأت في عيون الحضور نوعاً من الشعور بأني على الأرجح أطلب المحال، فالفرضية السائدة هي أن التنظيم والنقابة يمثلان تهديداً للأمن والاستقرار الداخلي وفق المفاهيم التقليدية للسلطة وليس العكس، أي اعتبارهما ضماناً للاستقرار السياسي.
بطبيعة الحال كنت قد عرجت على أهمية المبادرة الذاتية للقوى الفاعلة للطبقة الوسطى في بناء القدرة التفاوضية لهذه الطبقة، واستعرضت بعض أشكال بناء وتعظيم القوة التفاوضية للطبقات الوسطى من أجل تفادي تدهور أوضاعها، والحد من خسائرها.
لكن المفاجأة التي تلقيتها من صحف صباح اليوم التالي (الأحد 9/ آب الجاري)، هي أن رئيس الوزراء م. نادر الذهبي كان قد خاطب عمال ميناء العقبة ودعاهم لإنشاء نقابة خاصة بهم تمثلهم وتتفاوض مع الادارات بالنيابة عنهم! وبكلمات أخرى فإن الرئيس الذهبي اكتشف بالتجربة انه ربما أجدى للحكومة وللاستقرار السياسي الداخلي ولسمعة الأردن أن تتفاوض ادارة مؤسسة الموانئ، وكل ادارة عامة، مع نقابة عامة تمثل العاملين والموظفين في الميناء.
إذن، ما كنت قد "بشرت" به في ندوة الطبقة الوسطى لجامعة فيلادلفيا، ورأى فيه بعض الحضور شططاً بالتمني، كان نادر الذهبي يصل اليه، ربما لدواعي براغماتية، وربما تحت وطأة فداحة ما حصل من صدام مع قوات الدرك. المهم ان دعوته هذه تشجع على مراجعة الاعتقاد بأن "الدولة" تعادي بالمطلق فكرة التجمع والتنظيم والنقابة. فهل دعوة الرئيس الذهبي هذه تمثل تفكيراً جديداً لدى المسؤولين الحكوميين، حتى وان لم تكن تمثل السواد الأعظم منهم؟! للحصول على جواب يقيني فإن الخطوة الأولى لعمال الموانئ وموظفيه، بعد تسوية النزاع بينهم وبين المؤسسة، هي الشروع في اقامة نقابة خاصة بهم، تمثلهم مباشرة، وليس بالواسطة أو الادعاء.
فمن المعروف أن هناك نقابة عامة للعاملين في النقل البحري والتخليص، وهي ممثلة في اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات العمال الذي يضم سبع عشرة نقابة عامة. لكن من الواضح من مجرى النزاع الدائر بين عمال ميناء العقبة وادارته أن لا دور حقيقيا تلعبه هذه النقابة (ولا حتى الاتحاد العام لنقابات العمال)، وهو ما أجبر عمال الميناء على أخذ قضيتهم بأنفسهم، على النحو الذي تطور لاحقاً إلى صدام مؤسف ومباشر مع قوات الدرك.
لكن المسألة التي وضع رئيس الوزراء اصبعه عليها بحكم سخونتها واحتدامها لا تقتصر على عمال ومستخدمي ميناء العقبة، فهناك العديد من القطاعات الاقتصادية التي لا يتمتع مستخدموها وعمالها بحقوق التنظيم النقابي، لا لشيء سوى أن التصنيف المهني للنقابات يضيق بهم، أو يشملهم مع فئات أخرى، ما يحول دون قيام نقابات عامة تمثلهم. والحل هو في اطلاق حرية التنظيم النقابي وعدم حصر النقابات بتلك القائمة حالياً، والتي ربما كانت تمثل "الطبقة العاملة" في الستينيات أو السبعينيات من القرن الماضي، لكنها لا تمثل اليوم سوى جزء متواضع من جسم الطبقة العاملة الأردنية المعاصرة.
ليست هذه المقالة بصدد فتح ملف النقابات العمالية القائمة ومدى شرعيتها، اذ لهذا وقت ومكان آخر، وانما هي بصدد التذكير بأهمية الوصول ببلدنا إلى ما يمكن تسميته "بالمجتمع التفاوضي"، حيث تتمتع مختلف الفئات، وتحديداً الضعيفة منها، بأطر شرعية للتجمع والتنظيم والتفاوض، لا أن ننتظر تفاقم الازمات والاحتقانات لكي نعترف لهذه الفئة أو تلك بحق التجمع والتنظيم.