إعـــلان ▼bayt

 
إبحث
أغنية الغد  
الثلاثاء 7 ايلول 2010م
28 رمضان 1431 هـ
هاني الحوراني
هاني الحوراني
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
دخن عليها تنجلي!
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
6/9/2009
|  

كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحاً، وفيما الطاقم الطبي يتأهب للدخول إلى غرفة العمليات، كنت أقتنص الدقائق القليلة المتبقية، وأنا أتمشى في الباحة الأمامية للمستشفى، مُنهياً تدخين سيجارة.

كان يفترض أن تكون السيجارة الأخيرة قبل اجراء عملية "القسطرة"، ومعالجة الانسدادات في الشرايين. لكن مهلاً، لماذا السيجارة الأخيرة، لأدخن واحدة أخرى قبل الصعود إلى الطابق الثالث، حيث غرفة العمليات.

تدرك داخلياً انها السيجارة الأخيرة، تأخذ نفساً جديداً وتفكر: أيمكن أن تكون الأخيرة، كيف وأنا لست مستعداً لذلك، بل لا أرغب في التوقف عن التدخين! تشعر أن الوقت قد حان للصعود إلى الطابق الثالث، والكف عن المماطلة.

ترمي بقاياها أرضاً، تدوس عليها. تدرك أنها على الأرجح السيجارة الأخيرة. وتقفز نحو المصعد باتجاه غرفة العمليات، حيث يشرع الممرضون في تجهيزك للعملية التي ستراقبها بنفسك. وما هي الا دقائق، حتى تعبر ما بين الغرف والردهات وأنت ممدد على السرير المتحرك، تشعر بالاثارة والفضول من كثرة الغرف والرُدهات التي عليك أن تعبرها قبل أن تصبح في غرفة العمليات، كما لو أن الادارة تتقصد القيام بهذه "الجولة السياحية" قبل ولوج مرضاها إلى غرفة العمليات!

أضواء ساطعة فوقي ومخدر موضعي في أعلى الفخذ، قبل المباشرة في القسطرة، أطباء مكممون وشاشة تفصح أولاً بأول عن تضاريس قلبك. تشعر بذلك السلك الدقيق وهو يعبر من أعلى الفخد باتجاه القلب، ترى مجساً يتحرك، وبعد نصف ساعة من الذهاب والاياب، يخبرك الطبيب بأن لديك انسدادا بنسبة 95% في الشريان في الجهة اليمنى من القلب، ويسألك الموافقة  على وضع "شبكية".

تصمت لبرهة، ثم تومي له بالموافقة، اذ لا مجال للمجادلة وانت على سرير التشخيص فهل ستقول له مثلاً: "أريد رأياً ثانياً"! يغادرك الطبيب لكن لكي يحصل على موافقة أخرى، وبالأحرى للتأكد من "القدرة على الدفع".

يبدأ العمل بالشريان المغلق، وتركيب الشبكية ثم تجرى محاولة أخرى "لتنظيف" الشبكة الأقدم في احدى الشرايين في البطين الأيسر، وعندما يعجز الطبيب عن ادخال لولب جديد إلى الشبكة القديمة، تجرى محاولات لتنظيف الشريان بالبالون. تراقب وتتساءل فيما اذا كان الطبيب الشاب (والشهير في آن واحد) قد نجح مع الشبكية الاقدم أم لا. لكنه يطمئنك إلى أن الشريان نفسه غير أساسي!

يعلن الطبيب عن نجاح العملية، ويعيدك الممرضون على السرير المتحرك إلى غرفة الانعاش، حيث يبدأون في اغلاق الجرح بوسادة رملية ثقيلة قبل لصق الجرح. تمضي بضع ساعات أخرى، لتخرج في المساء من المستشفى وأنت تحمل شبكتين في القلب وفاتورة علاج باهظة، تحتار من أين دبرت كلفتها.

لا تصدق أن هذا حدث قبل شهرين وبضعة أيام. تخال إن دهراً قد مر على الأسابيع الثمانية المنصرمة وأنت بعيد عن السيجارة. ومع ذلك فإن مرور شهرين بعيداً عن التدخين، ليس انجازاً سيئاً!

أحد من خاضوا قبلي تجربة الاقلاع الأخير عن الدخان، وصف معاناته بقوله أن السيجارة ليست عادة ولا ادمانا، انها أكثر من ذلك، إنها ايديولوجيا أو عقيدة، يصعب اجتثاثها أو التخلي عنها. ربما ما كنت "لأفلسف" الأمور إلى هذا الحد، لكن الحياة بعد الاقلاع عن التدخين ليست سهلة وتكاد تكون نصف أو ربع حياة في الأشهر الأولى للاقلاع.

لكن الأمر المؤكد ايضاً، أن المسألة هي، في نهاية الأمر، مسألة وقت للتحرر من "عبودية" النيكوتين والدخول إلى عالم المتع الأكثر جدارة بآدمية الانسان والمجتمع.

لست بعد في وضع يمكنني من القاء "المواعظ والدروس" على المدخنين، فأنا ما أزال على مرمى حجر منهم، لكن اسمح لنفسي بأن أعلن خجلي الشديد من استمراري في التدخين طوال كل هذه السنوات (قل كل هذه العقود)، وشعوري بالندم للأذى المؤكد الذي الحقته بمن حولي، بمن فيهم بناتي، جراء التدخين داخل المنزل، وفوق رؤوسهن، وهن في سن الطفولة.

hani.hourani@alghad.jo

هاني الحوراني
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)