الهجرة للولايات المتحدة لا تروي دائماً قصص النجاح، فهي تروي أيضاً قصص تعثر وانتكاس، وفي أحيان غير قليلة تروى قصص فشل وسقوط
بصراحة كاملة، وبعيداً عن أي رغبة مسبقة في تسجيل المواقف أو القدح أو الإدانة، أرى أن التعامل الرسمي مع قضية اتهام حسام الصمادي بمحاولة تفجير ناطحة سحاب في مدينة دالاس وتوقيف أخيه حسين لذات الصلة، هو أدنى مما يُتوقع من الحكومة.
وبصراحة أكثر، أستهجن محاولات الدفاع والتبرير المجانية التي تسوق الاجراءات والتصريحات "الفاترة" الصادرة عن الحكومة والناطق الرسمي باسمها، بشأن هذه القضية.
كيف ننظر إلى قضية حسام وحسين الصمادي؟ وماذا نتوقع من الحكومة والمؤسسات الأخرى التي تصنع الرأي العام؟! مما قرأنا نجد أن هناك شابين أردنيين يافعين انتقلا إلى الولايات المتحدة من دون أبيهما، المهندس ماهر حسين الصمادي الذي ما زال مقيماً في بلده، والذي تزوج ثانية وأسس أسرة جديدة له تضم ثلاث بنات صغار، بعد وفاة مطلقته والدة حسام وحسين، التي كانت أصيبت بمرض السرطان.
الشاب حسام الصمادي البالغ تسعة عشر عاماً غادر قبل عامين إلى الولايات المتحدة وشقيقه الأصغر سناً يبدوان "ضحايا نمطية" للظروف الاجتماعية والأسرية القاسية التي مرت بهما، منذ انفصال أبويهما، ثم وفاة أمهما، ما جعلهما ضحايا سهلة للوقوع او الاستدراج الى أعمال غير قانونية. وهما بذلك ليسا استثناء من عشرات ومئات المهاجرين الأردنيين والعرب الذين يهربون إلى "الحلم الأمريكي"، بعد أن سُدت في وجوههم فرص الانطلاق الصحيحة. لكنهم بدلاً من أن يحصلوا على فرصتهم الثانية والعادلة، يتعثرون، ويقعون في اشكالات قانونية في مهجرهم الأميركي.
نعلم أن الهجرة للولايات المتحدة لا تروي دائماً قصص النجاح، فهي تروي أيضاً قصص تعثر وانتكاس، و في أحيان غير قليلة، تروى قصص فشل وسقوط. وكنا نسمع عن تورط مهاجرين أردنيين وعرب في "مشكلات عادية" مع القانون، وها نحن نسمع عن مخاطر تورطهم في جرائم جنائية أو أعمال ارهابية من الحجوم الكبيرة.
ما سمعناه لأول وهلة من المتحدث الحكومي (صحف 26/9) يفصح عن تسرع في اتخاذ "مسافة" من قضية الشاب حسام وأخيه حسين، أولاً: في تأكيده لموقف لا يحتاج إلى اعلان أو تكرار عن أن "الأردن وقف دائماً بحزم ضد الإرهاب" وأنه أيضاً لن يألو جهداً في محاربة الإرهاب ومقارعته، فهل ثمة من يشك في ذلك؟!
وثانياً في اعلان الناطق الرسمي عن الاستعداد "التام" للحكومة للتعاون "الكامل" مع السلطات الأميركية المختصة بخصوص هذه القضية. وهذا بدوره يدخل في باب تأكيد البدهيات. وأخيراً تبرع الناطق الرسمي بالإعلان أن حسام كان قد أحيل إلى القضاء الأردني عام 2004 (أي حين كان عمره 14 عاماً!) بتهمتي التشرد والسرقة! وهي تهم وجهها اليه والده حينها من باب التأديب والتقويم لسلوكه.
وفي اليوم الثاني (صحف 27/9) صرح الناطق الرسمي بأن الحكومة قد طلبت معلومات كاملة حول القضية والتهم الموجهة للمواطن الصمادي من السلطات الأميركية، مشيراً هنا إلى وجود اتفاقيات دولية تنظم حقوق الأفراد بالحصول على محاكمة عادلة، ولم يفت الناطق التأكيد على أن تعيين محامي دفاع من جانب الحكومة "هو أمر سابق لأوانه" مشدداً على أن الطلب الأردني للاطلاع على لائحة الاتهام، اقترن بالحرص على "أن لا يؤثر ذلك على سير التحقيق لدى القضاء الأميركي".
لاحظوا هذه اللغة "الباردة"، وهذا الحياد المفرط في التعامل مع قضية مواطن شاب يخضع لأخطر تهمة جنائية وهو بعيد عن أسرته ومحيطه الاجتماعي.
كنا نظن أن الحكومة بصدد القيام بتحرك استثنائي يتعلق بحماية حقوق مواطنين أغراب في بلاد "العم سام"، لنكتشف في فقرة لاحقة من تصريح الناطق الحكومي أن الأمر لا يتعدى الطلب من السفارة الأردنية في واشنطن "الوقوف على الحقيقة".
ولم يفوت الناطق هذه المناسبة لتجديد التأكيد على "موقف الأردن في محاربة جميع أشكال الإرهاب وإدانة اللجوء للأعمال الإرهابية"، فضلاً عن "الاستعداد التام" للتعاون مع الحكومة الأميركية للوصول إلى أي معلومات حقيقية تسهم في اجراء محاكمة عادلة".
بصراحة ليس هذا ما أتوقعه من الحكومة. ولا أدري لماذا هذا الحرص المفرط على إبداء مواقف رسمية معروفة من الإرهاب، وهذا "الاستقتال" في إثبات الرغبة في التعاون الكامل مع حكومة الولايات المتحدة في هذا المجال. فهل الناطق الحكومي يخاطب بتصريحه هذا الحكومة الأميركية، وهل للأخيرة شك في الأمر؟ بل هل يعتقد أحد في العالم بغير ذلك؟!
المسألة بالنسبة لنا هي أن لدينا شابين أردنيين يافعين، نعلم جيداً أن أحدهما وقع ضحية فخ استخباري مبيت أدى الى توجيه تهمة خطيرة اليه، والى توقيف أخيه الأصغر بحثاً عن المزيد من المعلومات عن أخيه حسام. وواجبنا تجاههما هو عمل كل ما يلزم لحمايتهما من أي تعسف والتأكد من توفر سبل الدفاع عن حقوقهما، وهو ما يقتضي ايفاد مبعوث حكومي خاص لتقصي أوضاعهما، أولاً: لحمايتهما قانونياً باعتبارهما مواطنين أردنيين، وثانيا: لحماية اسم الأردن من أي اتهام جائر قد يلصق الإرهاب بمواطنيها.
لسنا هنا بصدد التبرع بإصدار أحكام براءة مسبقة، ومن بعيد، بحق الشاب حسام الصمادي، ولسنا أيضاً بصدد التشكيك المسبق بسلامة او عدالة المحاكم الأميركية، لكننا بصدد مواطنين أردنيين شابين يفتقران بصورة استثنائية للحماية، سواء بحكم ظروفهما العائلية أو بحكم صغر سنهما، ويزيد موقف الناطق الحكومي الأمور حراجة، لأن همه الأول ليس طمأنة حسام وحسين الصمادي (والمواطنين الأردنيين عامة) بوجود حكومة تسهر على حمايتهما من أي جور أو ظلم وهما في بلاد الغربة وتعدهما بالحماية القانونية اللازمة، بقدر ما كان همه اثبات ما لا حاجة إلى إثباته: "أن الأردن ضد الارهاب"!.