في منتصف الشهر الماضي (15 أيلول/ سبتمبر) احتفل العالم باليوم العالمي للديمقراطية. وقد جاء ذلك استجابة لقرار اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن من تشرين الثاني(نوفمبر) 2007، ودعت فيه الدول الأعضاء ومؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية وغير الحكومية والأفراد "للاحتفال باليوم المذكور باعتباره يوماً عالمياً للديمقراطية، وذلك بالأسلوب المناسب الذي يسهم في إذكاء الوعي العام".
لم أسمع خلال الأسابيع القليلة التي انقضت أن حكومتنا أو الحكومات العربية الأخرى قد بادرت إلى الاستجابة إلى هذا النداء الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. لا بل لم أسمع عن احتفالات قامت بها منظمات المجتمع المدني المحلية أو العربية بهذا اليوم، وأخشى أن قلة فقط من المعنيين يعرف عن وجود يوم عالمي للاحتفال بالديمقراطية.
هذه اللامبالاة الأردنية والعربية تجاه "اليوم العالمي للديمقراطية" ليست مفاجأة أو حالة غير متوقعة، فقد استُهلكت لفظة الديمقراطية وابتُذلت إلى الحد الذي لم تعد تحمل معه تلك المعاني التي كنا نراها فيها في مطلع التسعينات مثلاً، ونتطلع إلى ترجمتها في حياتنا السياسية والاجتماعية.
صدر اقتراح تكريس يوم عالمي للديمقراطية عن المؤتمر السادس "للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة"، الذي عقد في الدوحة، عاصمة قطر، في أواخر تشرين الأول(أكتوبر) 2006، وقد قامت الأخيرة، أي الحكومة القطرية بتقديم الاقتراح إلى الدورة الثانية والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة التي سرعان ما تبنته في قرارها المشار إليه آنفاً.
ولمثل هذا الاقتراح معنى مفهوم بالنسبة لبلدان حرمت من الديمقراطية لردح من الزمن ثم استعادته (كما هو حال بلدان أوروبا الشرقية والوسطى)، أو لبلدان شقت طريقها نحو الديمقراطية حديثاً، وتود أن تتمثل بقية شعوب العالم للقيم الديمقراطية ومعانيها في حياتها (وربما هذا هو حال البلدان الديمقراطية الناشئة في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية).
لكن الأمر بالنسبة لعالمنا العربي يختلف كثيراً، حيث أُعيق التقدم نحو الديمقراطية في مختلف الأقطار التي بدأت تشهد أشكالاً من الانفتاح السياسي، قبل نحو عقدين أو أكثر، لكن هذه البلدان لم تفلح أي منها للأسف في تحقيق اختراق نوعي يخرجها من الحلقة المفرغة للاستبداد والتخلف والفقر. وزاد الطين بلة أن الدعوة للديمقراطية والتبشير بها استخدمت من قبل الغزاة والمحتلين، الذين برروا احتلالهم للعراق وتقويض مؤسساته بدعوى "بناء نموذج ديمقراطي" في العراق تحتذي به الشعوب العربية الأخرى.
لم تتغير أهمية الديمقراطية لبلداننا من الناحية الموضوعية، لكن الذي تغير هو نحن، حيث بتنا أكثر واقعية وإدراكاً لعدم سهولة الانتقال بمجتمعاتنا إلى الديمقراطية، ونحن نعلم اليوم أن تعذر الانتقال نحو الديمقراطية لا يعود فقط لغياب "الإرادة السياسية العليا"، وإنما يعود أيضاً إلى ضعف الإرادة النضالية لدى النخب السياسية، ولهيمنة ثقافة أبوية تناهض الديمقراطية صراحة وتبرر الوصاية الدائمة على المواطنين.
مناسبة هذا الكلام ليس الابتكار المتأخر ليوم عالمي للديمقراطية، وإنما تراجع الاهتمام العام بالديمقراطية في الشارع الأردني والعربي عموماً. خذوا الأردن مثلاً على هذا التراجع:
في منتصف عام 1994 لم ننتظر اكتمال خمس سنوات على انطلاق عملية الانفتاح السياسي في الأردن حتى كنا نلتقي في مؤتمر حاشد، بمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي، لتقييم المسار الديمقراطي في الأردن في شتى المجالات والحقول.
أما عام 1999، ورغم تراجع الحماس في الذكرى العاشرة للانتقال نحو الديمقراطية، إلا أن هذا لم يمنعنا من الالتئام في مؤتمر ضخم مماثل، لتقييم ما جرى خلال عقد من الزمن.
لكن الملفت للانتباه أن الذكرى الخامسة عشرة على الانفراجة السياسية لم تحظ بأي اهتمام عام، وهاهي الذكرى العشرون لتلك الانطلاقة تحل هذا العام وسط مشاعر الضجر السياسي والإحساس العام بالركود والتراجع الديمقراطي.
فمن الملام على هذه الحالة البائسة من القنوط من حدوث التغيير؟ وهل لهذا الإخفاق علاقة ما بما نشهده من انتعاش للعصبيات الضيقة واستسهال اللجوء إلى العنف، وغير ذلك من ممارسات سلبية ليس آخرها التطاول على هيبة مؤسسات الدولة؟!