على خلفية أزمة شركة دبي العالمية استحوذ الاهتمام على تطورات ما يجري هناك، وكثرت التحليلات والتعليقات على تداعيات ما يجري وكيف يجب أن يستجيب الأردن، واللافت أن حجم التجارة والاستثمار المباشر بين عمان ودبي يعتبر محدودا كما تعكسه الأرقام والبيانات، وحتى صادراتنا الوطنية الى الإمارات العربية على أهميتها غير مرشحة للتراجع بسبب تركيبتها السلعية والطلب في تلك الدول عليها والترتيبات التجارية التي ترافقها.
ولا يعلم كثيرون أن صادرات الأردن الى العراق خلال التسعة شهور الأولى من العام الحالي شكلت ما يشبه طوق النجاة، فالصادرات الوطنية حتى نهاية أيلول (سبتمبر) تراجعت عن نفس فترة المقارنة العام الماضي بحوالي 700 مليون دينار، وهو تراجع كبير بكافة المقاييس، وخلال هذه الفترة فإن الصادرات الى معظم دول العالم تراجعت وبنسب متفاوتة وفي مقدمتها سوق الولايات المتحدة التي تراجعت الصادرات اليها من 573 الى 470 مليون دينار، خلال ذات الفترة - حتى نهاية أيلول - ارتفعت صادرات الأردن الى العراق من 413 الى 450 مليون دينار، ليعود العراق لاحتلال السوق الثاني للصادرات الأردنية، وفي ظل الاتجاه السائد فإن العراق سيعود ليصبح خلال العام المقبل السوق التصديرية الأولى للسلع الأردنية.
القراءة السريعة للمؤشرات أعلاه تشير الى مسألتين غاية في الأهمية، الأولى أن تداعيات الأزمة العالمية بدأت تظهر في الكثير من المؤشرات والتحدي يكمن في كيفية الإسراع والخروج منها في أقصر فترة ممكنة من دائرة التباطؤ، فالمنتجات الرئيسية التي تراجعت الصادرات منها هي الفوسفات والبوتاس، ويعزى هذا في جانب منه الى تراجع أسعارها عالميا، في حين تراجعت صادراتنا من الأدوية ومستحضراتها، وهذا يعطي مؤشرا مهما على ضرورة الاهتمام بهذه الصناعة التي تعتبر قصة نجاح حقيقية ولكن يبدو أن المنافسة الإقليمية بدأت تنال منها، فيما تراجعت بشكل كبير الصادرات من الألبسة بسبب تراجع أداء المناطق الصناعية المؤهلة.
والمسألة الثانية هي أن السوق العراقية والاستثمارات المشتركة بين العراق والأردن تستحق الكثير من الاهتمام والعناية، فالسوق العراقية تعتبر واعدة، وهي ليست حكرا على المصدرين الأردنيين، فهي سوق تنافسية تتسابق الكثير من الدول على ارتيادها، لكن المصدرين الأردنيين نجحوا الى حد كبير في الاستحواذ على جانب مهم من السوق، والتحدي يكمن في كيفية الحفاظ على تلك الحصة أمام التنافس التركي الإيراني السوري وغيره.
فيما مضى كانت البروتوكولات التجارية تضمن حصة مصدرينا، الآن لا بد من آليات جديدة وترتيبات تضمن سهولة التعامل بين رجال الأعمال من كلا الطرفين، مثل توفير ضمانات إضافية وتسهيلات وغيرها من الإجراءات التحفيزية لأن المجال كبير للتوسع هناك، وعلينا الحفاظ على المستثمرين العراقيين الذين قرروا أن يشكلوا جسورا للتعامل ما بين البلدين والتفريق بينهم وبين المضاربين والمغامرين في البورصة.
بعد كل هذا فإن الاستقرار في العراق يجب أن يستحوذ على اهتمامنا أكثر من هزة سوق دبي، أو هكذا على الأقل تتحدث الأرقام، والمدهش أن السوق المحلية نجحت في تحييد العامل الأمني ويعود العراق ليصبح الشريك التجاري الأول.