إعـــلان ▼KING Hussein Cancer Foundation

 
إبحث
أغنية الغد  
الخميس 9 ايلول 2010م
30 رمضان 1431 هـ
هاني الحوراني
هاني الحوراني
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
التمويل الأجنبي بين المواقف العدمية والمقاربات المسؤولة
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
6/3/2010
|  

 خصص التلفزيون الأردني مساء يوم الجمعة الفائت (26/2/2010) حلقة برنامجه المعروف "ستون دقيقة" لقضية التمويل الأجنبي الذي تتلقاه بعض منظمات المجتمع المدني في الأردن. ومن المؤسف أن الحلقة الحوارية المذكورة لم تأت بجديد على سابقاتها من جولات الحوار حول هذه القضية، والتي طالما كانت موضع اهتمام وسائل الإعلام وأوساط متنوعة من الرأي العام خلال العقدين الأخيرين.

وعلى الرغم من تنوع خبرات ضيوف الحلقة المذكورة وتميز مواقعهم ما بين الصحافة والنقابات المهنية والحكومة، إلا أن المشاهدين لم ينتهوا إلى نتائج أو خلاصات محددة، والأرجح أنهم إزدادوا بلبلة وعدم يقين بعد الحلقة، بدلاً من أن تساعدهم على فك ألغاز هذه الظاهرة التي استدعت كل هذه السجالات، وعلى مدار سنين، ودونما نتيجة واضحة.

وبداية تطرح الحلقة تساؤلاً مشروعاً حول جدوى تخصيص ساعة كاملة في فترة ذروة المشاهدة للبث التلفزيوني لموضوع التمويل الأجنبي من دون تحضير جيد لموضوعات الحلقة وانتقاء متوازن للضيوف المشاركين ومن دون إدارة محايدة للحوار؟!

وبكلمات أخرى فإن تناول موضوع التمويل الأجنبي على شاشة التلفزيون الأردني يفترض أن يكون مختلفاً عن تناول المنابر الأخرى له، سواء أكان حزباً أيديولوجياً أو نقابة مهنية أو منبرا ثقافيا له موقف مسبق من هذه الظاهرة.

فإذا كان من المتوقع أن يكون تناول المنبر الأيديولوجي لقضية التمويل الأجنبي تناولاً تعبوياً، أو تحريضياً، فإن تناول التلفزيون الحكومي يفترض أن يكون موضوعياً ومحايداً ومتوازناً، اللهم إلا إذا كان للحكومة توجه جديد في التصدي لهذه الظاهرة، وهو الأمر الذي نشك فيه!

ومن هنا فإن وجه الاستغراب أن تكون حلقة الجمعة الفائتة من "ستين دقيقة" محكومة برؤية أيديولوجية وسياسية مسبقة، قد تكون مفهومة من جريدة أو منبر حزبي، لكنها غير مفهومة أو متوقعة من التلفزيون الحكومي.

لكن الأنكى من هذا كله أن المتحاورين على شاشة التلفزيون الأردني لم يكلفوا أنفسهم مشقة الاجابة عن السؤال/ المفارقة الذي أثاره الزميل سميح المعايطة (أحد ضيوف الحلقة) حول لماذا لم تنتهِ الحملات السابقة ضد التمويل الأجنبي بنتائج ملموسة طالما أنها تقضّ مضاجع المناهضين له، ولماذا تنتهي هكذا حوارات بلا حلول عملية؟!

الجواب عن هذا السؤال يكمن في أن التصدي لهذه القضية ظل محكوماً بالطابع الأيديولوجي والموقف السياسي المسبق من التمويل الأجنبي، ولم يأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي والموضوعي للظاهرة، ما أعطى الموقف منها طابعاً عدمياً وتبشيرياً مجرداً بينما المطلوب هو مقاربتها مقاربة نقدية تأخذ بعين الاعتبار أساسها الموضوعي.

لقد عولج موضوع التمويل الأجنبي من جانب العرض وأهمل بحثه من جانب الطلب الداخلي، أو الاحتياجات المحلية لمنظمات المجتمع المدني، وهكذا فقد أسرف المهاجمون للتمويل الأجنبي في البحث عن دوافعه والمصالح الكامنة وراءه، في حين تغاضوا عن (أو قللوا من شأن) الطبيعة الموضوعية والمشروعة لحاجات منظمات المجتمع المدني للموارد، التي عندما لا تتم تلبيتها من المصادر المحلية لا ترى هذه المنظمات من مناص للبحث عنها لدى المانحين الدوليين. وبكلمات أخرى فإن فشل الحملات المتكررة ضد التمويل الأجنبي في وضع حد لهذه الظاهرة يعود إلى عجز أصحابها عن طرح بدائل للتمويل الخارجي، وإلى اكتفائهم بالتشكيك بدوافع وأهداف هذا التمويل، والمبالغة في "شيطنة" الظاهرة، الأمر الذي لم تؤيده الوقائع، ولم تسوغه المصالح الملموسة لهذه المنظمات.

ولما كنت، منذ سنوات طويلة تعود إلى مطلع التسعينيات وحتى الأمس القريب، قد كرست الشطر الأكبر من وقتي وجهدي من أجل الدفاع عن المجتمع المدني والتأكيد على حيوية دوره في التنمية بأبعادها الانسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة، وانتقلت في السنوات الأخيرة إلى الاسهام في تمكين منظمات المجتمع المدني وبناء قدرات كوادرها وقياداتها، والسعي للاسهام في تحسين أداء هذه المنظمات لتكون أهلاً للشراكة مع إدارات القطاعين العام والخاص، فإني أجد نفسي مضطراً للاعتراف بأن الثقة بمنظمات المجتمع المدني وقياداتها تراجعت بشكل محسوس خلال السنوات الأخيرة، ولم تفلح البرامج (والتي قمت شخصياً بتصميم بعضها من أجل استعادة بعض الثقة في المجتمع المدني) في تحقيق المراد منها، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الانتقادات التي طالت هذه المنظمات خلال السنوات الماضية لم تكن ناجمة فقط (أو بالأساس) عن حملات التحريض الرسمية (والتي تعاظمت خلال العام 2007، أي سنة الانتخابات البلدية والنيابية)، وانما تعود لقناعة عشرات المواطنين الشرفاء، ومنهم كتاب ومثقفون، بأن الفساد قد تسرب إلى صفوف منظمات المجتمع المدني، وأن التمويل الأجنبي سمح بإفساد أفراد، وربما شرائح، من المتصدين لقيادة منظمات المجتمع المدني.

إنني شخصياً بت مقتنعاً بالحاجة إلى مراجعة وطنية مسؤولة لمسألة التمويل الأجنبي، وأرى أن خطورته الراهنة باتت في كونه أصبح عاملاً مباشراً (غير مباشر) في تشجيع قيام عشرات المنظمات والمراكز التي ليس من مبرر موضوعي لوجودها، وبالتالي فهو يسهم في إفساد مسؤولي بعض هذه المنظمات وتشجيع الارتزاق في صفوفها، هذا اضافة إلى أن التمويل الأجنبي بات يحدد أجندة عمل المنظمات المتلقية، بل بات يرسم خريطة المجتمع المدني و"يهندس" بنيته الداخلية. والتصدي لهذه المهمة، أي مراجعة التمويل الأجنبي، لا يكون بالإدانة والرفض المطلق له، ووضع سائر مصادر التمويل تحت دائرة الاتهام، وإنما يكون بمساءلة ومراقبة المؤسسات الممولة وتقييم نشاطاتها دورياً، وقد يكون هذا من خلال مجالس مشتركة تجمع ممثلي الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الجهات التمويلية معاً.

وبصراحة أكبر فإن المطلوب وضعه أولاً تحت ضوء المراقبة والتقييم والمساءلة ليس منظمات المجتمع المدني المحلية، وإنما هي الأعداد المتزايدة من المؤسسات الأجنبية، والأميركية أساساً، التي افتتحت لها عشرات المكاتب المحلية، وباتت تزاحم منظمات المجتمع المدني المحلية على الموارد والمنح المخصصة للأردن من موازنة وكالة التنمية الأميركية (USAID)، فهي تسحب البساط من تحت أقدامها، ولا تبقي لها إلا الفتات، ما يطرح أسئلة جدية حول جدوى البرامج والمشاريع المخصصة لدعم الديمقراطية والمجتمعات المدنية والإصلاح السياسي، إذا كانت الأموال المخصصة لهذه المشاريع تذهب إلى شركات وجامعات ومؤسسات أميركية، ما لا يجعلها تختلف عن المساعدات الاقتصادية والفنية الأميركية الأخرى!

التصدي للتمويل الأجنبي لا يكون برفع أو ترديد الشعارات والحجج السياسية والأيديولوجية، ولا عن طريق اضفاء طابع المؤامرة عليه من أجل "شيطنته" وتحميله أكثر مما يحتمل من أوزار، فالمعالجة الحقيقية وطويلة المدى لهذه الظاهرة تكون بتشجيع نشوء ونمو ظروف ملائمة للتمويل الوطني (المحلي) والعربي للمنظمات غير الحكومية. وحث القطاع الخاص على النهوض بمسؤولياته الاجتماعية، ودعوة صناديق التنمية والرساميل العربية لتوجيه اهتمامها نحو الحاجات المشروعة لمنظمات المجتمع المدني العربية.

hani.hourani@alghad.jo

هاني الحوراني
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)