ضمن خطتها التنفيذية للعام 2010، خصصت حكومة سمير الرفاعي محوراً خاصاً "لتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى وتمكين وحماية الطبقة الفقيرة".
وينطوي إدراج هكذا هدف على صدور أول اعتراف رسمي من جانب الحكومة بحقيقة وقوع "تراجع" أو "تقلص في قاعدة الطبقة الوسطى" في الأردن، وهو الأمر الذي ظل موضع جدل ومكابرة، وحتى نفي من جانب العديد من المسؤولين والمحللين الاقتصاديين. لكن الأهم من الاعتراف بتآكل الطبقة الوسطى هو الاقرار من جانب الحكومة بالحاجة إلى اعتماد برامج ومشاريع "لتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى"، فضلاً عن "تمكين الطبقة الفقيرة وحمايتها".
والسؤال هو: كيف فهمت الخطة الحكومية مسألة تراجع الطبقة الوسطى، وهل البرامج والمشاريع المخصصة لتوسيع وتعميق قاعدة الطبقة الوسطى ترقى إلى مستوى التحدي؟! ومن ناحية أخرى هل أن تآكل الطبقة الوسطى يعود فقط لأسباب اقتصادية، أم أن وراءه أسباب أو سياسات وأوضاع اجتماعية وسياسية أخرى؟!
لقد أدرجت وثيقة الخطة التنفيذية للحكومة مجموعة من البرامج في تصديها لمهمة توسيع الطبقة الوسطى أبرزها: برنامج دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الانتاجية، الذي يتضمن عدداً من المشاريع الموجهة أساساً للتنمية المحلية مثل زيادة دخل الأسر الريفية الفقيرة، ومشروع زراعة الأعلاف وتربية المواشي ومكافحة الفقر من خلال التنمية المحلية في المستوى البلدي، وتشغيل الفتيات في المناطق النائية.
أما البرنامج الآخر فهو يطمح إلى توسيع قاعدة المشمولين بالضمان الاجتماعي، من خلال إعداد وإقرار مشروع قانون جديد للضمان وإعداد أنظمة ودراسات لتوفير التأمين الصحي في القطاع الخاص وزيادة عدد المشتركين من المغتربين في صندوق الضمان، وشمول محافظات جديدة بمظلته.
البرنامج الثالث هو تدريب وتشغيل العاطلين في المناطق الأقل حظاً، وينطوي هذا على مشاريع لتدريب الشباب والنساء ومساعدتهم على تملك وإدارة مشاريع صغيرة، إضافة إلى إنشاء صناديق لتقديم منح للطلبة ممولة من القطاع الخاص.
أما البرنامجان الرابع والخامس، فهما موجهان لتوفير الدعم والحماية لما سمي بالطبقة الفقيرة، من خلال تخصيص برامج للمعونات النقدية المتكررة ورعاية الاعاقات وانشاء المساكن وتقديم المساعدات الطارئة والموسمية. هذا إضافة إلى إنشاء أسواق استهلاكية مدنية في المناطق الأقل حظاً، وتوفير مخزون استراتيجي من مادتي القمح والشعير، وتزويد الأسواق المدنية بالمزيد من البضائع وتطوير خدماتها للمواطنين.
هذه باختصار مضامين استراتيجية "توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وحماية وتمكين الطبقة الفقيرة"، فهل تعكس وجود رؤية معمقة لمشكلة تآكل وانحسار الطبقة الوسطى، أو تتضمن حلولاً ناجعة لدعم الطبقة الفقيرة وتمكينها؟!
أول ما يلاحظ هو أن جملة البرامج والمشاريع التي تضمنتها الخطة التنفيذية للحكومة هي أنها برامج قائمة من قبل، ولم يُلحظ أي جديد فيها، وأن جهد الحكومة الحالية قد اقتصر على لملمة وتجميع هذه البرامج والمشاريع في حُزمة واحدة، تحت عنوان جذاب هو "توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وحماية وتمكين الطبقة الفقيرة". من ناحية أخرى فإنه لا توجد في المحور المذكور أية سياسات أو توجهات أو رؤية جديدة لهذه الاشكالية.
ربما قدمت البرامج والمشاريع الحكومية حلولاً جزئية لفئات من المواطنين، لا سيما في المحافظات والأقاليم الأقل حظاً، لكنها لم تقدم مقاربة اقتصادية – اجتماعية لمشكلة تراجع الطبقة الوسطى أو للنهوض بالأوضاع المعيشية لذوي الدخل المتدني أو الفقراء على مستوى البلد ككل. ومن المشكوك فيه أن تكون لدى الحكومة دراسات تقويمية لبرامج دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة أو لتمكين الفقراء، والتي ثبت أنها عززت دخول القائمين على إدارة هذه البرامج، لكنها لم تفلح في تخفيض مستويات الفقر أو تعزيز الانتاجية لدى الأسر الفقيرة.
أما على صعيد توسيع قاعدة المشمولين بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، فلا يوجد ما يترجم هذه العناوين الجذابة إلى أفعال، سوى الحديث عن إعداد "دراسات" و"قوانين" و"أنظمة". وحتى هذه نخشى أن لا تنفذ في ضوء التأجيل المتكرر لوضع قانون جديد للضمان الاجتماعي!
مرة أخرى، لا نقول إن المشاريع الواردة في محور "توسيع قاعدة الطبقة الوسطى .." عديمة الفائدة، إذ لا شك أنها سوف تسهم في تحسين أوضاع بضع مئات من الأسر أو آلاف من الأفراد. لكننا لسنا مع وضع جملة هذه المشاريع تحت عنوان عريض مثل الذي يحمله المحور السابع من الخطة التنفيذية للحكومة.
ان "توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وحماية الطبقة الفقيرة وتمكينها" يحتاج إلى مراجعة السياسات والتشريعات التي أدت بالأصل إلى تدهور مكانة وحجم الطبقة الوسطى، وإلى تردي مستوى معيشة عموم المواطنين، والابقاء على معدلات عالية وثابتة من الفقر على امتداد عقدين من الزمن على الأقل، لكننا لم نسمع من الحكومة الحالية شيئاً عن نيتها إجراء مثل هذه المراجعة.
والواقع إن تحقيق هذا الهدف الجذاب يتطلب حزمة سياسات وليس فقط حزمة برامج. ولعل الحكومة تبدأ بالأقل كلفة بالنسبة لبلد يعاني من أزمة اقتصادية ومالية خانقة، وذلك من خلال العمل على استعادة ثقة هذه الطبقة الحيوية وإعادة اجتذاب الفئات المتقدمة والمبادرة منها إلى العمل العام، بعد أن انحدر تمثيلها السياسي وانزوى دورها، جراء التعثر المتكرر للإصلاح الديمقراطي وتراجع التعددية السياسية والفكرية والاجتماعية.
إن المطلوب هو إعادة بناء الطبقة الوسطى وليس مجرد زيادة رقعة قاعدتها. السبيل إلى ذلك هو من خلال:
- اعتماد وصياغة نموذج اقتصادي – اجتماعي مشتق من مفهوم "الدولة المشاركة" الذي لا يلغي حرية اقتصاد السوق، لكنه يضمن حماية ورعاية مصالح الفئات الاجتماعية الأوسع ويحقق الاستقرار والأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار يمكن إدراج مشاريع أو سياسات الأمان الاجتماعي والإسكان الكريم وإقامة مشاريع تنموية في المحافظات وإزالة بؤر الفقر والحد من البطالة.
- العمل على استكمال بناء شبكة الضمان الاجتماعي للعاملين وشبكة التأمين الصحي لمختلف قطاعات المواطنين.
- تعزيز وتطوير أنظمة التعليم وتطويعها لتستجيب لصالح احتياجات سوق العمل والاستجابة للطلب الفعال محلياً واقليمياً. وهذا يقتضي رفع سوية شبكة التعليم الحكومي والرسمي والحد من عدم المساواة في فرص التعليم، لكي يكون التعليم الأساسي والجامعي أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من ظواهر عدم المساواة.
- تمكين الطبقة الوسطى من بناء موقف تفاوضي عادل، ودعوة الدولة للامتناع عن أخذ مواقف سلبية من "النقابية"، وعدم المس بالقدرة التفاوضية أو البنية التنظيمية المستقلة للنقابات، سواء أكانت عمالية أو مهنية.
ان احترام الحقوق النقابية، وافساح المجال أمام بناء الأطر التفاوضية لمختلف الفئات المهنية والاجتماعية هو الطريق لتحقيق الاستقرار السياسي، وهي التي تعزز مفاهيم المواطنة والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية والوحدة الوطنية.
أما على صعيد القوى الاجتماعية والسياسية المعنية باعادة بناء الطبقة الوسطى فإن مهمتها الرئيسية في هذا المجال تتمثل في تعزيز القدرة التفاوضية لهذه الطبقة، وتطويرها بمبادرات ذاتية، مثل اعادة تنظيم النقابات المهنية على أسس ديمقراطية وبناء أطر مشتركة مع الحركة العمالية، وتفعيل المطالبة بحرية التنظيم النقابي للفئات المحرومة من حقوق التنظيم النقابي، وتفعيل الدور السياسي للطبقة الوسطى من خلال بناء حركة سياسية حاملة للقيم والمبادئ التي ارتبطت بصعود الطبقة الوسطى تاريخياً، وإحياء تقاليد الليبرالية الوطنية، القائمة على الحداثة والديمقراطية والتنوير.