صدور مذكرات د. زيد حمزة، وبالأحرى سيرة حياته التي حملت عنوان "بين الطب والسياسة"، عن مديرية الثقافة في أمانة عمان الكبرى، هو أفضل مناسبة للحديث عن شخصية صاحبها. كيف لا وهي تروي صفحات من حياته، وتشف عن أفكاره والمشاريع التي شغلت حياته، وربما الأهم أنها عكست نظرته للحياة ولدوره فيها.
يقع الكتاب في حوالي 280 صفحة، لكن الصور الشخصية والأوراق والوثائق التي أوردها في ذيول فصول الكتاب ناهزت الـ120صفحة، أي ما دون نصف صفحات الكتاب بقليل، وهذه ميزة للكتاب وليست عيباً فيه، إذ إلى جانب النص الذي يريد صاحبه أن يقول به شيئاً لنا فإن الصور الفوتوغرافية تستدرج التأمل في ملامح صاحبها، عبر الزمن، والتي ما برحت تجمع ما بين الوسامة والأناقة. كما أن الصور تستحث التأمل في موضوعاتها وشخوصها والزمن الذي التقطت فيه، ما يدعو أصحاب الخبرة في استقراء الصور، إلى وضع نصهم الخاص عنها.
عنوان سيرة زيد حمزة بين "الطب والسياسة" يشي بأن الطب بالنسبة له ليس مجرد مهنة على عظمتها كمهنة، فهو بالأحرى رسالة لها الأولوية ودور مارسه منذ تخرجه من كلية طب القصر العيني وحتى اليوم. ولذلك أطلق عليه محرر السيرة، سامر خير، اسم "أبو الطبابة" في مقدمته للكتاب.
ولذلك أيضاً احتلت تجربته كوزير صحة وطبيب، حصة لا بأس بها من نص الكتاب. فهو يتحدث باعتزاز عن دوره كوزير صحة في نشر المراكز الصحية في مختلف أرجاء البلد "حتى بلغ عددها المئات في سنوات قليلة"، ما ساهم في توسيع مظلة الرعاية الصحية وخفف العبء عن المستشفيات الحكومية. كما تحدث عن دوره في اصلاح نظام التأمين الصحي وتعديل قانون المجلس الطبي وتفعيل دور المجلس الصحي العالي، هذا اضافة إلى حديثه عن معركته ضد مشروع "المؤسسة الطبية العلاجية" التي تم حلها بعد سنوات من إنشائها.
يؤكد زيد حمزة بجلاء تام انحيازه لوجود قطاع صحي عام واسع يشمل بمظلته وخدماته أوسع قطاعات المواطنين، وهو يذكرنا بأهمية وفعالية وكفاءة هذا القطاع الصحي وفضله على الناس من موظفين وعسكريين وفئات اجتماعية ضعيفة. ومن ناحية أخرى فان سيرة زيد حمزة تذكرنا بزمن كانت فيه الحكومة (ووزير الصحة فيها) يستمران لفترة أربع سنوات أو أكثر! ما يعطي الفرصة لأصحاب البرامج لتنفيذ برامجهم.
تشي سيرة زيد حمزة بعناوين ما عرف وخبر وعاش، منذ طفولته في إربد ودراسته في صفوف الثانوية بين عمان والقاهرة، والأهم دراسته للطب في القاهرة في مرحلة تاريخية فاصلة بين العهد الملكي والعهد الجمهوري، كما يروي بعض صفحات "رابطة الطلبة الأردنيين" في القاهرة، التي جُمِعَت التبرعات لتمويل نشاطها، وأُصدر يانصيب خاص بها بيع في المدن وثكنات الجيش!
وعلى الرغم من استعدادات زيد حمزة الفكرية اليسارية ونزوعه الفطري للعمل العام، فقد اختار عدم الانتماء لحزب ما "والتركيز على العمل المهني"، وكان هذا الخيار يبدو غريباً وسط بيئة عامة تعج بالسياسة، وتُحرض على الانخراط السياسي. وهو يفسر خياراته هذه بصراحة تامة.
فقد أراد تجنب دفع "الثمن الباهظ" لمثل هذا الانتماء، لكن قراره بالابتعاد عن السياسة لم يعفه من معاناة عواقبها حينذاك.
ففي الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان "بعيداً عن السياسة" تجد أهم صفحات الكتاب التي تصف زواجه ومطلع حياته المهنية وحادث فقدان أخيه زياد، الطيار الشخصي للملك الحسين، حياته في حادث سقوط لطائرته في تركيا، ثم التحاقه بمنحة دراسية في بريطانيا (1961) وحصوله على الدبلوم في تخصص الأنف والأذن والحنجرة.
لكن الصفحات المؤلمة من هذا الفصل تبدأ مع لجوء أخيه سهل، الذي كان قد استلم للتو قيادة سلاح الجو الملكي الأردني، بطائرته الحربية إلى القاهرة وطلبه اللجوء السياسي فيها، وحجته تجنب توريط الأردن في حرب اليمن الذي كانت مصر قد انخرطت فيها بقوة دعماً للنظام الجمهوري الناشئ فيها.
هنا تبدأ معاناة زيد وأخوته ووالده من رد فعل المسؤولين والأجهزة الأمنية على لجوء سهل حمزة إلى القاهرة، حيث أودعوا المعتقلات وأخضعوا لتحقيقات واستجوابات مرهقة، استمرت تسعة عشر يومأً. وهكذا يبدو عنوان الفصل أقرب إلى النكته أو المفارقة: "بعيداً عن السياسة"! فهل ثمة امكانية لشخص ما أن يبقى بمعزل عن السياسة حتى لو اختار ذلك، خاصة في تلك المرحلة؟!
مر زيد حمزة على الأحداث التي عرفها أو كان طرفاً بها مروراً سريعاً، وأحياناً مروراً خاطفاً، وكأنه يتقصد الإيجاز من دون اغفال تنوع الخبرات والممارسات التي تحصلت له، والتي تراوحت ما بين ممارسة الطبابة إلى العمل النقابي، إلى الوزارة، إلى خوض الانتخابات النيابية عام 1989، إلى قيادة حزب التقدم والعدالة، وخلال هذا كله الكتابة الصحافية، خاصة في الصفحة الأخيرة لصحيفة "الرأي".
لا ينطوي كتاب زيد حمزة عن سيرته الذاتية على بطولات أو أحداث خارقة، وهو لا يمن على أحد بتضحيات جسيمة، بل على النقيض من ذلك، فهو يروي قصة حياة مهنية وشخصية نشطة ومتفاعلة مع حراك الناس والحياة العامة، وقد نَمّت سيرته عن نزاهة واعتداد بالنفس، أغنتها ثقافة شخصية وتجربة متنوعة ثرية. انه شخص اختار أن يعيش وأن يستمتع بحياة نوعية، من دون أنانية ومن دون تنطع للبطولة. جاهر بقناعاته ومارسها بصدق، وأعطى كل ذي حق حقه. فهو يقول – مثلاً - ان أقساط دراسته للطب في القاهرة لم تكلف أهله قرشاً لأن الحكومة المصرية كانت تعفي الطلبة العرب، لكن أبناءه جميعهم تعلموا على حسابه، وتجنب، رغم قربه من القصر، أن يطلب معونة الدولة أو الديوان.
بين ثنايا سطور كتاب زيد حمزة وصفحاته، ومن خلال الصور الفوتوغرافية التي توثق مراحل مختلفة من حياته، تظهر ظلال شخصية والده محمد حمزة الذي أنجب سبعة أبناء وبنتا واحدة. فهو "نموذج للأب الأردني المجهول" الذي تجسدت رسالته في إنشاء ذلك السرب من الأبناء والبنات الناجحين والناجحات في أعمالهم.
hani.hourani@alghad.jo