في ظل غياب التوافق الأردني حول النظام الانتخابي الأفضل، طالبنا بعدم تحويل غياب هذا التوافق إلى حجة تبرر عدم الإقدام على أي إصلاح للنظام الانتخابي الأردني، وطالبنا بصفة خاصة بالاهتمام بالإجراءات والأمور الفنية في قانون الانتخاب بما يجعله منسجماً مع المعايير الدولية لنزاهة وعدالة الانتخابات.
فعلنا ذلك إبان فترة حكومة د. معروف البخيت، التي أدارت الانتخابات البلدية والبرلمانية المشؤومة لعام 2007. لكن، الوقت ضاع قبل أن تصحو الحكومة على فوات أوان إجراء أي تعديلات على قانون الانتخاب.
هذا العام نخشى أن التاريخ يعيد نفسه. فلا وقت لبناء إجماع حول الإصلاح الانتخابي أو حول نوع النظام الانتخابي. وقد بات تفويت فرص بناء الإجماع حول الإصلاح عموماً، والإصلاح الانتخابي خاصة، فنا أردنيا بامتياز. فنحن لا نبدأ الحديث عن إصلاح أو تعديل الانتخاب إلا في السنة الأخيرة للمجلس، أو بعبارة أخرى في سنة الانتخابات. وهكذا "صرفنا" عشرين عاماً في "الانتقال الديمقراطي"، منذ 1989 وحتى اليوم!
ومثلما نصحو على إصلاح أو استبدال قانون الانتخاب متأخرين فإن لدينا "مرضا" وطنيا آخر هو احتقار الأمور الفنية أو الإجراءات الخاصة بالعملية الانتخابية، فإذا ما أشرنا بأصبعنا إلى التفاصيل فإن البعض يعد ذلك صرفاً للأنظار عن الأمور الأساسية، مثل استبدال نظام "الصوت الواحد". ولذلك فإن المطالبة بتحسين الجوانب الإجرائية في قانون الانتخاب يراها - هذا البعض - مجرد "عمليات تجميلية" لنظام انتخابي مرفوض!
الحكومة بدورها لا تساعد على تحسين حالة النقاش الوطني لقانون الانتخاب، فهي من خلال سياسة تقطيع الوقت تحول دون تطوير حالة التوافق حول قضايا مهمة متصلة بقانون الانتخاب، مثل سن الانتخاب وسن الترشيح.
فهي- أي الحكومة- في الوقت الذي تشبعنا فيه خطباً حول حق الشباب في المشاركة السياسية والانتخابية، لم تقل لنا شيئاً بعد حول تعديل سن الاقتراع، الذي نطالب أن يكون 18 سنة في يوم الاقتراع، وليس في مطلع سنة الانتخاب كما هو الحال في القانون الحالي، الأمر الذي يحرم ما يزيد على 100 ألف شاب من ممارسة حق الاقتراع. فلماذا يُعطل مثل هذا المطلب المتواضع، ومن يعطله؟!
ألا يستحق اقتراع أكثر من 100 ألف شخص إضافي في الانتخابات النيابية القادمة التفاتة من اللجنة الوزارية المعنية لتعديل المادة الخاصة بسن الاقتراع. إن أكثر من مائة ألف صوت شاب إضافي يمكن أن تقرر مصائر عشرين مقعداً نيابياً، بافتراض أن المتوسط الوطني العام لعدد الأصوات التي توصل المرشح إلى مقعد النيابة هو خمسة آلاف صوت انتخابي، حسب نتائج الانتخابات النيابية لعام 2007.
وبالمثل نسأل لماذا التمسك بسن الترشح لعضوية مجلس النواب، وهو 30 عاماً، في حين تعتمد غالبية الأنظمة الانتخابية في العالم سنا للترشيح للنيابة يتراوح ما بين 21 و24 سنة، بل وبعضها يعتمد سن 18 سنة للاقتراع والترشيح معاً. فإذا كان الحماس لمشاركة الشباب حقيقة وليس مجرد انجرار لموضة عالمية، أو شكل من أشكال "النفاق السياسي" تجاه هذا القطاع، فما الذي يمنع من مناقشة خفض سن ترشح النائب ليصبح 24 عاماً، مثلاً؟!
إن هذه الخطوة لن تضخ فقط دماء شابة إلى عروق المجلس النيابي الأردني، وإنما ستسهم في تحسين خريطة المرشحين وتعيد إليها بعض التوازن، بعد أن رجحت الكفة مؤخراً لصالح الأثرياء الجدد والمتقاعدين من الوظائف الحكومية، المدنية منها والعسكرية. إذ ليس سراً أن المزيد من الشباب يعني المزيد من فرص التغيير والتفكير الجديد وأساليب العمل الجديدة إلى مجلس النواب.
ما أوردناه أعلاه ليس إلا مثالاً واحداً عن إصلاحات مطلوبة، لكنها مهملة، لأن تركيز ربابنة العمل السياسي ظَلَّ، وما يزال، على نوع النظام السياسي، وتحديداً على رفض أو قبول نظام الصوت الواحد.