إعـــلان ▼KING Hussein Cancer Foundation

 
إبحث
أغنية الغد  
الجمعة 3 ايلول 2010م
24 رمضان 1431 هـ
محمد أبو رمان
محمد أبو رمان
كتاب الغــد|مقالات اليوم


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
الحكومة في "أوراق كارنيغي"
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
17/1/2007
|  

ازدادت نبرة انتقاد أداء الحكومة وسياساتها بصورة واضحة منذ أكثر من أسبوع، وبلغت هذه الانتقادات حدّاً ملحوظاً مع مناقشة مجلس النواب للموازنة العامة، في ظل المطالب والضغوط الهائلة لرفع رواتب الموظفين في القطاع العام لـ"التكيف" مع الغلاء الكبير في الأسعار على مختلف المستويات. أغرب ما في بعض المقالات - التي انتقدت الحكومة- استخدام مصطلح "مفاصل في الدولة" في سياق التعبير عن عدم رضا بعض المسؤولين وشخصيات ذات وزن - في صناعة القرار- عن أداء الحكومة وتوقع رحيلها على أثر ما اعتبر إخفاقاً في التعامل مع أزمة الثلوج في الجنوب، وما تلاها من أزمة اسطوانات الغاز وارتفاع أسعار الخضراوات.

مصطلح "مفاصل في الدولة" بمثابة رسالة مشفّرة، وتمرير معلومات أكثر منه تحليلاً سياسياً وموقفاً خاصّاً بكاتب صحافي، وربما المصطلح ذاته يعكس أحد أهم وأبرز أسباب "الخلل" في الأداء الحكومي، والذي أوضحه التقرير الصادر عن مركز دراسات كارنيغي (أعدته الباحثة لبنانية الأصل خوليا شقير) بعنوان "الإصلاح الوهمي: الاستقرار الأردني العنيد"، أهم ما في التقرير إشارتان رئيستان: الأولى تتعلق بضعف موقع رئيس الحكومة في صناعة القرار وفي اتخاذ السياسات العامة في السنوات الأخيرة. أمّا الثانية فهي تصدّع القاعدة الاجتماعية والسياسية الداعمة للاستقرار السياسي بفعل التحولات والإصلاحات الاقتصادية.

ومن "أوراق كارنيغي" بمكن العودة لمناقشة أداء الحكومة بصورة عامة؛ فبلا شك أنّ الأزمات الأخيرة أظهرت ضعفاً في أداء بعض الوزراء والدوائر الرسمية، وبطئاً في استجابة الحكومة للخلل بصورة سريعة، وربما يعود بعض ذلك إلى طبيعة شخصية الرئيس الذي يفضل التأني والتريث قبل اتخاذ أي قرار، بما لا يتوازى مع سرعة إدارة الأزمات الآنية واليومية، وفي التعامل مع المزاج العام. لكن في المقابل يجب ألاّ يختزل أداء الحكومة في هذا السياق، أو أن تحمّل تركة المسار العام بأسره، الذي يفرض أجندة اقتصادية وسياسية صارمة.

لعل استطلاعات الرأي، التي يقوم بها مركز الدراسات الاستراتيجية، هي أكبر مؤشر واقعي وحقيقي، على الملاحظة السابقة؛ إذ تظهر الأرقام مدى تجذر "فجوة الثقة" بين الرأي العام والحكومات المتعاقبة، ما بات يصبغ المشهد السياسي منذ سنوات، وهي حالة ناجمة عن قناعة الرأي العام بتضاؤل دور رئيس الوزراء في صناعة القرار السياسي الاستراتيجي، وبعدم توقع مبادرات وقفزات سياسية كبرى حقيقية. أما إن اختلف الأداء بين رئيس وآخر فذلك في بعض الجزئيات وفي قضايا محددة، وليس في الاتجاه العام، وبالتالي فإنّ المساءلة والمراجعة يجب ألا تقتصر على حكومة معينة إنما يجب أن تشمل المسار والنسق السياسي والمؤسسي العام والخيارات الاستراتيجية على المستوى السياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل من حصة أي حكومة من تحمل العبء العام في النقد والمساءلة أقل بكثير من حجم النقد الموجه إليها إعلامياً وسياسياً وشعبياً!

على الصعيد العام، بعيداً عن الأداء اليومي للحكومات المتعاقبة، وهو مستوى جزئي في التحليل السياسي، فإنّ الإصلاح السياسي لا يسير إلى الأمام ويدور في حلقة مفرغة، وهي الملاحظة التي يسجلها تقرير كارنيغي. فلا بد من الحسم الاستراتيجي؛ فيما إذا كان هنالك قرار سياسي بإصلاحات كبيرة، وهذا يعني، ابتداءً، ضرورة تغيير قانون الصوت الواحد، وإعادة الاعتبار لموقع رئيس الوزراء، كممثل للأغلبية البرلمانية، في المشاركة الرئيسة في صنع السياسات العامة، من خلال برنامج حزبي حقيقي وواضح، عندئد نستطيع أن نحاسب الحكومة بل ونأتي بها على أساس برنامج إصلاحي واضح، وسيكون حينذاك موقع "حكومة الظل" داخل البرلمان نفسه، بحيث تتكون فيه معارضة نشيطة قادرة على المحاسبة والمساءلة. أمّا في الواقع الحالي فإنّ أزمة الفجوة المتنامية في الحكومات ستزداد وتتجذّر، ولن تفلت لا هذه الحكومة ولا حكومة قادمة من النقد والاستياء الشعبي والسياسي، وكأننا نركل بالكرة الثلجية المتضخمة من حكومة إلى أخرى، مع أنّ مفتاح الحل ليس مع رئيس الحكومة إلاّ إذا كان لديه أجندة سياسية واضحة، ومعه فريق منسجم سياسياً وإدارياً قادر على تنفيذ أجندته، وهو ما لا ينطبق على الأسس الحالية في اختيار وتشكيل الحكومات.

الأزمة الحقيقية التي تعاني منها مختلف الحكومات، اليوم، وتتجاوز قصة نقد حكومة معينة، هي تلك الفجوة الكبيرة بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي. فعملية الخصخصة وقوانين تشجيع الاستثمار، بما في ذلك النظام الضريبي، كلها تشريعات وسياسات عامة ينتج عنها تحول في فرص العمل وتباين في مستويات الدخل، مع الالتزام بتوصيات المؤسسات الدولية الصارمة، التي تؤثر على أساسيات الحياة اليومية لملايين المواطنين، بالتحديد الذين يعملون في القطاع العام أو المهن الخاصة الصغيرة والمتدنية اقتصادياً، ولا يستطيعون "التكيف" مع التطورات الاقتصادية، ويغذي هذا الوضع الاقتصادي حالة من التذمر والاستياء والشعور المرير بالفجوة الطبقية والحرمان الاجتماعي بالتوازي مع المسافة المتسعة بين المركز والأطراف، ما يجعل من السؤال الاجتماعي، كما يرى تقرير كارنيغي، حاضراً بقوة في عملية الاستقرار السياسي وقوة وصلابة القاعدة الاجتماعية التي كونتها الدولة وشكلت رافعة لها في العقود السابقة، من العاملين في الوظائف العامة والحكومية.

بالتأكيد، ثمة إدراك واضح وحساس لدى صانع القرار، وهنالك مقاربات متنوعة ومتعددة للتعامل مع الجانب الاجتماعي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي وبناء معادلة توازن بين السياسات الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية والسياسية، وربما لا يكون هنالك بدائل اقتصادية استراتيجية أخرى، أي أنّ السياسات الحالية هي بمثابة "الضرورات"؛ لكن التعامل مع المزاج الاجتماعي يقتضي انفتاحاً سياسياً ومشاركة شعبية في اختيار الحكومات وتشكيلها لبناء قناعة حقيقية لدى المواطنين بأنهم هم المسؤولون عن الخيارات السياسية والاقتصادية.

من القواعد المعروفة؛ ألاّ ضرائب بلا تمثيل، فكيف إذا تعلّق الأمر بسياسات اقتصادية استراتيجية ذات كلفة اجتماعية كبيرة، وهي في الأغلب الأعم "غير شعبية"، على الأقل على المدى القريب!

m.aburumman@alghad.jo

محمد أبو رمان
 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)