"صفقة جونستون": الصراع بين حماس و"السلفية الجهادية"
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
بالصفقة التي تمت للإفراج عن جونستون في غزة توقف الصراع المسلّح بين حماس وجيش الإسلام، الذي بدأت إرهاصاته قبل أيام من عملية الإفراج من خلال اشتباكات مسلحة وعمليات خطف متبادلة. والطريف في الأمر أنّ الطرفين(حماس وجيش الإسلام) قاما بتحكيم الشيخ سليمان الداية، أحد رموز جماعة التبليغ في غزة،(تلك الجماعة المسالمة التي غالباً ما تكون محل استهتار من القوى الإسلامية الأخرى)، وهو الذي أفتى بالإفراج عن جونستون، فالتزم ممتاز دغمش(زعيم جيش الإسلام) مباشرة، ثم تمّ تبادل المختطفين وسُكّنت الأزمة بين الطرفين إلى حين، لكنها بالتأكيد لم تنته!
ما يحدث بين حماس وفتح الإسلام ليس منفصلاً عما يحدث بين القوى الإسلامية في المنطقة، التي تحمل مشروعات فقهية وسياسية متباينة، وربما متضاربة في كثير من الأحيان، لكن الصراع الذي بدأ يأخذ مدى وأبعاداً أكبر وأخطر هو الصراع بين المشروع "الإخواني"(حماس في فلسطين) ومشروع "السلفية الجهادية"، مع الإشارة إلى أنّ جيش الإسلام وإن لم ينضم رسمياً إلى القاعدة بعد، فإنه يمثل امتداداً لها ويحظى بتعاطف شديد من مؤيديها وأنصارها، بالإضافة إلى جماعات سلفية أخرى صغيرة في غزة تتفق مع أجندة وتوجهات جيش الإسلام كجماعة "سيوف الحق".
المقربون من حماس يهوّنون من شأن "جيش الإسلام" ويؤكدون أن حماس ستفرض الأمن، ولن تسمح له بالتشويش على مشروعها ومواقفها في هذه اللحظة الحرجة والخطرة من تاريخ الحركة ومستقبلها السياسي. لكن على الرغم أنّ قوة حماس والدعم الإقليمي الذي تحظى به من حلفائها(إيران، سورية والإسلاميين المتعاطفين) ما لا يقارن بحالة جيش الإسلام وباقي أطياف السلفية الجهادية، إلاّ أنّ حسابات الصراع بين الطرفين أكبر وأعقد من المواجهة العسكرية الحاسمة المحتملة، فهي تكاد تكون انفجاراً في الصراع داخل قوى الإسلام السياسي، وهو صراع يمكن أن ينعكس ويمتد إلى مناطق أخرى، كالعراق مثلاً الذي دخلت فيه المواجهة أيضاً مرحلة مسلحة وإعلامية وسياسية متأججة بين حماس- العراق (التي تمثل امتداداً لمشروع الإخوان المسلمين) وما يسمى بـ"دولة العراق الإسلامية" (التي تمثل امتداداً للسلفية الجهادية وشبكة القاعدة).
وتبدو استثنائية الصراع الحالي في غزة(بين جيش الإسلام وحماس) أنه يتم على أرضية الأيديولوجية الدينية ذاتها. فإذا كان يسيراً على حماس تكفير دحلان وفريقه وتوفير الذرائع والحجج وتعبئة أتباعها ضد فتح فإن المسألة ليست بهذه السهولة في غزة، فالرحم الفكري والمحضن الثقافي يجعل من الصعوبة بمكان على حماس تعبئة وإقناع أنصارها ومؤيديها بجدوى ومشروعية الانقضاض على جيش الإسلام ومجموعته.
بموازاة الصراع السياسي والعسكري على غزة، هنالك صراع إعلامي شديد بين حماس والسلفية الجهادية أخذ في التجذر والبروز في الآونة الأخيرة. فالدعاية الإعلامية لحماس والمنتديات التابعة للحركة تركز على الصلة والعلاقة بين ممتاز دغمش وبين حركة فتح، وتتهم دغمش بأنه قاطع طريق وأنه مرتزق، وانه قد استفاد كثيراً من الفوضى السابقة، ومن عودة العشائرية في غزة، حيث يحظى زعيمه ممتاز دغمش بدعم كبير من عشيرته، ويكاد يسيطر على حي الصبرة، ويفرض عليه سلطته. وهنالك خطاب إعلامي جديد صادر عن حماس يتحدث عن تمويل ودعم خارجي يحظى به جيش الإسلام. وليس من المستبعد أن نبدأ نسمع من قادة حماس أوصافاً ضد "جيش الإسلام" يستخدمها الإعلام العربي كوصفه بالتشدد وأتباعه بالخوارج والمتطرفين..الخ.
على الجهة المقابلة؛ فقد أظهرت مواقع الانترنت المؤيدة للقاعدة تعاطفاً كبيراً مع جيش الإسلام ودخلت على خط المواجهة بين الطرفين، بخاصة بعد اعتقال حماس للشيخ خطاب المقدسي، الناطق الرسمي باسم جيش الإسلام، وهو الشخص الذي يعتبره مراقبون همزة الوصل ومفتاح العلاقة غير المعلنة بين شبكة القاعدة وجيش الإسلام.
وفي سياق المعركة الإعلامية تمّ الإعلان عن تأسيس ما يسمى بـ"مؤسسة الصوارم الإعلامية" في أرض الرباط، ويبدو أنّ هذه المؤسسة هي المرشحة لتكون المنبر الإعلامي الرسمي مستقبلاً للقاعدة في فلسطين، كما هو الحال في مؤسسة الفجر والسحاب والثابتون على العهد(موقع على شبكة الانترنت للقاعدة في مصر) وجميعها مؤسسات وشبكات إعلامية تابعة للقاعدة في المناطق المختلفة من العالم.
الحملة الإعلامية "الجهادية" ضد حماس بدأت مع التشهير باختطاف الحركة لعدد من أفراد جيش الإسلام، من خلال مواقع الانترنت المختلفة الداعمة للقاعدة، وطالبت جميعها بإطلاق سراح المختطفين. والمفارقة الملفتة أنّ مؤسسة الصوارم الإعلامية بثت صورة الكترونية عن وثيقة زعمت أنها تعود لحركة حماس في عام 1995، بعنوان "كشف اللثام عن وجوه اللئام" أصدرتها الحركة ضد عدد من قياداتها وفي مقدمتهم اسماعيل هنية(رئيس الوزراء المقال) الذين نصت الوثيقة انهم يحاولون دفع الحركة للمشاركة في الانتخابات، ما يخالف منهجها واستراتيجيتها. وأكدت مؤسسة الصوارم أنها ستبدأ ببث العديد من الوثائق في حال لم يفرج عن المختطفين من جيش الإسلام.
ويمكن رصد دخول القاعدة المركزية على خط المواجهة بين الطرفين من خلال الشريط الأخير لأيمن الظواهري، الذي جاء بعنوان "نصيحة مشفق" إذ يخاطب فيه أتباع حماس قائلاً: "أتوجه لإخواني المجاهدين من حماس الذين يتلقون بصدورهم صواريخ إسرائيل وبظهورهم طعنات خونة فتح، وأقول لكم: إن قيادتكم تنازلت عن الشريعة وقبلت بالديمقراطية". ويلحظ من هذا النص أنه يخاطب أفراد حماس لكسب تأييدهم وإحداث أزمة داخل الحركة بين الخط الأيديولوجي وبين الخط البراغماتي. فلم يهاجم الظواهري الحركة بأسرها، وهي لغة خطرة ودقيقة.
بلا شك أنّ الاختلاف الفكري والسياسي بين فصائل الإسلام السياسي ليس جديداً، إذ يعود إلى عقود سابقة، وهنالك العديد من الأدبيات التي يقدمها كل طرف في نقد الطرف الآخر، ككتاب أيمن الظواهري "الحصاد المر"(عن جماعة الإخوان). لكن الفترة الأخيرة شهدت تطور الصراع إلى مرحلة جديدة ومتقدمة، دخلت إلى مجال الصدام المسلح على هامش صعود الحركات الإسلامية والمتغيرات الإقليمية والمحلية الجديدة التي تشهد حالة من الفوضى والفراغ في عدة مناطق، ما يقدم مؤشراً أنّ الصراع الديني لا يقتصر على الأبعاد الطائفية بل يدخل إلى رحم كل طائفة بين القوى الإسلامية التي تدّعي تمثيلها!
يبدو أنّ حركة حماس التي تواجه أزمة حادة وتحديات كبرى في الحصار الدولي والصراع مع حركة فتح تواجه تحدياً لا يقل أهمية مع الحركات الإسلامية الأخرى، وفي مقدمتها جماعات السلفية الجهادية، لكنه تحدٍ بنكهة وطبيعة مختلفة أدق وأعقد من التحديات الأخرى ويتطلب حسابات وتوازنات مختلفة!
m.aburumman@alghad.jo