إعـــلان ▼bayt

 
إبحث
أغنية الغد  
الجمعة 3 ايلول 2010م
24 رمضان 1431 هـ


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
نذير رشيد يقدم مرافعة "تاريخية" حول أحداث مفصلية
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
نشر: 29/10/2006
|  
 

"مذكراتي: حساب السرايا وحساب القرايا"

 

محمد أبو رمان

في كتابه "مذكراتي: حساب السرايا وحساب القرايا"، الصادر عن دار الساقي في بيروت مؤخراً، يقدم ندير رشيد، روايته لأحداث مفصلية وخطيرة في تاريخ الأردن المعاصر، في سياق مذكراته الشخصية المكتنزة بالأحداث والنشاطات والتي تقلب فيها بين أعلى المناصب الرسمية في الدولة والجيش وبين الهروب والنفي ومن ثم القطاع الخاص وهوايته المفضلة الفروسية.

يلخص هذه المسيرة الحافلة د. خالد الكركي، الذي قدّم للكتاب، بقوله: " كان نذير الرشيد يركض في مدى من التاريخ يزيد على ستين سنة، كان هو نفسه الخيال المجرب منذ الكلية العسكرية في بغداد إلى تميزه في رياضة البولو، إلى أن انتقل إلى عالم القطاع الخاص، حيث الوقت واسع للفروسية التي عشق، والتجارة التي جرب، والكتابة التي سوف يشكره الناس لأنه أقدم عليها وذاكرته في أوجه اشتعالها"، وفي تقديري أنّ د. الكركي استخدم الفعل "يركض" تنبيهاً للفترة القصيرة الحافلة بالأحداث المحلية والإقليمية، التي لم يكتف "أبو جعفر" بأن يكون شاهدا عليها فكان مشاركاً فاعلا فيها سواء في الداخل أم الخارج. يروي نذير رشيد تفاصيل مثيرة وحافلة في تاريخ الوطن، ويقدم السياسي والعام على الشخصي والخاص في مذكراته، كما يلحظ د. خالد الكركي، ويوفر معلومات حول الأوضاع الاجتماعية في مدينة السلط، في النصف الأول من القرن المنصرم.

يرفض أبو جعفر أن ينهي مذكراته دون أن يقدم تصوره لبعض القضايا السياسية الهامة والتحديات التي تواجه مستقبل الأردن بصفته واحداً من "الحرس القديم" الذين أدوا أمانة الواجب تجاه الوطن وقدموا مساهمتهم في مسيرتهم وكان لهم اجتهادهم في كثير من القضايا، ربما يختلف معهم البعض فيها، لكن الجميع يقر أنهم كانوا فرسان وطن بحق ورجال دولة بامتياز يشهد لهم على ذلك الخصوم قبل الأصدقاء.

في "السؤال المعرفي" يكمن نقاش مشروع: ماذا تضيف مذكرات رشيد إلى تاريخ الأردن المعاصر؟ يجيب رشيد نفسه على هذا السؤال بموضوعية وبتواضعه المعهود: " لقد شاركت في أحداث مهمة في تاريخ الأردن والمنطقة، وأعتقد أنّ لدي شهادة في بعضها مختلفة عن الرواية السائدة"، بالفعل يقدم رشيد مرافعة مختلفة عن كثير مما كتب عن مرحلة حافلة، كان هو أحد فرسانها، وبالتحديد أحداث عام 1957 وأحداث أيلول عام 1970. فهذا الكتاب مساهمة في توثيق تاريخ الأردن الجديد، ومن حق، بل واجب، قضاة التاريخ "المؤرخين" أن يفصلوا بين الشهادات والروايات والرؤى المختلفة.

يبقى سؤال يطرح نفسه: لماذا اختار أبو جعفر "حساب السرايا وحساب القرايا" عنواناً لكتابه؟ يجيب على ذلك بقوله: " إن حياتنا، مواطنين ومسؤولين، تدور على الدوام في الفجوة الشاسعة بين الواقع والطموح، وبين ما يتحقق بالفعل من ناحية، وما نحلم بتحقيقه من ناحية أخرى... وسواء اعتبرنا أنفسنا، كما يقول المثل الشعبي، من أهل "القرايا"، أي الناس والمواطنين العاديين، أو "السرايا" الممثلة للحكم والسلطة، فإنّ هذا الإطار الثنائي يصلح أساساً للحكم على القضايا العامة من حيث المقدمات والنتائج".

السلط حيث الولادة والنشأة

"جاء والد جدي محمد أحمد الصقال من دمشق في حوالي عام 1860 ميلادية، وقد ولد جدي ووالدي في مدينة السلط، وولدت فيها كذلك في 19 حزيران 1929"، وفي حديثه عن النشأة يطوف بنا نذير الرشيد في بعض سمات السلط في النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت "السلط مدينة صغيرة وبسيطة، وشوارعها ترابية، والحياة فيها تقليدية وطبيعية، لم يكن هناك كهرباء ولا شبكات مياه ولا دور للسينما، وكان فيها عدد قليل من أجهزة الراديو التي تشتغل على بطاريات السيارات، اثنان منها في المقاهي. وكانت هناك مكتبتان صغيرتان توزعان الصحف وبعض الكتب، إحداها لسري العالم البسطامي، والثانية لمحمد فريز الحاج حسين.. كانت المياه تصل إلى البيوت بوساطة "السقاية" للقادرين، أو تزود كل عائلة نفسها بما تحتاج إليه من مياه. وكان مركز البلد هو الساحة التي تتوزع الدكاكين على أطرافها، وتصل إليها عن طريق جسر اسمه في ذلك الوقت "جسر العين". وكان في المدينة عيون مياه كثيرة، هي مصدر الماء للأهالي،..، كانت المياه الزائدة تسيل إلى البساتين، مارة في منتصف البلد إلى بستان أبو رصاع، ثم تستمر في النزول إلى وادي السلط.. وكانت في ضواحي السلط وحولها مجموعة أخرى من الينابيع.. وكان وادي السلط دائم الخضرة، ومتنفساً للأهالي، يزودهم بما يحتاجون إليه من خضار وفاكهة، ويقصدونه للرحلات والتنزه".

ويتذكر أبو جعفر "مقهى المغربي" إذ كان متنفساً لشباب السلط وكان أبو جعفر من زبائنه وكان يرتاده منذ عام 1946 كلما سنحت له فرصه، حيث يجلس مع رفاقه يلعب (الشدة). وكان في السلط طبيب عام واحد هو طنوس قعوار، ومستشفى إنجليزي بسيط للإرسالية التبشيرية، وخمس مدارس ابتدائية للطوائف المسيحية، وثلاث مدارس كتاتيب، وكان الحد الأدنى لتدريس الطلاب في الصف الأول الابتدائي سبع سنوات.

درس نذير رشيد في كتّاب الشيخ عفيف الكيلاني، فتعلم القرآن والقراءة والكتابة قبل أن يلتحق بالمدرسة النظامية، مدرسة الحربي، وأكمل دراسته في مدرسة السلط الثانوية. وبعد نجاحه في الدراسة الثانوية 1947 ابتعثته الحكومة الأردنية مع عدد من الطلاب إلى الكلية العسكرية الملكية في بغداد، حيث درس هناك العلوم العسكرية، وقد زار الملك عبدالله الأول الكلية 1949 ويروي رشيد أنه كان مهتماً آنذاك بتطور الأوضاع في سورية، حيث كان ينادي بسورية الكبرى، وكان هناك طموحات عراقية بضم سورية وكان موقف الملك عبدالله واضحاً: "سورية تقوم وتقعد على ركبتها ولن نسمح لأحد بالتدخل فيها".

الضباط الأحرار وطرد غلوب باشا 

دخل نذير رشيد الجيش في تشرين الأول 1950، ثم رفع إلى ملازم ثان، وفي عام 1951 استشهد الملك عبدالله الأول على أبواب المسجد الأقصى. وفي العام نفسه التقى نذير مع شاهر أبو شحوت ومحمود المعايطة، وضافي الجمعاني في معسكر الزرقاء لأول مرة، وكانوا أول أربعة أسسوا التنظيم وكان يقف وراء فكرة التنظيم بالإضافة إلى الأفكار التحررية في تلك المرحلة الغضب على الإنجليز بعد هزيمة عام 1948، واتهامهم الإنجليز وعن الأسلحة الهزيلة وعن رفض مساعدة العرب، ويصف أبو جعفر الظروف السياسية التي أنتجت ظاهرة الضباط الأحرار في عدة دول عربية: " .. فقد كانت صدمة الهزيمة قاسية على العسكريين أكثر منها على المدنيين. واستقرت المرارة في النفوس، في كل قطر عربي اشترك في تلك الحرب. وكان جنود الجيش وضباطه ينحون باللائمة على قياداتهم العليا من سياسية وعسكرية.. ومن هنا نشأ الاعتقاد بين العسكريين أن قياداتهم غير مؤهلة لتحمل مسؤوليات الحكم، ثم أخذوا يتصورون أن واجبهم القومي يدعوهم إلى العمل لإنقاذ أقطارهم من بين أيدي تلك القيادات. وكانت النتيجة تلك السلسلة من الانقلابات في سورية وفي مصر والعراق".

غلب على الضباط الأحرار الأردنيين أنهم في سن متقاربة (أقل من 30 سنة) ممن أتموا التعليم الثانوي أو الإعدادي وكانوا يعتبرون أنفسهم "طليعة الشبان المثقفين" في الجيش، وتلقوا قدراً معقولاً من العلوم والفنون العسكرية، وكان التنظيم سرياً يتكون من حلقات لا تعرف إحداها كثيراً عن الأخرى، ولم يكن التنظيم بعثياً في الأساس، لكن فيه بعثيون، وغلب على تكوين التنظيم الانتماء إلى منطقة الوسط، السلط وعمان ومادبا، فيهم الحضري والقروي والبدوي.

كانت أهداف التنظيم المتفق عليها إلغاء معاهدة الدفاع البريطانية- الأردنية وتعريب الجيش العربي، وقد عرف الملك عن الضباط الأحرار، من خلال عدة مناسبات، أبرزها إطلاع نذير رشيدات له على وثيقتين خطيرتين تتضمن الأولى خطة انسحاب إلى الضفة الشرقية في حال وقعت حرب مع إسرائيل، وتتضمن الثانية النقص الشديد في ذخيرة الجيش، وقد صدم الملك لهذه المعلومات وكانت من أسباب القيام بتعريب الجيش وطرد غلوب باشا عام 1956. 

أحداث عام 1957، ومناورة هاشم

بدأت إرهاصات أحداث عام 1957 بمناورة كانت تقوم بها كتيبة المدرعات الأولى التي يقودها نذير رشيد، ويؤكد أنها كانت فنية بحتة، ليس لها أهداف سياسية، لكن الظروف السياسية والمؤشرات العامة التي أحاطت بها أدت إلى تطور الأمور وتفاقم الأوضاع فيما بعد. المناورة كانت في الضفة الشرقية والغربية تقتضي عدّ السيارات التي تدخل إلى مدن رئيسة. ويروي رشيد بالوثائق أن رئيس الأركان وافق عليها وكذلك وزير الدفاع عبد الحليم النمر الحمود، لكنه لم يبلغ رئيس الوزراء آنذاك، سليمان النابلسي، ظنا منه أن الأمر لا يستحق. إلا أن مدير الديوان الملكي بهجت التلهوني، رئيس الديوان الملكي، في ذلك الوقت، كان على علاقة سيئة برئيس الوزراء سليمان النابلسي وعلي أبو نوار رئيس أركان القوات المسلحة، فنقل معلومات للملك مقلقة حول المناورة، فاستدعى الملك رئيس الوزراء للاستفسار منه عن المناورة وأسبابها، ولماذا لم يعلمه بها، في الوقت نفسه فوجئ النابلسي بها أيضاً، وكان يعتقد أنها مناورة مقصودة للضغط عليه ليستقيل، مما دفعه لأن يقول للملك: " يا سيدي لست بحاجة لتحريك القوات المسلحة ضدي، فأنا حاضر للاستقالة في أي وقت تشاء".

وفي أثناء وجود النابلسي عند الملك استدعي رئيس الأركان لتوضيح طبيعة المناورة، ولماذا لم يعلم الديوان الملكي بها، فكانت إجابة "أبو نوار" أنّ ضباط الجيش كانوا مستائين مما يحدث، ولا بد من تغيير اللواء بهجت طبّارة مدير الأمن العام، وتعيين اللواء محمد المعايطة بدلاً منه، على الرغم أنّ "أبو نوار" لم يكن من الضباط الأحرار، كما يذكر نذير رشيد، وقد استغل تلك الأحداث لتحقيق أهداف شخصية، ولمّا سأل الملك "أبو نوار" فيما إذا كانت له مطالب أخرى، أجاب بالنفي، فوافق الملك فورا، وأمر بتغيير مدير الأمن العام.

يقول نذير رشيد: " بعد ظهر ذلك اليوم، الثامن من نيسان 1957، اتصل بي قائد الفرقة علي الحياري، بينما كنت أتفقد الوحدات في مراكزها، وأبلغني أنّ الملك وافق على تغيير بهجت طبّارة، وتعيين محمد المعايطة بدلاً منه. وقد فوجئت بهذا الكلام، وطلبت منه بحزم أن لا تكون المناورة موضوع مساومة بين "أبو نوار" وغيره، فالمناورة تمارين تدريبية بحتة موافق عليها قبل شهر من ذلك التاريخ. وأخبرته أنني لا علاقة لي مطلقاً بما يجري خارج تلك المناورة، وأنها ستستمر إلى آخر دقيقة في برنامجها المقرر، وتعود بعدها السرايا إلى موقعها في معسكر الزرقاء، وهذا ما كان".

يصرُّ رشيد على فنية مناورة هاشم، مزوداً حججه بوثائق مثبتة حول المناورة وتفاصيلها، كما يؤكد أنّ "أبو نوار" لم يكن من الضباط الأحرار، لكنه يعترف أن الظروف التي صاحبت المناورة كانت تدفع الملك إلى الشك في أهدافها وفي النشاطات الموازية لها. ففي العاشر من نيسان طلب الملك من رئيس الوزراء تقديم استقالته، فما كان من "أبو نوار" إلاّ أن أرسل إلى الملك يطلب إبقاء النابلسي أو تعيين عبد الحليم أو سعيد المفتي بدلاً منه. لم يكن نذير رشيد يعرف هذه التفاصيل إلا بعد أن سافر إلى الشام، وعرف أيضاً أنّ هناك تعليمات كانت تصل من البعث السوري والقيادة المصرية لبعض الضباط الأحرار المرتبطين بهم.

وفقاً لهذه المعطيات كان على الملك أن يتحرك لتصويب الأوضاع، كما يرى رشيد. وكانت بداية الحركة هي التمرد الذي قام به لواء الأمير عالية، ففي عصر 13 نيسان صادف أن لواء الأمير عالية، بقيادة المقدم معن أبو نوار، والمتمركز في خو، كان ينوي إجراء مناورة موافق عليها مسبقاً. لكن الجنود وبتأثيرات خارجية تمردوا عليه وهاجموه، وتحركوا باتجاه قيادة الفرقة في منطقة خو، ثم اتجهوا إلى الزرقاء في طريقهم إلى عمان يهتفون ضد "أبو نوار". علمت رئاسة الأركان بذلك، وطلب من سلاح المدفعية الموجود في معسكر الزرقاء التصدي لهم ومنعهم من دخول الزرقاء، وبعدها منعهم من الوصول إلى عمان، فاصطدم لواء الأميرة عالية مع بعض أفراد سلاح المدفعية، الذين كان يقودهم إحسان الحلواني، وتم منعهم، فسقط قتيلان وعدد من الجرحى.

كما فوجئ رشيد بقيام السرية الأولى من كتيبته بقيادة الملازم هليّل سلامة بالتحرك، من دون ذخيرة، إلى الديوان الملكي لحمايته كما زعم هليل، وبقيت سرايا الكتيبة الأخرى في مراكزها لم تغادر تلك الليلة، وفي ساعة متأخرة من الليل تم نقل رشيد إلى قيادة الفرقة وعين المقدم نايف الحديد مكانه لقيادتها. في مساء ذلك اليوم، حضر الملك إلى الزرقاء معه الشريف ناصر بن جميل والشريف زيد بن شاكر وعلي أبو نوار، الذي لم يستطع أن يتمالك نفسه، وفقد السيطرة، وطلب من الملك العودة إلى عمان بعد أن وصلوا إلى الرصيفة.

خرج عدد كبير من الجنود والمدنيين في مظاهرة تأييد كبرى للملك، وحشد الإخوان عدداً كبيراً من أنصارهم لمواجهة "التمرد" خارج المعسكرات عند سينما النصر بالزرقاء، وحصل اشتباك بين حرس المعسكر والمتظاهرين، وكان المؤيدون للملك هم المبادرون بالهجوم لتغيير المسرح السياسي والعسكري. ويبدو أن تحرك الجيش لصالح الملك قلب الطاولة، ورجح كفته رجحاناً كبيرا، ولم يعد الملك بحاجة إلى التفاوض مع الأحزاب اليسارية والقومية، التي تمكنت أن تكون قوة مؤثرة ضاغطة لأربعة أيام، لكنها أرادت استخدام قوتها ونفوذها لتغيير النظام السياسي أو الضغط عليه، مما أغضب الملك، الذي اطمأن لموقف الجيش والإخوان المسلمين.

حينذاك توصل رشيد إلى قناعة أنّ هناك أمورا يصعب السيطرة عليها ويصعب أيضاً توضيح الموقف فيها. فالوضع سيشمل جميع الضباط الأحرار، وقد طلب منه محمود المعايطة مغادرة الأردن فوراً، وسمع في الصباح أنه مطلوب للاعتقال فغادر بلباسه العسكري إلى مدينة المفرق وكان بملابسه العسكرية وحاملاً مسدساً. في المفرق ذهب إلى القوات السورية، التي انتشرت ليلة الأحداث، بلباس مدني في عمان والزرقاء، وهنالك ألبسوا رشيد لباس ضابط سوري، وسافر إلى سورية بسيارة عسكرية.

في يوم 11 نيسان عقدت محكمة عسكرية لعدد كبير من المتهمين يمثلون اثنين وعشرين قائداً عسكرياً، منهم رشيد، ورئيس الأركان علي أبو نوار، واللواء علي الحياري ومدير الاستخبارات محمود الموسى والمقدم قاسم الناصر مساعد مدير الاستخبارات، وقائد كتيبة المدفعية الثالثة إحسان الحلواني، وعبدالله الريماوي، وزير الدولة للشؤون الخارجية سابقاً، واللواء محمود المعايطة، مدير الأمن العام الأسبق، وعدد آخر من القادة العسكريين وصدرت بحقهم تهم متعددة.

يؤكد نذير رشيد أنّ تلك الأحداث لم تكن تتضمن عملية انقلاب عسكري: "إن الظروف والإمكانيات المتاحة للضباط الوارد ذكرهم في لائحة المحكمة تدل على أنهم يمسكون بمفاصل القوات المسلحة، فأحدهم رئيس هيئة الأركان، ومن بينهم مدير الاستخبارات العامة، وقادة فرق وألوية وكتائب، ولم يشر إلى تحرك عسكري سوى مناورة هاشم التي نفذتها إحدى الكتائب، على الرغم أنه كان يمكن تحريك مجموعات ووحدات عسكرية أكبر بكثير لو كان ثمة نية بالفعل لتنفيذ انقلاب عسكري. وكانت المبادرة موجهة من قبل النظام ومجموعات عسكرية وسياسية مؤيدة له..مثل الإخوان المسلمين. ويمكن تشخيص ما حدث بالفعل بأنه ضربة وقائية استهدفت المعارضة المتغلغة في الحكومة والقوات المسلحة التي كانت تضغط على الحياة السياسية. ووجدت هذه التحركات مساندة معلنة وخفية من جانب الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تحاول أن تكون بديلاً عن الوجود البريطاني الذي تراجع بعد الحرب العالمية الثانية، وللتصدي لتيارات أخرى شيوعية ويسارية وقومية كانت تسعى لتعزيز العلاقات مع الاتحاد السوفييتي".

في المنفى.. تهريب السراج

استقر رشيد في دمشق، وقد أجري عليه وعلى الفارين رواتب مشابهة لرواتبهم في الأردن، وأقيم في دمشق معسكر تدريب للمعارضة الأردنية يشرف عليه عصام الجندي، وأغلب أفراده من عشيرة عبيدات من قرية كفرسوم. بعد سنة من وجوده في دمشق وقع انقلاب في العراق أطاح بالعائلة المالكة هناك، وكانت محاولة انقلاب في الأردن بقيادة صادق الشرع إلا أنه اعتقل وعفا الملك عنه فيما بعد، وفسرت تلك المحاولة أنها صراع أميركي- بريطاني على النفوذ في الأردن.

 شارك رشيد بثورة لبنان 1958 ضد التمديد لكميل شمعون، وكان عمودها الفقري من "المحمديين" (السنة والشيعة والدروز)، ما أدى إلى قيام علاقة بينه وبين كمال جنبلاط زعيم الدروز. وتزوج رشيد من ابنة عمه عام 1960، وقد جاءته إلى دمشق. وبعد أن وقع الانفصال بين مصر وسورية تم اعتقال الزعيم المعروف عبد الحميد السراج في سجن المزّة في سورية، الذي قرر الاستعانة بنذير الرشيد ومحمد الروسان في عملية هروبه من السجن، وكان دورهما تأمين الطريق له من دمشق إلى أن يصل للزعيم الدرزي كمال جنبلاط، وقد كان على علاقة جيدة برشيد. واستغل رشيد خبرته وعلاقاته التي تكونت أثناء مشاركته في الثورة اللبنانية في منطقة الحدود ما سهل كثيراً عملية الهروب.

غادر رشيد إلى لبنان ومكث هناك سنة، ثم غادر إلى الاسكندرية للدراسة هناك، إلى أن صدر العفو الملكي وعاد إلى عمان عام 1965، فعمل بالزراعة إلى أن عاد إلى العمل برتبة رائد في دائرة المخابرات العامة عام 1968.

معركة الكرامة

في عام 1967 وقعت حرب الأيام الستة ويذكر رشيد أنّ وصفي التل كان معارضاً بشدة لمشاركة الأردن فيها، ومتأكداً أن ثمن هذه المشاركة سيكون ضياع الضفة الغربية، وقد خاطب الملك مطالباً بعدم المشاركة، ومتعهداً أن يتولى مسؤولية الحكومة وأن يمتنع على مسؤوليته التاريخية عن دخول الحرب. لكن الملك، وعلى رغم موافقته وصفي التل هذا الرأي، أبى أن يسجل التاريخ على الأردن تخليه عن واجبه القومي، فخاض الأردن الحرب وخسر الضفة الغربية، وبدأ بعد ذلك يزداد نشاط المنظمات الفدائية في الأردن بذريعة النضال من أجل تحرير الأراضي المحتلة.

وقعت معركة الكرامة 1968 وكان رشيد "جديد عهد بدائرة المخابرات العامة، لكن شهادته تؤكد على أنّ الاستخبارات العسكرية رصدت حركة الجيش الإسرائيلي، وقدرت أنها ستدخل الضفة الشرقية، وقد طُلب من قادة الفدائيين الانسحاب من الغور، فالمعركة معركة جيوش، لا مجال فيها للأسلحة الخفيفة، فسحبت المنظمات عناصرها بالفعل ولم يبق إلاّ المقيمون مع عائلاتهم.

دخلت القوات الإسرائيلية من ثلاث جبهات، ولم تحدث مقاومة، ولم تحصل اشتباكات حتى الساعة السابعة صباحاً، واستمرت المعركة من السابعة طوال النهار، حتى أن الدبابات الأردنية كانت تسير على الجنزير، وهو ليس أمراً سهلاً، وكانت حالة فريدة من نوعها، وفي منتصف النهار كان الإسرائيليون قد تكبدوا خسائر فادحة، وعندما طالبوا بوقف إطلاق النار كانت قواتهم لا تزال في الضفة الشرقية. فرفض الحسين وقف إطلاق النار حتى انسحاب آخر جندي إسرائيلي، وبالفعل ظل القصف مستمراً إلى أن تم الانسحاب كاملاً.

يعلق رشيد على المعركة قائلاً: " كانت المعركة كلها للجيش الأردني. وانتصر فيها، ولم تكن هناك أية مشاركة للمنظمات الفدائية، وأنا أعرف ما أقول، لأنها كانت معركة جيوش".

العمل الفدائي وأحداث عام 1970

استهل رشيد عمله في المخابرات بتطوير قسم إسرائيل من خلال دراسة حرب عام الـ67 وبناء قاعدة معلومات وبيانات حول الجيش والمجتمع الإسرائيلي، وهي القاعدة التي يرى رشيد أن المخابرات الأردنية والعربية جميعها كانت تفتقر إليها، وقد تعاون في ذلك مع مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت.

يستهل رشيد حديثه عن أحداث أيلول بانتقاد طبيعة العمل الفدائي الذي كان موجوداً في الأردن إذ يذكر أنه كان يعتمد إعلاماً مبالغاً لعمليات متواضعة وضعيفة، مقابل ردود فعل إسرائيلية قاسية، لا تكافئ العمل الفدائي. ويرى رشيد أن المنظمات الفدائية كانت تخلو من الكفاءات العسكرية المدربة والمؤهلة لقيادة العمل الفدائي، وكذلك تفتقر إلى الكفاءات الإدارية، وقد كانت المظاهر العسكرية الخالية من المحتوى تسيطر على نشاطاتها، وكان "الإعلام الكاذب" وسيلتهم للإعلان عن عمليات فدائية.

في بداية حرب أيلول قدّم مضر بدران استقالته من دائرة المخابرات العامة، وافق عليها الملك وعينه أمينا عاما للديوان، وكان بدران أوصى بتعيين رشيد مديراً عاما لدائرة المخابرات، وبالفعل تولى رشيد رئاسة الدائرة بالوكالة. وقبل تعيينه كانت هناك أحداث متفرقة منها خطف لبعض منتسبي الدائرة، كالعقيد أحمد عبيدات، وهوجم مقر قيادة البادية في منطقة الوحدات، ولم تتحرك القوات المسلحة لنجدة قوات البادية.

شدد رشيد بإجراءات حماية خاصة في دائرة المخابرات، وأنشأ تحصينات دفاعية، تضم مراكز للرشاشات الثقيلة، وكانت الدائرة كباقي دوائر الدولة مخترقة، فقام بإحالة كل الضباط الذين تثبت علاقتهم بالمنظمات الى التقاعد. وكانت الأمور في بداية أيلول تزداد سوءاً، ولم يكن هناك أي وجود حقيقي للدولة، "وكان مرجعنا الوحيد آنذاك هو سمو الأمير حسن بن طلال" ولي العهد ونائب جلالة الملك، أثناء وجود الملك في الخارج، ولم تكن قوات الأمن قادرة على حماية نفسها، وكانت أجواء الفوضى تخيم على الدولة والمجتمع.

كانت ترابط في الأردن قوات عراقية بإشراف قيادات بعثية عليا كحردان التكريتي وصالح مهدي عماش، متعاطفة مع المنظمات، كما حشدت سورية قواتها على الحدود، في المقابل كان موقف الولايات المتحدة وبريطانيا متشابهاً، بحيث ينتظران تطور الأحداث، لمعرفة المنتصر على قاعدة "إياك أن تدعم الخاسر". وأغلقت الأجواء السورية في وجه الطائرات الأردنية، وكان عبد الناصر قد أعطى الفدائيين مهلة قصيرة لإنهاء المعركة.

يرى رشيد أنّ المنظمات الفدائية حسمت موقفها في تغيير النظام قبل أيلول، وسيطرت المنظمات سيطرة كاملة على عمان وعلى مقار الوزارات، وعلى جميع المؤسسات الحكومية في المحافظات، وعلى الطرق الرئيسة، وأعلنت  يوم 17 أيلول إضراباً عاما مفتوحا، وعاد معظم الأردنيين إلى قراهم، ونشطت فتح في شراء المؤيدين ترغيبا وترهيبا ومنهم بعض المسؤولين الكبار، وقد عرض نذير رشيد هذا الوضع السيئ على الملك، ووضعه في الصورة، فشكل الملك حكومة عسكرية من العميد محمد داوود، بالتشاور مع وصفي التل وحابس المجالي، وأمر بتصويب الأوضاع، فدخلت القوات المسلحة المدن لتطرد المنظمات، وتوترت الأوضاع للغاية مع دخول القوات السورية إلى شمال الأردن، وفرار ثلاثة آلاف جندي يقيادة سعد صايل إلى سورية للانضمام إلى المنظمات الفدائية.

قدم محمد داوود استقالته في القاهرة، أثناء اجتماع مصالحة مع المنظمات الفدائية في القاهرة، بعد أن هددته ابنته الوحيدة بالتبرؤ منه، فقام وصفي التل بتشكيل الحكومة الجديدة وقيادة الدفة، وكان من أبرز أعضاء الحكومة الرائد عدنان أبو عودة، من دائرة المخابرات العامة، وكان يشغل فيها منصب وزير إعلام. ويثني رشيد على كفاءته وإخلاصه، ما لفت إليه الملك حسين في تلك الأحداث.

يقدم رشيد تلخيصاً لأحداث أيلول وللوساطة العربية التي كانت تقوم على قاعدة (تبويس اللحى) من دون وجود محاولة جادة لحل المشكلات من جذورها، ويرصد موقف الجوار والدول الكبرى، مؤكداً على قضية رئيسة وهي أن الحل العسكري والأمني هو الذي حسم المعركة، مع أنها في بداياتها كانت تميل لصالح المنظمات الفدائية، وقد شارك رشيد في الأحداث بصورة مباشرة ورئيسة. وقام أثناء عمله في الدائرة بإحباط عملية أبو داوود وإلقاء القبض عليه.

إلى العمل السياسي

بعد أن رفض رشيد مشاركة محمد رسول الكيلاني في التحقيق في "قضية أبو داوود" في ليلة يصفها رشيد بالعاصفة في منزل الأمير الحسن، وكان ذلك، كما يوحي رشيد، من أسباب نقله من دائرة المخابرات إلى وزارة الخارجية مع ترفيعه إلى رتبة فريق. عمل رشيد سفيراً في المغرب، ثم عاد لمزاولة العمل الخاص في الأردن، إلى أن عين عضواً في مجلس الأعيان لثلاث دورات متتالية، ثم وزيراً للداخلية حيث أشرف على الانتخابات النيابية عام 1997، إلى أن توفى الملك حسين، فحكم رشيد على أن حياته السياسية قد وصلت إلى نهايتها، وأنه بصدد التقاعد وانتظر إلى أن انتهت مدة المجلس في بداية عهد الملك عبدالله الثاني.

يقدم رشيد في مذكراته بعض المعلومات الشخصية عن أسرته وهوايته التي رافقته طوال الدرب "الفروسية" ورياضة البولو. وقبل أن ينهي حديثه يقدم رؤيته كأحد أفراد "الحرس القديم" الذين لعبوا دوراً كبيرا في مسيرة الأردن السياسية، تاركاً اللواء لجيل جديد. ويرى رشيد أن التحدي الرئيس أمام الدولة هو "الأمن" فالأمن هو محك الرخاء والطمأنينة والازدهار وغيابه آفة الآفات. وبقراءة بأثر رجعي لمسيرة رشيد لا غرابة أن يضع الأمن في مقدمة التحديات والأولويات في سياق منطقة عاصفة وخطيرة. ومع حديثه عن الديمقراطية والمرأة والتعليم إلاّ أنه يعلن بوضوح أن الفساد أصبح يزكم الأنوف وأن أخوف ما يخاف على الأردن مستقبلاً هو "الفساد".

 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)