نظمتها العربية لحماية الطبيعة برعاية "عمان نت" في "ترسانطة"
محمد جميل خضر
عمان- مواصِلةً ما اجترحته من مغايرة فنية، احيت فرقة موسيقية غنائية مكونة من سبعة شباب (خمسة عازفين ومغنيتي سولو) مساء اول من امس على مسرح كلية تراسنطة امسية طرب وأصالة وانتصار للمعنى نظمتها العربية لحماية الطبيعة ورعتها اذاعة عمان نت.
وكما في امسيات سابقة لهم في محترف رمال ومقهى جفرا واماكن اخرى, احتشد لبرنامج اغنياتهم اول من امس جمهور غير قليل بلغ زهاء 400 شخص، شكّل الشباب الشريحة الأكبر بينهم, وتفاعلوا مع اسلوبيتهم ورؤيتهم الفنية القائمة على اعادة الاعتبار للموروث الغنائي العربي وفق نسق تناغمي مع بعض مخرجات الموسيقى الغربية, بتركيز على اغنيات زياد رحباني الذي اخذت الامسية عنوانها من احدى اغنياته "شو هالايام" وعلى آخرين يلتقون جميعهم تحت مظلة الاختلاف: سيد درويش, مارسيل خليفة, محمد منير, فيروز والرحابنة، الشيخ امام وفرقة بلدنا.
وقدمت الفرقة المكونة من: طارق الجندي (بزق وعود), معن السيد (طار ورق), بهاء عثمان (الكتريك جيتار), علاء ابراهيم (بيس جيتار), ايهاب ابو حماد (جيتار وعود), ايناس محمد وغيداء حمودة (غناء), 13 اغنية تجولوا خلالها بين مصر ولبنان وفلسطين والتراث الغنائي الشامي عموماً.
وبمقام عجم الصول استهلت الفرقة التي ما تزال بلا اسم، حفلها بصوتي ايناس وغيداء لأغنية سيد درويش "زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة", وعبر دخول لافت لجيتار بهاء الالكتروني دخلت الصبيتان اجواء الاغنية متصاحبات مع عزف الشباب على بقية الآلات. وشكلت اغنية الاستهلال خياراً مدروساً للفرقة ومؤشراً على نوعية الفن الذي ينحازون له ويسعون لتأسيس وعي موسيقي جديد في التعامل مع مفرداته, وعبر التناغم بين صوت ايناس الحالم والصاعد بخجل من بين صدى الآلات وصوت غيداء المحمل بطاقة دفء واستيعاب واعدة, وصلت الاغنية اعالي التأثير الوجداني "يا خوفي للعزول يدرى/ وانا ما احملش دا يجرى/ وحالي انت بي ادرى/ حرام تنسوني بالمرة".
وبمقاطع من قصيدة محمود درويش "احمد العربي" التي لحنها وغناها مارسيل خليفة, اختارت الفرقة احداث تنويع في ايقاع الامسية, والتنقل فيها بين اكثر من مستوى تعبيري وادائي وتفاعلي "انا احمد العربي/ فليأت الحصار/ جسدي هو الاسوار/ فليأت الحصار/ وانا حدود النار/ فليأت الحصار/ وانا احاصركم وانا احاصركم/ وصدري باب كل الناس/ فليأت الحصار". وتصاحبت اصوات الشباب وتجاور عزفهم في القصيدة التي قدمت فيها ايناس جزءاً غنائياً منفرداً.
وفي عودة للتراث المصري قدموا اغنية محمد منير "الكون كله بدور" التي دخلوا اجواءها بعزف ايهاب على الجيتار الكلاسيكي متصاحبا مع طار معن لإيقاع نوبي قبل ان ينضم الآخرون. واجمالاً جاءت عملية تبديل الآلات: طار او رق معن, عود ابو بزق طارق, غيتار او عود ايهاب, مدروسة, ومستندة الى رؤية توزيع جديدة في موسيقى الاغنية ورغبة في تقديمها بقالب عزف وآلات مختلف.
وبصوتها الفطري قليل المحسنات الادائية وشفّافها، قدمت ايناس اغنية اميمة خليل "عصفور طل من الشباك وقلي يا نونو خبيني عندك خبيني دخلك يا نونو".
وبعودة الى الاغنيات الأكثر حركية لحنية وصعوداً ايقاعياً, غنوا جماعياً "اني اخترتك يا وطني حباً وطواعية/ اني اخترتك يا وطني سراً وعلانية/ اني اخترتك يا وطني فليتنكر لي زمني/ ما دمت ستذكرني/ يا وطني الرائع يا وطني".
ومن تراث الرحابنة غنوا لفيروز "يا بال لا لا لا/ بتريدي تحاكينا او لا/ بتريدي تحاكينا او لا/ يابا لا لا لا/ رح بتردي علينا او لا/ رح بتردي علينا او لا/ يعني ما تحبينا: لا ولا بتحبي ليالينا: لا ولا رح بتردي علينا: لا يابا لا لا لا".
وحققت الفرقة التي تشكلت ملامحها وتحددت رؤاها قبل اشهر قليلة, تصاعداً لحنياً وتسارعاً ادائياً لافتاً في الاغنية القادمة من مقام نهوند الدو.
ومن دخول عبر غيتار بهاء قدموا المقدمة الموسيقية لمسرحية "ميس الريم" من تراث الرحابنة وفيروز, وظهرت في المقطوعة التي تألقت خلالها مختلف الآلات، اصوات آلات غير موجودة بشكل حي مثل صوت كمان وآلة نفخ نحاسية, ووصلت الموسيقى ذروتها في المقطوعة العائدة الى مقام نهوند الري.
ومن مقام عجم السي بي مول غنوا للشيخ امام "البحر بيضحك" التي بدأت مع بزق طارق, وتناوب طارق وإيهاب ومعن والصبايا مقاطع الاغنية العابقة بالطرب والبهاء والمعنى "ياما ملّينا وملّينا/ لغيرنا وعطشنا سقينا/ صابرين وبحر ما يروينا/ شايلين بدل القُلّة قُللْ/ البحر بيضحك ليه وانا نازله ادلع املا القلل".
ومن مقام حجاز الري, وبمدخل بزق طارق, وباستعادة للحن "هالاسمر اللون" التراثي, غنت غيداء (سولو) اغنية فرقة بلدنا "عمي يا ابو الفانوس", في واحدة من اكثر اغنيات الامسية رقة واحاسيس وجدانية منسابة مثل جدول من البهاء والندى "عمي يا ابو الفانوس/ نورلي هالعتمة/ خوفي طريقي يطول عيني/ ويطول معك همي" وفيها حدب على القمر والصبية العابرة درب الهوى، وصورة العائد من الاحزان والبلاد البعيدة. وعبر نقلة موسيقية مدروسة, سرّعَ العازفون ايقاع الاغنية وختموها بإيقاع اسباني سريع (لف).
وتفاعل الجمهور كثيراً مع اغنيات زياد رحباني للامسية عموماً, ومع أغنية "شو هالايام" على وجه الخصوص, وبعد عزف جماعي دخلت الفرقة اجواء الاغنية "شو هالايام اللي وصلنالا/ قال انه غني عم يعطي فقير/ انه المصاري قشطت لحالا/ عاهيدا نتفه وهايدا كتير/ الحلوة دي/ الحلوة دي تعجن بالفجرية".
وشكّلت اغنية "بلا ولا شي" ألحان زياد الرحباني وغناء سامي حواط, اضاءة مفارقة في برنامج حفل اول من امس, فيما قدمته الفرقة خلالها من جرأة على مستوى العزف وتقديم اقتراحات لافتة في مساحة التناغم بين الآلات فيها او فيما تبناه بهاء على غيتاره الالكتروني وطارق على عوده من ارتجالات وتنويعات على موسيقى الاغنية الاصلية.
وعلى صعيد المعنى حملت الاغنية نفساً انسانياً شفيفاً, انتصر خلاله الفن للناس الهامشيين والمستظلين (بفيّة) الشوارع والارصفة فهي المكان المتاح لهم الذي لا يزاحمهم عليه اصحاب المال والنفوذ والمنقادون للقيم الاستهلاكية السائدة "تع نقعد في هالفيه/ مش لحدا هالفية/ بلا ولا شي/ بحبك بلا ولا شي".
ومن ألحان زياد رحباني وشربل روحانا, قدموا من مقام نهوند الدو "لشو التغيير" التي بدأت بعزف جماعي وتناوب معظم اعضاء الفرقة غناء مقاطعها "يلي عم تحلم ليلية/ وبأي فرشة كنت/ بشي صبية هيفاوية/ تتنسى وينك انت/ هني الصبايا زاتن/ حتى البوسات زاتن/ وبما انو هنه زاتن/ لشو التغيير".
وختموا بالقصيدة الطالعة من زنود الفلاحين المنكبين على سمرة ارضهم، والمتناغمة مع ناموس الكون "قسما بالورد والسنابل/ قسماً بالحب والربيع/ سنقاتل كلنا نقاتل/ ليسود الحب والسلام", دخلها طارق على البزق وغنتها ايناس وغيداء بمرافقة اصوات باقي الفرقة وآلاتهم.