قراءة في دراسة معهد واشنطن
علي حسين باكير
أصدر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى - وهو معهد يشتهر بصلاته القوّية بإسرائيل وبانحيازه الحاد لها من خلال تمويل المستوطنات والتزامه بدعم أجندتها في المنطقة- تقريراً في نوفمبر من العام 2006 بعنوان "مواجهة الإسلاميين في صناديق الاقتراع: إستراتيجيات بديلة".
يتألف التقرير الذي حرّره (ديفيد شينكر) ويحمل الرقم (61) من (24) صفحة تتناول في مجملها تحديداً لمعالم السياسة المطلوبة لهزيمة الإسلاميين في صناديق الاقتراع كإحدى الإستراتيجيات البديلة التي يجب أن تكون جاهزة عند المواجهة.
يحاول التقرير الإجابة عن سؤال جوهري مفاده: "هل من الممكن للولايات المتّحدة أن تدعم الديمقراطية في البلدان العربية، وتمنع الإسلاميين في نفس الوقت من الفوز؟" ويعرض التقرير لآراء ثلاثة خبراء في هذا المجال؛ إذ يقوم كل منهم بطرح وجهة نظره والسياسات التي يجب اتّباعها في هذا المجال التي يرى أنّها توصل الولايات المتّحدة إلى الهدف المنشود في إطار الإجابة عن السؤال الكبير السابق.
اسونر كاجابتاي: الإسلاميون المعتدلون ليسوا حلفاء!
يرى (كاجباتاي) أن الجهد الأساسي يجب أن يتركّز على ثلاث نقاط أساسية لهزيمة الإسلاميين في صناديق الاقتراع في العالم العربي على أن تتمحور حول:
1- إيجاد الحلفاء الحقيقيين - وهم كما يشدّد- " المسلمين غير الإسلاميين". يشرح (كاجبتاي) ذلك فيقول: يرى الكثيرون أن الصراع الحالي يأخذ شكل المواجهة بين الغرب والإسلام، لكنّ الحقيقة أن هناك صراعاً أكبر، وربما أهم من ذلك، وهو الصراع بين "المسلمين غير الإسلاميين" و"المسلمين الإسلاميين". لكن كوننا نتّخذ "المسلمين غير الإسلاميين" حلفاء لا يعني عدم مخاطبة "المسلمين الإسلاميين" والتحاور معهم. إنّه من الجيد دائماً التحدّث مع هؤلاء، وذلك لكي نستثمر الانقسامات الموجودة لديهم. باستطاعتنا أن نوجد بينهم هوة أكبر عندما نتعرف عليهم بشكل أفضل من خلال الحوار.
البعض يتساءل: "ماذا عن الإسلاميين المعتدلين؟" أنا أقول: لنفترض جدلاً أن الناس تنقسم في العالم الإسلامي بين هؤلاء الملتزمين بالإسلام وبين هؤلاء الذين لا يمارسون شعائرهم. عندما تقول لهؤلاء المعتدلين الذين يمارسون "أنت إسلامي معتدل، تعال واعمل معنا"، فسيشعر هؤلاء بإهانة كبيرة؛ لأنّك تقول لهم إنّهم يمارسون نفاقاً أو نسخة معدّلة من الإيمان، وبذلك سنخسر هذا المعسكر. في المقابل فإنّ الفئات الأخرى ستشعر بالإهانة؛ لأنها عندما تسمع أن حلفاء أميركا هم الإسلاميون المعتدلون ستقول: حسناً، أميركا تخلت عنّا لصالح الإسلاميين". يمكننا التحدث إلى الإسلاميين بهدف إحداث شروخات بينهم، لكن ليس الانخراط معهم أو تقديم الدعم لهم؛ لأنهم ليسوا حلفاءنا.
2- دعم الحلفاء من خلال دراسة ما يفعله الإسلاميون بالضبط، وتطبيقه بشكل أفضل بكثير منهم. تمويل المشاريع كالتي يمولها الإسلاميون لكن بشكل أفضل منهم. فإذا كانوا على سبيل المثال يدعمون أحزاباً سياسية، ويدعمون وسائل إعلام ومدارس مجانية وتعليماً مجانياً ومؤسسات خيرية وأهلية، فعلينا أن نفعل ما يفعلونه وبشكل أفضل بكثير منهم وبتمويل أكبر. هذه هي الطريقة الوحيدة لهزيمتهم، وهذه ليست معركة الضعفاء. هذه ليست معركة بضع مئات الملايين من الدولارات، هذه ليست معركة من يقول:"إننا سننجز كل ذلك خلال سنتين". هذه معركة النفس الطويل التي تتطلب استثمارات مالية هائلة وضخمة، ودراسة دقيقة ومكثّفة لطريقة عمل الإسلاميين؛ فقد استطاعوا كسب الكثير من القلوب والعقول في هذا الصراع.
3- جَعْل الإسلاميين يتحملون ثمن كونهم إسلاميين. "يجب أن يكون هناك ثمن لكون فريق ما أو حزب ما "إسلامياً" في العالم الإسلامي عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين أميركا وهذا الجزء من العالم". حتى الآن ليس هناك أي تكلفة لكون هؤلاء إسلاميين. أعتقد أنّ هناك الكثير الكثير من الطرق لإيجاد ثمن لذلك. لماذا –مثلاً- لا نمنع هجرة الإسلاميين من الشرق الأوسط والدول الإسلامية إلى أميركا كإحدى الطرق على سبيل المثال؟ إنه أمر مقبول تماماً. لماذا تُعطى منافع الهجرة إلى أميركا للإسلاميين؟ لماذا نأتي بهم إلى هنا؟ ما المنفعة؟ أعتقد أنه يجب علينا أن نشعرهم أن هناك ثمناً للاستفادة من المنافع.
على أن يتم مواكبة هذه العناصر الثلاثة السابقة بعنصر رابع داخل الولايات المتّحدة، يتمثّل في استنفار كافة المقدرات لتحقيق هذا الغرض؛ فالأمر لا يمكن أن يتم إنجازه بوساطة بضع مئات الملايين من الدولارات. يجب استنفار كافة المؤسسات الضخمة التي تساعد على دعم هذا المشروع من المغرب إلى باكستان للتأكد من عدم سيطرة الإسلاميين على صناديق الاقتراع.
يقول (كاجابتاي) متسائلاً: " كم هو عدد الذين يتحدثون العربية، الأوردو، البشتون، الفارسية لدينا في الأجهزة؟". نحن بحاجة إلى مجهود وعدد هائل، ليس بضع مئات أو آلاف، بل إلى عشرات الآلاف في المدى القصير، ومئات الآلاف في المدى البعيد، وذلك لكي يكونوا جاهزين وعلى أهبة الاستعداد عند إنشائنا للإدارات والوزارات المتخصصة. سيكون لدينا أناس مؤهلون ومدربون بشكل جيد ولديهم خبرات، وقد أمضوا بعض الوقت في المنطقة، وبالتالي يستطيعون التعامل مع هذه المسائل. الأمر أشبه بما كنّا قد شهدناه في بداية الحرب الباردة.
اف. جريجوري جوز: علينا أن نضع الديمقراطية خلفنا!
يقترح (جريجوري جوز) في مداخلته أن تكون الإستراتيجية البديلة هي "إيقاف تشجيع صناديق الاقتراع من الأساس"، و يوضّح ذلك بقوله
"يعني أن نوقف تشجيع الديمقراطية في العالم العربي بالأخص، والذي يشكل جزءاً من الشرق الأوسط الذي أعرفه تماماً".
ويركّز (جريجوري) في مداخلته هذه على ضرورة أن يعرف صنّاع القرار:
1- أن لا دليل بتاتاً على العلاقة بين طبيعة أو نوع النظام السياسي في بلد ما وحجم الإرهاب الذي يصدر عنه أو المتعلق به. الاعتقاد الشائع هو أن دعم مفهوم الديمقراطية سيساعد على حفظ الأمن القومي للولايات المتّحدة؛ إذ قامت الإدارة بتطبيق هذا المبدأ على أساس أنّه "كلما حصلنا على ديمقراطية أكثر قلّ الإرهاب المعادي للولايات المتّحدة". هذه قصّة جميلة، ولكنها ليست الحقيقة؛ إذ إنّه ووفقاً لأدبيات علم الاجتماع فإنه لا علاقة بين طبيعة النظام السياسي والإرهاب، بل على العكس فإنه إذا راجعنا الأرقام والإحصاءات والتقارير حول التوزيع الجغرافي للأنشطة الإرهابية في الثمانينيات فسنجد أنها مشكلة مرتبطة بالأنظمة الديمقراطية أكثر من ارتباطها بغيرها. ويعطي (جريجوري) مثالين على ذلك بقوله: إذا نظرنا إلى العمليات التي كانت تتم في السبعينيات التي تمّت كتابة التقارير والإحصائيات الخاصة عنها في الثمانينيات فسنجد أنها تتعلق بحركات مثل: "الألوية الحمراء"، وحركة "الباسك" الانفصالية، و"الجيش الأحمر" الياباني، وهي حركات نشأت داخل دول ديمقراطية، وإذا ما أخذنا تقارير وزارة الخارجية الأميركية حول الإرهاب خلال الفترة
(1999-2004)، فسنرى أن الهند جاءت في مقدمة دول العالم من حيث عدد الأنشطة الإرهابية، وذلك في الوقت الذي تعد فيه الهند واحدة من أقدم وأكبر الديمقراطيات في العالم, في حين أنّ عدد العمليات الإرهابية التي شهدتها الصين – غير الديموقراطية- لم تتجاوز 10% من إجمالي عدد العمليات التي شهدتها الهند. وهذا ما يؤكّد وجهة نظرنا من أنّه لا علاقة بين طبيعة النظام السياسي والإرهاب, ومن أنّ دعمنا للديموقراطية سيخفف منه.
2- إن الإسلاميين سينتصرون إذا كان هناك انتخابات ديمقراطية. يتحدّث (جريجوري) في هذه النقطة فيقول: أنا لا أقول إنّ العرب أو الإسلاميين لا يمكنهم أن يكونوا ديموقراطيين – مع أني أرى أن الإسلاميين لا يمكنهم أن يكونوا ديمقراطيين ليبراليين- لكن ما أقوله إنّه لا يمكنك (أي الأميركيين) الحديث عن دعم الديمقراطية والحث على تطبيقها. في المقابل تقول إنّه لا يمكننا إجراء انتخابات، أو إنه لن يمكن إجراء هذه الانتخابات خلال (20) سنة، أو إنّك لن تجري هذه الانتخابات إلى حين يصبح العرب ليبراليين تماماً. هؤلاء الناس ليسوا أغبياء، بإمكانهم اشتمام النفاق في هذه المسألة. الحديث عن الديمقراطية وعدم الحديث عن الانتخابات، تشجيع الديمقراطية وعدم تشجيع الانتخابات، هو قمّة النفاق. سيعرفون أن هذا نفاق كبير. وإذا كنّا سنتحدّث عن الديمقراطية فسيكون علينا التحدّث عن الانتخابات، وإذا كنّا سنتحدّث عن الانتخابات فإنّ الإسلاميين سينتصرون فيها ويربحونها.
أعتقد أنّ الإسلاميين -ربما- سيمارسون الحكم بطريقة أفضل وأنزه وأكثر مسؤولية مما تفعله الأنظمة العربية السلطوية الموجودة حالياً. أقول ربما، ولست متأكداً؛ لأنه لا يوجد شواهد كثيرة على ذلك، لكن بالمقابل. فإنّ أهداف السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة لن تعجبهم بالتأكيد. أعتقد أنّه علينا أن نضع الآن هذه المسألة –أي نشر الديمقراطية- خلفنا بانتظار التحولات التي ستحصل، وبعدها نرى أن بالإمكان الحديث عنها من جديد.
منى مكرم عبيد: الإسلاميون شرٌ لا بدّ منه
تبدأ "منى عبيد" حديثها بالتأكيد على أنها تحمل وجهة نظر مختلفة عمّا طرحه المتحدّثان السابقان. ثمّ تنتقل بعد ذلك إلى عرض تصوّرها للانتخابات المصرية التي حصلت سابقاً بشكل مطوّل وعميق لتصل إلى فكرة مفادها أن الإسلاميين ينتصرون في الانتخابات لأنه لا بديل مقبول لهم ولا منافس حقيقياً. تقول عبيد: إن معالجة مسألة انتصار الإسلاميين في صناديق الاقتراع تعدّ مشكلة كبيرة للنظام الحاكم، لا يمكن اقتلاع الإسلاميين؛ فهذا غير ممكن ومستحيل، وفي المقابل فإن إتاحة المجال أمامهم للمشاركة لن يكون بدون مخاطر. إنّه شر لا بدّ منه، خاصّة أن فرصة منافسة الأحزاب غير الإسلامية الجديدة الموجودة على الساحة لدور الإسلاميين بشكل جدّي وفعّال في المستقبل القريب يساوي صفراً.
من هذا المنطلق –تقول عبيد- أعتقد أن سياسة الانخراط والمشاركة مع الأجنحة الإصلاحية للحركات الإسلامية يوفّر فرصة ذهبية لغير الإسلاميين لنسج أشكال وأنواع جديدة من التحالفات مع الإصلاحيين في الأنظمة الحاكمة والتيارات الإسلامية المعتدلة، على أمل تطوير وبلورة توافق وطني في ظل مجتمع مستقطب و يشعر بالمرارة.
كاتب وباحث أردني بالشؤون الاستراتيجية، مقيم في بيروت