ما بعد الحداثة والليبرالية العربية الجديدة
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
انسداد الآفاق بالوعود الأفضل
مهند مبيضين
يقول هورست أفهيلد في كتابه اقتصاد يفيض فقرا: "يسير بنا المنهج الإصلاحي المهيمن الذي يتغنى بمنظمة التجارة العالمية والداعي إلى تقليص مدفوعات الرعاية الاجتماعية وخفض الضرائب والإنفاق الحكومي وخفض الأجور صوب الكارثة بخطى حثيثة فعلا". هذا الحديث يأتي في سياق الجدل حول الجدوى من مقولات كبرى مثل ما بعد الحداثة والليبرالية الجديدة وما جرته على الشعوب من خيرات او نكبات.
عقدت الاسبوع المنصرم في عمان ندوة نظمتها الاكاديمية اللاتينية والمعهد الملكي للدراسات الدنيية في عمان، حضرها مفكرون كبار امثال "ألن تورين" ومحمد اركون وعزيز العظمة، وغيرهم. كان حديث "تورن" الذي يعد ابرز دارسي حقبة ما بعد الحداثة، ناقدا لوعودها بحياة افضل، وهذا النقد مارسه ديفيد هارفي في كتابه "حالة ما بعد الحداثة" الذي صدّرته المنظمة العربية للترجمة.
ليس المجال هنا للحديث عن تلك الندوة القيمة التي للأسف غاب عنها الاكاديميون والمثقفون الاردنيون، رغم ان الدعوات وجهت لهم بحسب ادارة المعهد، لكن الجدل حول ما بعد الحداثة يتصاعد في ظل جدل آخر حول الليبرالية الجديدة ووعودها الكبرى. فحسب ديفد هارفي والن تورين مزقت ما بعد الحداثة التفاؤل بحياة افضل وجاءت بجيوش جرارة لتغتال هدوء ليل المدن. في حين مضت الليبرالية الجديدة للتبشير بزمن اقتصادي مفتوح وبضاعة رخيصة وارباح سريعة. لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
يكتب المصري مدحت محفوظ ابرز المدافعين عن فكرة الليبرالية الجديدة في مصر أن "الحل بدولة يقودها جمال مبارك في المستقبل لا يعد كافيا لإحلال النموذج الليبرالي، بقدر ما تحتاج الحالة المصرية إلى إلغاء نظام التعليم المجاني وتحرير الاقتصاد وإلغاء الضرائب وفتح الأسواق"، من يزور مصر ويمضي في الطريق الدائري من المطار للقاهرة ويراقب حملات البناء والمشاريع الكبرى يظن أن البلد تمضي نحو تحول اقتصادي بل ثورة في عالم التنمية، ومن يدلف لشوارع القاهرة الإقبال المتزايد على متاجر جماعة التوحيد الإسلامية المنتشرة بكثرة - وهي تمثل النقيض لاستثمارات الاقتصاد المفتوح- يجد أنها لا تجني أرباحا بشكل كبير وحسب، بل أن المواطن المصري يجدها مهمة لتلبية احتياجاته، وهي تجربة ناجحة لم تكن بحاجة لمخططين واستشاريين وخبراء اقتصاد دولي.
تفيد تاريخانية الليبرالية المحدثة عالميا أنه وفي التاسع من نوفمبر عام 1989 انهار جدار برلين بالكامل ولم يكن هناك مؤشر يوحي بالحدث، ومنذ ذاك الحين انقلب الأمر رأسا على عقب؛ فالاقتراحات التي بدت معقولة وسليمة في الزمن السابق على انهيار الجدار، أمست ضلالا بيناً، وخطأً جلياً بعد انهيار الجدار، وما كان ضلالاً وخطأً جلياً في الزمن السابق على انهيار الجدار، أمسى معقولاً وسليماً بعد ذاك الحدث العظيم، ومنذ ذاك، أضحت الليبرالية الجديدة تصول وتجول زاعمة أن الانفتاح الاقتصادي هو أفضل الخيارات المتاحة للشعوب.
بدأت الليبرالية العربية كتيار فكري مبكرا مع رواد كبار أمثال طه حسين واحمد لطفي السيد، لكن تلك الليبرالية لم تترك أثارها أو لم يتح لها الفرصة، لقد جاءت الثورات والانقلابات العربية والحروب لتمزق ذاك التفاؤل الكبير الذي كان ممكن أن يضعنا على الطريق، ليستفيق العرب في عام 1990 على دخول غير شرعي للعراق في الكويت، وما تلاه من تصدع للخارطة لسياسية العربية. ولكن المهم ليس هذا الحدث، وليس فيه شيئا يمكن أن يؤرخ لليبرالية العربية الجديدة، التي يمكن القول أن انطلاقاتها كانت عقبه مباشرة، لقد لحقت به.
أطل الليبراليون الجدد عربيا بعد بقايا لوحة زلزال حرب الخليج الثانية غير الموفقة. ودبجوا مقالات المديح في اقتصاد السوق، والعولمة، والنظام الدولي الجديد، بشروا بالحلول الكبرى وسياحة الشرق الأوسط الكبير.
ثم جاء التقاء العرب مع اليهود من اجل مصالحة تاريخية في مدريد، برعاية أميركية وروسية وأوربية، وتلا مدريد اتفاقا "أوسلو" و"وادي عربة"، ودعاوى "الشراكة الإقليمية" في ظل نظام "الشرق الأوسط" على نحو ما عبرت عن نفسها في "مؤتمرات التنمية" لدول "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي عقدت في الدار البيضاء وعمان والقاهرة وغيرها.
كان ذلك الزمن هو ربيع الليبرالية الجديدة، الكل يحلم بربح سريع، وجني ثمار السلام، وبناء فنادق ومنتجعات. وبدا الظرف مدعاة لرواج أفكار الليبراليين الجدد عربيا، ممن زوقوا للنظم السياسية ضرورة الإسراع في الإصلاح وتحرير الاقتصاد، وهو ما انتهى إلى نتائج وخيمة بعد نحوا عقد ونصف على انطلاق عملية السلام في مدريد، فلم يعد لدى المرء سوى سوء الأمل في أن يكون ثمة متسع من الوقت للعودة بالواقع الذي كان سائدا والحيلولة دون سوء العاقبة، فالمجتمع العربي صار ينظر إلى أن وعود الليبرالية الجديدة بأنها مزقت الأمل، وصارت تسلبه كل أمنياته في غد أفضل.
بالرغم من الواقع المأزوم لليبراليين الجدد في الوطن العربي، إلا أنهم متمسكون بمقولاتهم، ومبادئ آدم سميث مؤسس الفكرة الليبرالية، وكانت تهدف أساسا إلى استثمار رأس المال بأكبر ربح ممكن، وان يحاول كل مواطن استثمار أمواله في اقرب مكان من موطن سكنه.
روج الليبراليون لهذه الفكرة في محاولة لجني ثمار الربح الاقتصادي، تحولت دمشق أو في طريقها لأن تكون مطعما كبيرا، وأبيدت رموز المدن التراثية او انها اجرت، بيد أن التنمية للإنسان لم تتحقق.
ثمة فراغ يتشكل إذن، هذا الفراغ يملأه المواطن الذي خابت آماله، وثمة رفض داخلي ينمو خلف كل إعلان تدعو فيه الهيئات والصناديق الممولة من عوائد الخصخصة المواطن العربي للحد من الإنجاب بحجة المستقبل الأفضل للأبناء. يحدث هذا في الوقت الذي كرس فيه الليبراليون العرب ضرورة تعميق مفهوم "تعليم النخبة" والبقية عليها أن تذهب إلى الشارع.
ليس كل الليبراليين العرب في فسطاط واحد، فثمة من أمسك بعروتها بشرف ووطنية، ودافع عن مشروعه الليبرالي بشجاعة مصطفاً مع شعبه وقواه الديمقراطية الوطنية. بل إن مساوئ الفكرة أتت من زمرة الليبراليين التي لم ترث من تراث الليبرالية العربية إلا اسمها. هم من بشر بطريق وردي لاقتصاد حر ونعم لا تحصى من جني الأرباح.
تغنى الليبراليون الجدد في منظمة التجارة العالمة وفوائد تحرير التجارة واتفاقية الجات، وفوائد الدخول في إصلاح هيكلي للاقتصاد العرب عماده الخصخصة، غير أن ذلك الاقتصاد لم يفض إلا إلى المزيد من الفقر.
ختاما آلت خطط ودعوات الليبرالية العربية إلى حبر على ورق، لم يحدث شيء، تعاظم الفارق الطبقي، تحول المواطن إلى زبون، فقد الفرد الرغبة في الخلق والابتكار، وعجزت الحكومات عن إدارة أموالها، تضخمت الأسعار، تتحمل الدول نفقات هائلة جراء سياسات جذب الاستثمار، تفوح رائحة الفقر بشدة في أحياء الدار البيضاء والقاهرة ودمشق، وانسداد الأفاق هو العنوان.
استاذ التاريخ والحضارة في جامعة فيلادلفيا
mohannad974@yahoo.com