سامح محاريق
برغم أن علم المستقبليات نشأ في بيئة غامضة على ضفاف علم الاحتمالات، وقريبا من هوس الانشغال بمؤلفات الخيال العلمي، إلا أنه استطاع أن يجد مكانته بعد بضعة عقود من نشأته وبخاصة في الوقت الذي يعول عليه فيه للفصل بين الواقعي والافتراضي في مستقبل الإنسانية بعد تفشي ظاهرة يمكن توصيفها بالاستلاب للتقنية الحديثة (الاغتراب في التقنية الحديثة)، وبعد أن كان المستقبل مرتعا خصبا للمنجمين والشعراء والمبشرين، وغيبا للمتدينين وأساطير مثل هرمجدون والألفية، يصبح المستقبل الآن مجالا معرفيا للمخططين الإستراتيجيين والإقتصاديين والاجتماعيين المنشغلين على التنبؤ باتجاهات الحياة الإنسانية وتحليل السلوك الإنساني نتيجة تسارع المعطيات التقنية والبيئية المختلفة.
إن رؤية المستقبل اختلفت بين الحضارات، كما أن القدرة على التعامل معه تتباين باختلاف الظروف التي يعايشها المجتمع ومدى ايجابية أو سلبية الثقافة السائدة فيه. إلا أن الحضارة العربية تتسم بطبيعتها بموقف سلبي تجاه المستقبل الذي ترى لأسباب دينية صرفة أن محطاته محددة بموجب نصوص، علما أن معظم النصوص الدينية التي تعلقت بالمستقبل ترجع في أصولها إلى موجات "الإسرائيليات المختلفة" التي تسربت إلى الموروث الديني الإسلامي من النبوءات التوراتية، كما أن محاولة استقراء المستقبل تعد ضربا في الغيب في الثقافة الشعبية، وبالتالي يستعد العرب للخروج من المستقبل على غرار خروجهم غير المبرر من التاريخ!
وحتى التيارات المنفتحة التي استطاعت أن تطلع على المنجز في علم المستقبليات بخاصة في جانبه السياسي (كعادة العرب بالاهتمام بالسياسة دون التعرف على البنى الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية المؤسسة للفعل السياسي) الذي ظهر في أعمال زبغنيو برجينسكي وصموئيل هنتنغتون وفرنسيس فوكوياما، فإنها تعاملت مع المنجز في هذه المساحة كما يتعامل الأطفال مع الخرز الملون، ولم تستطع أن تقدم طروحات مقابلة تتسم بالندية، بخاصة في نقاط التقاطع الاستراتيجية التي يفترض بالمفكرين العرب أنهم يمتلكون خلفية معرفية أوسع حيالها.
ما يمكن تسميته بالتبصر الاستراتيجي لم يعد مجرد مغامرة معرفية تتسم بجانب روائي خصب، بل تطور ليصبح أحد الأدوات للتعامل مع قضايا مهمة وبخاصة في جانبها الأخلاقي مثل قضية الاستنساخ، وعلى ما تسجله البشرية من تحفظات عدائية تجاه هذه التقنية إلا أن التجارب ما زالت تتواصل في مختلف أنحاء العالم للمضي قدما بالاستنساخ، ولم يعد العمل في هذا المجال محصورا في الغرب المتقدم بل سجلت آسيا وخاصة كوريا تقدما ملحوظا في هذا السياق، واليوم ونحن على مرمى حجر من تحقيق "البشري الإنساني" الذي يمكن أن يتم بعيدا عن القوانين والأعراف السائدة، والتي ربما تمت بالفعل، فإن علماء المستقبليات منشغلون بالعمل على انجاز تصورات متكاملة للمستقبل في ظل شروط جديدة تمس الإنسان نفسه.
ففي حين يرى البعض أن الإنسانية ستدخل بهذه التجربة عصر السوبرمان الذي بشرت به الفلسفة الألمانية على يد نيتشه وتبنته التجربة النازية، فإن آخرين يرون أن الإنسانية ستغادر جوهرها في ظل تنميط البشر وتشابههم، وفي الحالتين تبقى السلبية والعزوف عن المشاركة في رؤية مستقبلية لهذه الحالة سمة مشتركة بين المفكرين العرب، لم يستطع أن يلفت منها سوى القلائل ومنهم المغربي مهدي المنجرة والمصري مدحت محفوظ، فالأول الذي شغل منصب المدير المساعد لبرنامج اليونسكو للدراسات المستقبلية وترأس الفيدرالية الدولية للدراسات المستقبلية، أنجز العديد من الدراسات حول التغيرات التي أحدثتها التقنية في سلوكيات الإفراد والنشء خاصة، أما الثاني الذي عرف كأحد أكثر الليبراليين الجدد شراسة وتطرفا واشتغل في مجال النقد السينمائي فقد أنجز كتابا مهما في سياق الدراسات المستقبلية تحت عنوان "حضارة ما بعد الإنسان"، وعدا ذلك تواصلت حمى الاستنزاف التاريخي وظلت جاثمة على عقول المفكرين العرب.
علم المستقبليات الذي يمكن تعريفه بعلم التنبؤ بالمستقبل بناء على الظروف السائدة في الحاضر، وفق التعريف الذي اعتمدته جامعة برينستون، أصبح يتجاوز مفهوم الحاضر ومعطياته ليبحر في أقصى احتمالات وإمكانيات الإنسانية، معتمدا على أكثر أدوات علم الاحتمالات تعقيدا، حيث أصبح علماء المستقبليات يعتمدون على أدوات تحليل تمكنهم من رسم مئات السيناريوهات المتعلقة بالمستقبل وبناء استراتيجيات لمواجهة مختلف الاحتمالات التي يتوقع أن تسلكها الإنسانية.
وبالفعل؛ بدأت العديد من الدول انتهاج خطوات عملية بناء على توصيات علماء المستقبليات، كما فعلت النرويج التي خبأت الأرشيف الحيوي للأرض في كبسولة محصنة في القطب المتجمد الشمالي، وعليه يتطور مفهوم المستقبليات ليصبح أيضا العلم المتعلق بالبقاء الإنساني في ظل جميع الشروط التي لا تتجاوز حدود القدرة الإنسانية، وبالتالي تعترف المستقبليات، ضمناً، بوجود قوى فوق إنسانية يمكنها أن تحول المستقبل نفسه إلى مجرد ثقب أسود، ولكن ذلك الثقب المتوقع حدوثه بعد عشرات أو مئات السنين، وربما أقل أو أكثر موجود في العقلية العربية المستسلمة لسيناريو واحد رسمته مجموعة من القصص التراثية التي يبرأ الدين والقرآن من إقرارها.
إن الصراع لم يعد فقط في المستقبل، ولكنه صراع على المستقبل بصورة أو بأخرى، أما التعامل معه باستخفاف فإنه يؤشر على خطر حقيقي وحالة من العمى الحضاري، فالطريق للخروج من المستقبل مفروش بالنوايا الطيبة.
smahariq@gmail.com