إعـــلان ▼

 
إبحث
أغنية الغد  
السبت 31 تموز 2010م
19 شعبان 1431 هـ


Twitter Facebook
تنبيه: يحظر نقل هذا المقال أو إعادة نشره بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة .
العلمانية والإلحاد في السياق الإسلامي
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
 
 
نشر: 19/4/2008 الساعة .GMT+2 ) 23:05 p.m ) 
|  

في خطورة "الخلط المفاهيمي" واقعيا:

 

محمد الخليل

كثيرا ما يتم الخلط في الخطاب الإسلامي المعاصر بين مفهومي العلمانية والإلحاد بحيث يجري استخدام المصطلحين كمترادفين لغويا. فكلمة "علماني" أصبحت تعني في أذهان كثير من الناس"شخص ينكر وجود الخالق" وهو المعنى اللغوي لكلمة "ملحد". ورغم أن هذا الخلط هو أكثر شيوعا في حديث العوام منه لدى النخبة المتعلمة، إلا أنك تجده شائعا أيضا في خطاب كثير من المفكرين الإسلاميين، والذي هو في الأصل مصدر الخلط لدى عموم الناس.

كلمة "علماني" هي المفردة العربية التي اصطلح عليها كمقابل لكلمة "secular" الإنجليزية وهي نعتٌ يُرجعه معجم وبستر الإنكليزي إلى كلمة "saeculum" اللاتينية والتي كانت تعني قديما في تلك اللغة: الجيل، أو العصر، أو العالم. أما استخدام الكلمة في الإنجليزية حديثا فقد توسع ليشمل عدة معان وظلال معان يصنفها قاموس وبستر على النحو التالي:

1. آ) متعلق بالعالم الحاضر، ب) غير ديني(كالموسيقى)، ج) غير شرعي (كالمحاكم)؛

2. غير كهنوتي أو مذهبي(ككاهن لا يتبع مذهبا محددا مثلا)؛

3. آ) يحصل مرة واحدة في قرن أو عصر، ب) موجود أو مستمر عبر قرون أو عصور متعددة، ج) متعلق بمدة زمنية طويلة الأمد غير محددة.

أما كلمة "secularism" التي تقابلها كلمة "علمانية" في العربية والتي يُرجع نفس القاموس استخدامها أول مرة إلى عام1851 فيعرّفها بأنها عدم الاهتمام بـ أو تجاهل أو استبعاد الدين أو الاعتبارات الدينية. القواميس العربية الحديثة لا تسعف كثيرا في تعريف الكلمة وهي تقدم تعريفات مقتضبة مستمدة من التعريفات الأوروبية والأميركية على نحو ما ذكرت أعلاه. فقاموس المنجد في اللغة العربية المعاصرة مثلا لا يزيد عن القول بأن كلمة "علماني" تعني غير ديني[دولة علمانية] أو غير إكليريكي[العلمانيون يساعدون الكهنة]، معرّفا "العلمانية" بأنها مذهب أنصار اللادينية في المؤسسات وسواها.

إن الخلط المقصود وغير المقصود في استخدام مصطلح "العلمانية" له تبعات خطيرة على موقف الإنسان المسلم من علاقة الدين بالدولة وما يترتب على ذلك من نتائج سياسية.

ومما يزيد الأمور سوءا أن كلمة "العلمانية" تحمل في اللغة العربية ما لا تحمله من مضامين في اللغات الأوروبية. إذ إن افتقار اللغة العربية إلى مرادف مميز لكلمة"humanism"  اللاتينية، غير عبارة "الفلسفة الإنسانية" الغامضة، دفع بالكثير من المفكرين العرب النهضويين إلى تحميل بعض المضامين الموجودة في هذه الأخيرة على تعريف "العلمانية" وهو ما لم يحصل في اللغات الأوروبية. إذ بإمكان القارئ أن يلاحظ أن أول استخدام لكلمة "secularism" في الإنجليزية كان في منتصف القرن التاسع عشر وأن ذلك جاء متأخرا بما يزيد عن قرنين بعد رواج فكرة فصل الدين عن الدولة في عصر التنوير. ذلك أن مبدأ فصل الدين عن الدولة هو أحد المبادئ الرئيسية في "الفلسفة الإنسانية". لهذا فإن مصطلح "العلمانية" في السياق العربي أصبح يحمل أكثر مما يحمله في السياق الغربي، ومن هنا تكمن خطورة الخلط والتشويه الحاصل في هذا المفهوم في الخطاب العربي الإسلامي.

إن العلمانية بمعناها الواسع لا تعني الإلحاد، وهي في واقع الأمر ليست عقيدة إيمانية، وإنما مبدأ سياسي تنظيمي ينص على تجاوز الخلافات الدينية والمذهبية بما يكفل للمواطن حقه في الإيمان بأي مُعتقد كان. فالعلمانية ليست مبدأ معاديا للدين بالضرورة، بل على العكس من ذلك نجد أن الدين يزدهر في الأنظمة العلمانية كما هو حاصل في الولايات المتحدة. لكن ازدهار الدين مرتبط أيضا بوجود نظام ديمقراطي يتيح للمجتمع اختيار قيمه العامة والخاصة. إذ يمكن للمجتمع أن يكون علمانيا ومحافظا في آن معا بحيث يحافظ على التعددية الثقافية وحقوق الأقليات والأفراد حتى في ظل غلبة القيم الدينية للأغلبية في الحياة العامة لكن مع الإبقاء على مؤسسات الدولة بعيدة عن التمايزات الدينية والعرقية والحزبية ومفتوحة أمام الجميع.

أما تبني مبدأ العلمانية في ظل غياب تمثيل حر لإرادة الشعب فسيجعل منها قشرة هشة لواقع استبدادي يضطهد الدين كما يضطهد بقية الحريات الإنسانية، وهو ما حصل في ظل النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق. إن الخوف الذي يبديه كثير من المفكرين الإسلاميين من العلمانية هو ناجم عن الفهم الخاطئ لها على أنها نظام معاد للدين، وناجم أيضا في ذات الوقت عن غياب الديمقراطية عن معظم المجتمعات العربية والإسلامية.

إن الذي يفهم العلمانية على هذا النحو الصحيح يرى تقاطعا واضحا بينها وبين الإسلام ذاته، وهو دين قام أيضا على ضمان الحقوق الدينية والثقافية للأقليات الدينية والمذهبية. حتى مفهوم فصل الدين عن الدولة ظهر وإن بشكل بدائي وغير مباشر في سياق الحرب الأهلية(حروب الفتنة) التي شهدتها الدولة الإسلامية الناشئة بين ما عُرف لاحقا بالسنة والشيعة. فعندما احتدم الخلاف بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومنافسه حاكم الشام معاوية بن أبي سفيان كان السؤال أمام فقهاء المسلمين هو هل يؤيدون عليا صاحب المصداقية الدينية الأقوى أم معاوية صاحب المصداقية السياسية الأقوى؟ الغالبية منهم، وهم من عُرفوا لاحقا بأهل السنة، اختاروا معاوية على مبدأ حاكم جائر قوي خيرٌ من حاكم عادل ضعيف، سموّا بالدين عن السياسة وتجنبا للفتنة والحرب.

هذا الاتجاه باعد ما بين السياسة والدين نوعا ما على صعيد الحكم، وهو مبدأ مايزال ساريا في الدول الإسلامية – عدا إيران - ونراه حولنا في عدم اكتراث الشعوب العربية عموما بمدى تديُّن حكامها. أما الفقهاء الذين اختاروا الدين على السياسة فقد شايعوا عليا، ورفضوا فكرة فصل الدين عن الدولة، وهو مبدأ مايزال أيضا ساريا لدى المسلمين الشيعة ليومنا هذا. طبعا مفهوم العلمانية الحديث هو أبعد وأعقد من ذلك، لكن هذا لا ينفي أن هناك بوادر لمبدأ فصل الدين عن الدولة في التجربة الإسلامية أسس لها كثير من كبار الفقهاء المسلمين، وساروا عليها، ورأوا فيها حلا لتجاوز الصراعات السياسية والدينية والمذهبية التي كانت تعصف بالأمة الإسلامية.

معظم الذين يشوهون العلمانية على أنها نوع من الإلحاد والكفر بالإسلام يفعلون ذلك عن غير وعي لحقيقة هذا المبدأ وفائدته، بل وتاريخه، في حكم الأمة الإسلامية وحقن دمائها، ومعظمهم إنما يفعلون ذلك ترديدا لما تشيعه القلة المتطرفة منهم. هذه القلة ترفض مبدأ علمانية الدولة عن فهم خاطئ للدين وغلاوةٍ في المذهب لأنها بالأساس ترفض الاعتراف بحق الآخر في الوجود والعيش الحر، سواء أكان ذلك الآخر إنسان من دين آخر، أو مسلم من مذهب مخالف أو توجّه سياسي مغاير. لقد جر علينا تطرف هؤلاء الويلات عبر العصور وأضاع أرواح وطاقات المسلمين في صراعات لا طائل منها ولا فائدة. وهم اليوم كما عهدناهم، يكفرون ويقتلون باسم الدين، والدين منهم براء.

علينا كمسلمين أن نتدبر في معنى مبدأ العلمانية وندرسها في سياق تاريخنا وتاريخ الشعوب الأخرى، علنا نستفيد منها اليوم في تجاوز المصاعب التي تواجهنا وما أكثر تلك المصاعب. علينا أن نفعل ذلك بفكر منفتح وقلب مؤمن مطمئن بعيدا عن الغلواء والعصبية والتطرف.

باحث وأكاديمي من سورية

 الدخول بريد القراء إتصل بنا
Maintained by dot.jo

جميع حقوق المؤلف والنشر محفوظة لجريدة 2010 © (شروط استخدام الموقع)