"الإسلام فوبيا" مسؤولية من؟
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
زهير توفيق
شكلت الأحداث المتلاحقة من الثورة الإسلامية في إيران إلى طالبان وصعود الإسلام السياسي والجهادي إلى هجوم القاعدة على برجي التجارة في 11 سبتمبر، البرهان التجريبي على مصادرات الانثروبولوجيا الثقافية الاستعمارية الراهنة في الغرب حول طبيعة العرب والمسلمين، وقد حملت تلك المصادرات الصور النمطية، وتجاوزت الحقائق بالخيال الخصب، وشكلت فيما بعد منظومة كاملة غذّت دوائر أكاديمية وشعبية رسمية وغير رسمية، معنية بشؤون الشرق الأوسط، والعرب والمسلمين وتمثل ذلك بالهجوم المضاد اعلاميا وثقافيا بالرسوم والترويج لنظريات الصراع واستعادة روح الانقسام بين الشرق والغرب، وتحول أصحاب هذه المصادرات إلى مستشارين لإبداء الرأي واقتراح الاستراتيجيات الواجب اتباعها لدرء الخطر القادم من الشرق.
وفي المحصلة تحول العربي المسلم من إنسان مسكين إلى مشبوه، ولم يعد التعاطف الغربي مع اللاجئين والمضطهدين ذا قيمة وأولوية؛ بل أصبح ورطة تستحق الاستدراك والمراجعة، وهذا ما حصل في كل دول الغرب، التي أعادت النظر في قوانين الهجرة واللجوء والجنسية والإقامة والزواج، خاصة بعد أن أثبتت الأحداث اللاحقة تورط الكثير من المهاجرين في شبكات أصولية وإرهابية، او انكفاء الكثير منهم في معازل خاصة تعادي الاندماج والحداثة الغربية، وتتنكر لأصول التعايش والتسامح والضيافة.
ولا يعكس العنف البالغ والتنظيم المتماسك لتلك الأصوليات تماسكاً على صعيد المنطق والخطاب، فالعنف الأصولي الأعمى الذي تعولم وضرب هنا وهناك، لا يجد حجيته لا بالإسلام ولا بالعقل، ولا يمتلك أي مسوغ سياسي او أخلاقي لتفسيره بالطرائق والغايات التي يستهدف تحقيقها، ولا يجد معناه وجدواه إلا في أذهان أصحابه، ولا يفسر إلا بالمرجعيات السلفية المطلقة التي لا تقيم وزناً لما هو نسبي ومتغير وتاريخي في الوجود، لا على صعيد الممارسة، ولا على صعيد النظرية، بل هي بسطت خطابها، وتنازلت عن حقوق المنطق في المجتمعات العربية، لتعميمه وتحويله إلى خطاب تعبوي قسم العالم قسمةً مانويةً بين الخير المطلق في الأذهان، والشر المطلق في الأعيان.
ونظراً للاستبداد وغياب التنمية السياسية كمفهوم وممارسة مجتمعية مقصودة بسبب غياب أدواتها وآفاق تحقيقها في المدرسة والجامعة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وإضافة للإحباط واليأس والإفقار وتفكك البنى السياسية القومية واليساروية وتآكل شرعيتها الشعبية، لم تجد الفئات الشعبية والشباب إلا الدين ليتحول إلى عزاء وأيديولوجيا تعبوية بل وثقافة لتجاوز ذاتها وأوضاعها المأساوية والتعلق بمثله المطلقة لتحقيق العدالة المفقودة، وتحولت الصراعات الطبقية والاجتماعية إلى صراعات دينية، وتحولت الآفاق والحلول إلى حلول ميتافيزيقية غذّتها صورة الإسلام المعياري، الذي لا يمت للواقع التاريخي بصلة.
وتحولت معطيات الإسلام المعياري إلى حقائق مطلقة متبنينة (إعادة بنائها من جديد) اختزلت نفسها في ذهن الأصوليين إلى شعارات ونداءات تستحق الشهادة لتحويلها إلى واقع مطابق للمعايير المقدسة، بغض النظر عن المفارقات التاريخية والتحولات النوعية في حياة العرب والمسلمين منذ القرن الأول الهجري وحتى اليوم، ولذلك كان وما يزال الخطاب الأصولي خطاباً إرادياً أخروياً يستهدف إزالة الشر المطلق وتضييق الشريعة بأي ثمن، ورفعت شعاراتها كالرايات، وهي في مجملها شعارات فضفاضة وأحكام عامة وأوهام لا تجد طريقها للتطبيق إلا بإلغاء الواقع نفسه، أما على مستوى الخطاب نفسه الذي لا يحاور إلا ذاته فيعج بالمفارقات والمتناقضات التي تلغم الخطاب من أساسه فهو خطاب خارج العصر لأنه خارج على التاريخ، وليس منه متنكراً للحقائق الدينية والفكرية بين الثقافات والأديان كحقائق نسبية فرضت بالضرورة على أصحابها سياسات التعايش السلمي والاعتراف بالآخر وطورت مفهوم التسامح الذي كان ينطوي على معنى الاستعلاء إلى مفهوم الاحترام المتبادل.
ولذلك فقد استنفرت الأصولية الجهادية الأصوليات الغربية كالمسيحية المتصهينة والفاشية، وكره الأجانب والحركات اليمينية العنصرية التي تدعو لطرد المسلمين وتحويل الغرب إلى قلعة مواجهة مع الآخر لحماية ثقافته وحضارته، وعدم المساومة على القيم الغربية في صراع الحضارات، وانتشار رهاب الإسلام او الإسلام فوبيا في الغرب.
ومن جهة أخرى أثبتت الحركة الأصولية من خلال تحالفاتها وتكتيكاتها أنها حركة انتهازية تتحرك بتجريبية بلا مبادئ مقنعة، او أخلاق متماسكة إنسانية وكلية، فكل شيء مباح عندما يتعلق الأمر بتحقيق أغراضها، ولتبرير ذلك تدور عجلة التأويل والتحليل لمصلحتها، وفي ظروف أخرى توحد نفسها بالإسلام لإكساب خطابها طابع الإسلام نفسه بإقصاء كافة المعاني والتأويلات الأخرى التي ترفع في وجهها شعارات التكفير والإقصاء، وهي قادرة بفعل هذه الآليات والاقيسة على حل كافة المشاكل الدنيوية وتبسيط اعقد القضايا والمعضلات كتفسيرها لقتل المدنيين والأبرياء بالتفسير الذي لا يجد صداه إلا في أحلك وقائع الإسلام التاريخي والصراع المذهبي، وعند فرقة الازارقة الخوارج، وللتدليل على ازدواجيتها الأخلاقية نراها تحتج على أدنى ممارسة خاطئة يقترفها الغرب في حين أنها ارتكبت الجرائم بحق الأبرياء في الشرق والغرب، وأعلنت فيما بعد بلهجة اعتذاريه أن الإسلام دين التسامح والحوار.
وما تزال الأنظمة والمجتمعات العربية في وضع لا تحسد عليه من استفحال الظاهرة الأصولية والسلفية الراديكالية، وتمر بمرحلة انتقام التاريخ بالمعنى الذي قصده الفيلسوف كانت ومفاده ما يلي: "عندما يعم الاستبداد ويمنع الناس من الحرية والمشاركة في العمل العام يعم الفساد ولا يجد الأمير إلا القوى الرجعية لملء هذا الفراغ". ويأتي اليوم الذي تنقلب فيه العلاقة بين الأمير والحليف إلى الضد وتناقض التقدم والنظام الذي لا يجد من يعينه في وضعه الجديد، فالقوى القادرة على التصدي قد حطمت بفعل الاستبداد، وما تبقى منها فقد قدرته على الاحتمال والبقاء والاستمرار، وفي النهاية فالناس إما عازف عن المشاركة، او متهالك.
وهذا ما حصل ويحصل للأنظمة العربية التي دعمت واعتمدت على الأصولية والسلفية لمحاربة اليسار في كل مكان، وعلى جميع الجبهات إبان الحرب الباردة، حتى أثخنت المجتمع، وعندما انقلبت عليها وجدت تلك الأنظمة نفسها في العراء بلا شرعية ولا قوة لا من اليسار الشعبي، ولا من الليبرالية الأصيلة، وبالتالي فقد انسحبت هذه القوى من المعركة المجتمعية واستحقاقها الثقافي والحضاري، وتركت المجتمع الأهلي والمدني فريسة للأصولية والسلفية أما الأنظمة فقد حمت نفسها بالنار والحديد، وبالتالي فالإرهاب الأصولي والاستبداد السياسي وجهان لعملة مغشوشة واحدة.
لقد عولم الصراع الخفي بين الشرق والغرب -رغم التأكيد اللفظي على التعاون والحوار- الإرهاب الذي اثبت قدرته على تخطي الحواجز الجغرافية والحضارية، فهو على استعداد للضرب في كل مكان، وتحويل كل شيء إلى أهداف نموذجية مبررة.
وهنا لا بد من التنويه إلى أن الوسائل في العمل السياسي لا تبرر الغايات بعكس ما هو شائع، وكل ما تفعله هو تحديد طبيعتها، ومثل هذا الموضوع الغائب الأكبر في الحركة الأصولية كحركة ارادوية أخروية تحركها مثل ميتافيزيقية، وأوهام لا نقوى على حملها وترجمتها على ارض الواقع، وتعجز عن تعيين او اشتقاق أهداف ملموسة مبررة أخلاقيا وعقلانياً حتى يمكن ترويجها والدفاع عنها فنقطة الارتباط الأهم في جدل الوسائل والأهداف في النضال والجهاد هي مشروطية قيمة الوسائل للطابع الأخلاقي للهدف الذي يستخدم الوسائل لتحقيقه، وكل المسوغات المطروحة لتبرير وسائل لا أخلاقية ولا عقلانية تعني في الواقع الملموس منح تلك الوسائل الإجرامية خاصية لا توجد فيها أصلا من حيث الدلالة الأخلاقية.
ولا يعني ذلك إلا إلغاء الأخلاق من الممارسة في اختيار الوسائل تحت مبررات واهية وتضليل سياسي محكم ورد ذلك إلى سمو الرسالة وقدسية الأهداف التي تبرر أي وسيلة يمكن استعمالها او إتباعها.
ومن الناحية الأخلاقية الموضوعية ننّوه فيما إذا تطلب تحقيق الهدف المباشر دفع ثمن باهظ يؤدي إلى تقويض الطابع الأخلاقي للهدف الأسمى كتحرير فلسطين، وتطبيق الشريعة على سبيل المثال، فان تلك الوسيلة يجب رفضها والتخلي عنها لأنها فاقدة للتسويغ الأخلاقي في العمل السياسي، لان اختيار وسائل غير أخلاقية يعني أنها غير فعّالة او وسائل لتحقيق أهداف مضللة وخارج سياق التاريخ والتراكم النضالي للشعوب، ولا تعني إلا انحطاط مستوى القيادة والكفاءة في اختيار الوسائل، وانحطاط مستوى الأهداف التي يجب أن تطابق الوسائل بغض النظر عن المماحكات اللفظية والشعارات الكلامية المضللة عن الأخلاق.
وليست التصفية الذاتية لأخلاقية الحركة الأصولية وتعريتها وتفكيك بناها المعرفية إلا مقدمة لتصفيتها الواعية سياسياً وفكرياً من ذاكرة الشعوب العربية عندما تنهض وتعي مصالحها الحقيقية وتتمثل أدواتها النضالية، وتعمل من أجلها لتحقيق فردوسها الأرضي بعيداً عن المثالية والميتافيزيقيا.
باحث أردني
zuhairtawfiq@hotmail.com