كتاب إسرائيليون: تشييع جثمان درويش إلى قريته يمثل بداية رحلة طويلة من التكفير عن الذنوب
عمان- الغد- شهدت الأراضي العربية المحتلة عام 1948، أول من أمس الأحد حالة من الحزن والأسى الشديدين، على رحيل عاشق فلسطين وشاعرها الكبير محمود درويش ابن قرية البروة المهجرة، وفور شيوع خبر وفاته مساء أول أمس السبت، توافدت عشرات الوفود الى منزل عائلته في قرية الجديدة شرقي مدينة عكا، وفي مقدمتهم "شق البرتقالة" الفلسطينية زميله الشاعر الكبير سميح القاسم والنواب العرب في الكنيست الإسرائيلي.
فيما تواصلت أول من أمس الأحد، بيانات النعي من قبل المؤسسات والهيئات التمثيلية والشعبية داخل أراضي الـ48، فقد عنونت صحيفة "الاتحاد" التي تخرج منها محمود درويش صدر صفحتها الأولى "العاشق الفلسطيني في حضرة الغياب"، وكتبت في مقدمتها تقول: "عصيّ على الغياب" جاء فيها: "فقد شعبنا العربي الفلسطيني، والإنسانية كلها، أمس، شاعرا كبيرا، وإنسانا كبيرا.. فقدت الثقافة العربية والعالمية معلما من معالم الشعر العربي الحديث.. وفقدت الثقافة الوطنية الفلسطينية ركنا مؤسسا منها، برحيل الشاعر محمود درويش المفاجئ، وتوقف قلب محمود عن الخفقان، أمس، بعد 66 عاما من ولادته على أرض البروة، على هذه الأرض التي عليها ما يستحق الحياة، فعاصر نكبة شعبنا الكبرى والتهجير، وانخرط في خندق الشيوعيين والوطنيين الشرفاء، السياسي والثقافي، اليومي والقومي، في معركة البقاء تحت نير الحكم العسكري والإقامات الجبرية، ليجد نفسه وشعره يصبّان في القضية الأم، في قضية تحرّر الشعب الفلسطيني، وشتاته في المنافي العربية والأجنبية، وفي المنفى الأكبر، في الوطن الممزق بالحواجز والجدران والأسلاك الشائكة".
فيما وصفت لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي الـ48 رحيل درويش برحيل فارس الشعر والوطن والقضية والجمال والحب والمعنى، وكتب النائب احمد الطيبي رئيس الحركة العربية للتغيير في نعيه الراحل الكبير، مخاطبا اياه يا لاعب النرد انهض، أما النائب واصل طه فقد نعى دوريش ابن فلسطين النكبة والقيامة محمود درويش، وقال: "فقدت فلسطين والإنسانية جمعاء، اليوم (أول من أمس)، أبرز شعرائها ومناضليها، ابن البروة المهجرة وفلسطين النكبة والقيامة محمود درويش، الذي حمل هَم فلسطين والإنسان الفلسطيني في الداخل والشتات والمهاجر والخيام، وأصبح رمزاً للمهجر الفلسطيني".
حزب التجمع الوطني نعى درويش مؤكدا أن فلسطين فقد شاعر المقاومة الكبير، الذي خلد قضية شعبه، وفقد الشعب الفلسطيني احد أهم رموزه في العصر الحديث.
ونعى اتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) فقيد الشعب الفلسطيني والأمة العربية وكل أنصار شعبنا وأنصار الحرية ومقاومة الظلم والظالمين في العالم، فقيد الثقافة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والانسانية العالمية، فيما وصف بيان بلدية الناصرة في نعيها الراحل محمود درويش برسول الثقافة والإبداع الفلسطيني، الذي غادر وهو في أوج عطائه، مخلفا تراثا ثقافيا وطنيا، ثوريا وإنسانيا، ساهم في رفع وتثبيت قضية شعبه ووطنه، في ضمير الإنسانية.
الحركة الإسلامية ورئيسها إبراهيم صرصور نعت الشاعر الكبير محمود درويش، أكدت فيها انه فقيد الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، وفقيد كل الأحرار في العالم وكل الثائرين ضد الظلم والظالمين، فقيد الكلمة والثقافة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والإنسانية العالمية، وأنه سيبقى الناطق الرسمي وبلا منازع باسم الشعب الفلسطيني... ناطق رسمي عبر عن صوت الشعب من خلال آلة الشعر التي عز نظيرها.
مؤسسة توفيق زياد والثقافة الوطنية والإبداع: محمود درويش زيتونة فلسطين ومنارة للثائرين.
تحني مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والإبداع رأسها إجلالا لذكرى الشاعر الكبير محمود درويش، في يوم رحيل مبكر مفجع، وهو الزيتونة الفلسطينية الوافرة والشامخة دوما، ما كان لنفس وطنية إلا أن تغتني بثمارها، ثمار هي وقود للثورة والمقاومة.
فيما نعت جمعية الشباب العرب- بلدنا، ووصفته بمنارة فلسطين في العالم، كان نورا لكل شاب عربي فلسطيني يرغب ببناء هويته، أجيالا كاملة تربت على أشعار هذا الشاعر العملاق المناضل.
فيما دعت الحركة العربية للتغيير لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي الـ48 الى إعلان الحداد على رحيل الشاعر محمود درويش.
النائب جمال زحالقة، رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي، نعى الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وقال إن رحيله هو فاجعة كبرى للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإنسانية التقدمية في كافة أرجاء المعمورة.
وأضاف: "درويش هو ملحمة متواصلة خلدت قضية شعب فلسطين، آلامه ومعاناته وطموحاته وأحلامه، وهو يُعد بحق من أكبر شعراء اللغة العربية على مر العصور، ومن أهم شعراء العالم في العصر الحديث".
وأكد: "نحن نطالب أن يدفن في بلده في الجليل في فلسطين التي أحبها واستوطنت في قلبه ووجدانه وشعره".
فراس درويش ابن شقيق الشاعر الراحل قال في تصريح خاص بـ"المستقبل": "خبر رحيل شاعرنا محمود درويش وقع كالصاعقة علينا في العائلة، وهو غالٍ كثيرا، وموجود في وجدان كل عربي حر، والعائلة تدرس إمكانية دفنه هنا في قرية الجديدة".
وأكد درويش أن والدة الشاعر الراحل الحاجة حورية ما تزال ترفض استيعاب الحدث، وهي كل الوقت تبكي وتقوم منذ سماع الخبر بالنواح والبكاء عليه وهي غير مصدقة الخبر، وحتى الآن نحن لا نعرف أين ومتى ستكون مراسم الجنازة وأين سيدفن.
وقال الأديب محمد علي طه: "لقد خسرت أخا كبيرا وصديقا عزيزا، وأعتقد أن الشعبين الفلسطيني والعربي قد خسرا شاعرا عملاقا وكبيرا، لم يظهر في القرن العشرين شاعر عربي في قامة محمود درويش، هو أهم الشعراء الذين عرفتهم الإنسانية، لقد حمل القضية الفلسطينية في قلبه وفي شعره".
الشاعر حسين مهنا: "رحيل الشاعر محمود درويش خسارة للعائلة وللأقرباء وللأصدقاء وللحلقة الأدبية وللشعب العربي وللشعب الفلسطيني ولشعوب العالم جمعاء، محمود درويش أعطى أكثر مما أخذ".
أيمن عودة: "وفاة الشاعر الكبير محمود درويش ضربة كبيرة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، محمود درويش انطلق من فلسطين ولكنه شاعر الإنسانية، وله الفضل الكبير أن استطاع أن يوصل رسالة فلسطين الى العالم كله".
كتّاب إسرائيليون:
محمود درويش شاعر كبير أولاً وقبل أي شيء
كان الرحيل المفاجئ لشاعر فلسطين الكبير وعاشقها محمود درويش وقع كبير في الصحافة الاسرائيلية، حيث خصصت الصحف العبرية الكبرى الثلاث حيزاً لهذا الحدث الجلل والذي فقدت فيه فلسطين والعرب جميعاً معلماً بارزاً.
فقد دعا الشاعر الإسرائيلي إسحاق لاؤور إلى دفن شاعر وعاشق فلسطين محمود درويش في قريته البروة، مشيرا "يتحدثون كثيراً في العالم عن الاعتذار تجاه ضحايا الاحتلال والاقتلاع والتهجير، في أميركا وأستراليا وجنوب أفريقيا، وهنا لم يتحدثوا عن ذلك بعد، وربما في إمكان تشييع جثمان درويش إلى قريته أن يمثل بداية رحلة طويلة من التكفير عن الذنوب".
وكتب لاؤور، في مقالة نشرها في "هآرتس"، اقتباسا من قصيدة درويش الأخيرة "سيناريو جاهز"، "اعتبر أن "الشخصية" في القصيدة ليست شخصية تماما، لأنه لا توجد للفلسطينيين حياة "شخصية"، لكن درويش زرع فيهم الأمل بواسطة شعر محدد للغاية". ورأى لاؤور أن "التاريخ كلّف درويش بأن يؤدي دورا وهو أن يكون الشاعر الوطني، وأنه مثلما تنقل في أماكن سكناه، تنقل أيضا في كتاباته، مثل إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي كتبه في العام 1988 وتأبين إميل حبيبي وإدوارد سعيد وياسر عرفات، فقد تنقل بين الشعر والمقال الفكري، وبين التورية والخطابة".
فيما وصف الأديب الإسرائيلي البارز أ.ب.يهوشواع الشاعر الراحل محمود درويش انه الصديق والخصم، حيث يرى الإسرائيليون في درويش أنه الشاعر الوطني الفلسطيني، الذي عبّر عن أماني وتطلعات الفلسطينيين ووصف حالهم خلال العقود الأربعة ونيّف الماضية، وينظرون إليه على أنه الخصم، الذي استفزهم بشعره وثقافته وعمقه، ورغم ذلك ربط بعض أدبائهم وسياسييهم اليساريين علاقات صداقة معه. وتمت ترجمة عدد من دواوين شعره إلى العبرية.
وكتب يهوشواع "أولا وقبل كل شيء، كان درويش شاعرا كبيرا وامتلك عظمة شعرية حقيقية، حتى إن إنسانا مثلي، قرأه عبر ترجمات أشعاره لا باللغة الأصلية، كان في إمكانه أن يعجب بشكل عميق من مخزون الصور والأفكار الغنية لديه، ومن الحرية الشعرية التي سمح لنفسه بانتهاجها".
وأضاف أن "محمود هاجر من إسرائيل طواعية وأنا أسفت دائما على ذلك، أذكره في مؤتمر تضامن عقده الشاعر الراحل يونا بن يهودا، المعروف بكنيته "ييبي"، في نهاية سنوات الستين في حيفا، مع الشعراء والأدباء العرب "الإسرائيليين" الذين خضعوا لأوامر اعتقال وتم تقييد تحركاتهم، كان لقاءنا الأول، وأعجبت بالقوة اللاذعة الكامنة في كلماته، وبعد ذلك، عندما علمت أنه غادر إسرائيل ولن يعود إليها، شعرت بخسارة. إذ بدا لي شريكا جديرا. كان صعبا ونقديا، لكنه جدير".
وأشاد يهوشواع بقرار وزير التربية والتعليم الإسرائيلي الأسبق، يوسي سريد، بتدريس قصائد محمود درويش في المدارس اليهودية، وأكد أن هذا القرار كان صحيحا ومناسبا. وكتب أن درويش أصبح بعد خروجه من البلاد في العام 1972 "الشاعر الوطني للفلسطينيين، شاعر المنفى واللجوء، ولذلك تنقل من مكان إلى آخر وتحول إلى اسم هام في مؤتمرات ومهرجانات الشعر في أنحاء العالم. وعلى هذه الخلفية كان قرار يوسي سريد كوزير للتربية والتعليم، الذي قضى بشمل قصائده في البرنامج الدراسي، صحيحا ومناسبا على الرغم من الانتقادات ضد القرار".
وتحدث يهوشواع عن لقائه الأخير مع محمود درويش في حيفا قبل عام ونصف العام، وقال "لقد التقيت به في مقهى وتحدثنا بود، أهديته نسخة من الترجمة الفرنسية لـ"العروس المُحررة"، وهي اللغة التي قرأ بها الأدب الأجنبي، وطلبت منه أن يقرأها ليرى بأي قدر من المحبة وصفته في مخيلتي، في تلك السنوات التي سبقت الانتفاضة. لا أعرف إذا كان قد قرأ أم لا، وتقت دائما لالتقائه مرة أخرى في المستقبل، وها هو قد توفي، الشاعر الذي كان لنا خصما وصديقا على حد سواء".
محرر الشؤون العربية في "هآرتس"، تسفي بارئيل، أكد أن "عظمته الأساسية هي في البلورة الشاعرية الثاقبة للذاكرة التاريخية الفلسطينية وخصوصا فيما يتعلق بقضية اللاجئين، وفي قصيدته الشهيرة "لماذا تركت الحصان وحيدا" أحيا العلاقة بين التهجير والآثار الحية التي أبقاها اللاجئون خلفهم وعنفوان حق العودة بواسطة رمزه، الحصان الذي بقي في الخلف، والبئر المتروكة ومفتاح البيت المهجور الموجود في جيب كل لاجئ".
وخلص بارئيل إلى القول إن "درويش لم يبخل في توجيه النقد لقادة السلطة الفلسطينية، مثلما عرف كيف يسن سهامه ضد الاحتلال الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية، وأن درويش المريض ترك أمس الفلسطينيين وحدهم ومضى من دون أن يرى اتفاق سلام بين الشعبين".