شموع لروح عاشق فلسطين في مسرح البلد
محمد جميل خضر
عمان- "ما زلت أحيا في مكان ما" واحدة من العبارات والاقتباسات من شعر الراحل محمود درويش التي تسابق حاملو وحاملات شموع على كتابتها بأقلام فلوماستر من عدة ألوان مساء أول من أمس عند بوابة مسرح البلد وسط العاصمة على بياض قماشتين، ما شكّل في النهاية جدارية بخطوط الناس وأحاسيسهم، وكجزء من مراسم وأشكال تعبير عفوي عن الحزن على رحيل الشاعر العربي محمود درويش بشكل مفجع قبل أيام.
وكانت إدارة مسرح البلد دعت لطقسية إيقاد شموع على روح درويش، وهي الدعوة التي لاقت استجابة عفوية من عدد كبير من عشاق الشاعر الراحل ومحبيه.
وتصاحب إيقاد الشموع ونثر العبارات المختلفة على القماشتين مع بث أمسية درويش الأخيرة التي أقيمت مطلع تموز (يوليو) الماضي على مسرح قصر الثقافة في رام الله، بمناسبة احتفالات رام الله بمؤيتها التي أقيمت تحت عنوان "وين عا رام الله" وأُعلن خلالها عن تسمية واحد من ميادين المدينة باسم الشاعر الراحل.
وشارك ثلاثي جبران على أعوادهم في أمسية رام الله، حيث قدموا معزوفاتهم الموسيقية بين قصائد درويش وتصاحبوا أحيانا العزف مع قراءته الشعر كما في قصيدة "قيثارة".
وبث مسرح البلد أمسية رام الله على شاشة كبيرة وضعت فوق باب المسرح الخارجي، وملأ الناس الشارع أمام المسرح، متنقلين بين إيقاد الشموع أو الكتابة على القماشتين أو الاستماع إلى شعر درويش بصوته في الأمسية الأخيرة له.
ولاحت إشارات وداع كثيرة في الأمسية التي بدا فيها درويش متعبا قليلا، وكان يسارع للجلوس كلما جاء دور العود. ولعل قصيدة "لا أعرف الشخص الغريب" تشكل مثالا ساطعا على النفس الوداعي الذي ساد أجواء أمسية رام الله:
"لا أعرف الشخصَ الغريبَ ولا مآثرهُ...
رأيتُ جِنازةً فمشيت خلف النعش،
مثل الآخرين مطأطئ الرأس احتراماً. لم
أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟
وأين عاش، وكيف مات « فإن أسباب
الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة».
سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرى
عَدَماً ويأسفُ للنهاية؟ كنت أعلم أنه
لن يفتح النَّعشَ المُغَطَّى بالبنفسج كي
يُودِّعَنا ويشكرنا ويهمسَ بالحقيقة
«ما الحقيقة؟» رُبَّما هُوَ مثلنا في هذه
الساعات يطوي ظلَّهُ. لكنَّهُ هُوَ وحده
الشخصُ الذي لم يَبْكِ في هذا الصباح،
ولم يَرَ الموت المحلِّقَ فوقنا كالصقر...
« فاًحياء هم أَبناءُ عَمِّ الموت، والموتى
نيام هادئون وهادئون وهادئون» ولم
أَجد سبباً لأسأل: من هو الشخص
الغريب وما اسمه؟ «لا برق
يلمع في اسمه» والسائرون وراءه
عشرون شخصاً ما عداي «أنا سواي»
وتُهْتُ في قلبي على باب الكنيسة:
ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌ
أو سارقٌ، أو قاتلٌ ... لا فرق،
فالموتى سواسِيَةٌ أمام الموت .. لا يتكلمون
وربما لا يحلمون ...
وقد تكون جنازةُ الشخصِ الغريب جنازتي
لكنَّ أَمراً ما إلهياً يُؤَجِّلُها
لأسبابٍ عديدةْ
من بينها: خطأ كبير في القصيدة".
وحاور صاحب "لماذا تركت الحصان وحيدا" الموت في غير قصيدة مما ألقاه على جمهور زاد على 1000 شخص في رام الله، وكان سخيا في قراءة الشعر، ودودا مع الجمهور، وعندما قالت له فتاة "أنت على راسي" أجابها ببديهته الحاضرة دائما "على راسي أنا"، واستجاب لرغبات من طلبوا أو طلبن قصائد بعينها.
وأمام مسرح البلد سمع المفجوعون بموته الذي قبل الأوان وشاهدوا تفاصيل أمسية رام الله بقلوب محزونة وأرواح أتعبها. ومن بين دموع فشلت في منعها قالت القاصة بسمة النسور "أنا حزينة مصدومة، القصيدة ترملت والشعر أصبح يتيما، محمود لا يليق به الموت، العالم أفضى فارغا وبلا جدوى". وذكرت أن تضارب الأنباء حول وفاته في ذلك اليوم المشؤوم جعلها تتفاءل أنه لم يمت، وأضافت "هو كان حاسس كان يودّع"، ووصفت موته بالرشاقة الشبيهة بحياته "في موته رشاقة ووسامة وأنفة كما في حياته فهو الذي عوّد الناس أن يغادر ولما يُشبع منه بعد، كان يفضل الموت على العجز".
وتذكرت النسور موقفا يدل على تواضعه وتقديره للناس من حوله، عندما اتصل بها يشكرها على مقال كتبته عنه بعد توقيعه على كتابه الأخير "أثر الفراشة" في عمان شباط (فبراير) الماضي.
ومن شواهد إحساسه الخاص ونبوءته بموته الوشيك بعد زهاء الشهر من أمسية رام الله يتضمن المقطع الأخير من قصيدته "سيناريو جاهز" كلمات عن شاعر آخر غيره يمكن أن يواصل المشوار "على شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو إلى آخره".
وإذا كانت بسمة النسور حزينة فإن المصورة الفوتوغرافية ليندا حجازي "مقهورة" على موت رأته قبل الأوان "ما يزال مبكرا على موته" وهي التي لا تحب القراءة لولا دواوين درويش تشتريها وتقرأها عن آخرها وتقضي الليالي برفقتها.
ووصف الفتى إبراهيم سكجها نجل الزميل باسم سكجها وفاة درويش بـ "الخسارة الكبيرة" ورأى أنه "ترك الساحة مفتوحة" وقال في سياق متواصل "لم يعبر إنسان عن قضيته وإنسانيته كما فعل محمود درويش".
وحمل سكجها على المناهج المدرسية "المقلة" برأيه في تناول "شاعر عظيم من طراز درويش"، فهو على سبيل المثال كما يوضح، لم يدرك أهمية درويش على وجه الدقة إلا من خلال والده الكاتب والروائي ورئيس التحرير والذي بحكم اختصاصه يعرف درويش وعرّف عائلته به.
ورغم الكلام الكثير الذي ظهر دلائله في جوف الكاتب تيسير نظمي إلا أنه اكتفى بالقول "لست حزينا لأن محمود درويش أثبت أن أميركا بكل غطرستها وادعاءاتها الحضارية والديموقراطية لم تستطع معالجة شريان في قلب فلسطيني ولا أن تعيد درويش إلى مسقط رأسه".
وختم نظمي بالقول "درويش جعل من موته معركة انتصر فيها على أميركا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية" لأن الأخيرة برأيه لا تستطيع أن تصنع لشعرائها المبدعين سوى "تماثيل لا تسمن ولا تغني من جوع".
واشتملت الجدارية التي تشكلت عند بوابة مسرح البلد على عجل على عبارات من مثل: "أين الطريق إلى أي شيء، هذا هو العرس الذي لا ينتهي، لماذا رحلت قبل أن تكتب قصيدة الانتصار؟ هَزَمَتْكَ يا موت الفنون جميعها، معك لم نعرف الغربة، سنكمل المشوار فروحك ما تزال بيننا، كل شوق يُسكن باللقاء لا يعول عليه، نحبك يا محمود ورح نشتقلك، أرجوك لا تطل الرحيل أرجوك عد إلينا بسرعة".