يصعب على الكثيرين في العالم العربي قبل غيرهم تقبل فكرة أن حماس ومن معها من فصائل المقاومة استطاعت الصمود أمام آلة الحرب الإسرائيلية المدججة بأحدث الأسلحة والمعدات لمدة تزيد على ثلاثة أسابيع، وأنها استطاعت صد العدوان ولم ترفع الراية البيضاء كما تمنوا خلال الساعات الأولى للحرب، وأنها ماتزال في النهاية تسيطر على قطاع غزة، وأنها تحظى بدعم شعبي فلسطيني وعربي وإسلامي بل وعالمي غير مسبوق، هؤلاء وبعد هذه الخيبة أخذوا يشحذون هممهم وأقلامهم للتركيز على جوانب محددة من المشهد علّهم بذلك يقنعون أنفسهم قبل غيرهم بأنهم كانوا على صواب حين سلقوا حماس بألسنتهم، وحين انحازوا للرواية الإسرائيلية في تغطية الحرب على غزة، فراحوا يعملون على تهبيط معنويات من تفاءل بصمود المقاومة واستبشر بها خيرا عبر التركيز على ما يسمونه حجم الكلفة البشرية لهذا العدوان والتركيز على أعداد الشهداء - رغم أنهم لا يعترفون بأنهم شهداء - من المدنيين ومن الأطفال والنساء والمسنين، وكأن صواريخ المقاومة هي من قتلتهم والحديث عن المعاناة التي جلبتها – المقاومة – لأهالي القطاع.
أول التقارير التي نشرها أحد المواقع العربية عن القطاع بعد وقف إطلاق النار يتحدث عن الأسئلة الصعبة التي بدأ الناس في القطاع يوجهونها لقادة حماس، والمتعلقة بـ "جدوى الحرب". ويورد في التقرير المأخوذ عن وكالة أجنبية مداخلة لإحدى مواطنات غزة تقول فيها "فتساءلت امرأة في بلدة بيت لاهيا المدمرة "أي صواريخ؟ صواريخنا مثل أقلام الرصاص مقارنة بالصواريخ التي أطلقتها إسرائيل". وقتلت الصواريخ الفلسطينية 3 مدنيين إسرائيليين خلال المعارك، ولم يفقد الإسرائيليون سوى 10 جنود فقط. ومثل الكثير من سكان غزة، لم ترغب السيدة في الإفصاح عن اسمها، وهي تدلي بملاحظات جارحة تجاه حكام القطاع ".
هذه واحدة من الصور التي بدأت العديد من وسائل الإعلام العربية المنحازة ضد منطق المقاومة بإعطائها المساحة الأكبر في تغطية ما بعد العدوان على غزة. فهذا أحدهم ينصح في مقال له حماس بمراجعة مواقفها بعد الحرب والاختيار بين المعسكر العربي ومعسكر طهران، لأنها لن تستطيع إقناع أهالي غزة بعد الذي جرى بمنطق رمي "إسرائيل" بالصواريخ الكرتونية. وفي المقابل يدفع الأهالي ثمنها أطفالهم. ويعتقد الكاتب في نهاية المقال بأن منطق المراجعة قد يكون صعبا على الحركة ما دامت رهينة لدمشق وطهران، ويعيش قادتها بالفنادق – وهو ذات المنطق الذي استخدمه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بالتحريض على حماس وقادتها خلال مداخلاته على قناة الجزيرة –. وفي ختام مقاله يرى بأن على حماس أن تختار بين طهران والقاهرة.
المثير للسخرية في هذا المنطق هو أنه يتعامل مع حماس وكأنها هي التي سعت للحرب وليس الإسرائيليين الذين حضروا لها منذ أكثر من ستة شهور، في وقت يرى فيه كتاب غربيون بأن الهدف الإسرائيلي للحرب كان تلقين المدنيين المتعاطفين والمؤيدين لحماس وعائلاتهم درسا قاسيا وأليما حتى يتخلوا عنها - بعدما عجزوا عن ذلك بالحصار والتجويع وقطع الوقود والكهرباء وكل شيء عن القطاع - كما حصل مع حزب الله في حرب تموز 2006، حيث وجهت الضربة الأكبر للمدنيين في المناطق التي تعد قواعد شعبية لحزب الله أكثر من الحزب نفسه.
إنه بحق منطق بائس يريد ان ينتزع من حماس مواقف لم تستطع النار الإسرائيلية وحممها التي زادت عن المليون كيلوغرام انتزاعها منها، بل وأكثر من ذلك يريدون سرقة نجاح حماس وصمودها حتى لا يرى فيه كثيرون مثالا يحتذى حول المنطق الذي يجب أن يواجه به المشروع الإسرائيلي في المنطقة، هم الذي قضوا ردحا طويلا من الزمن يروجون لثقافة الاستسلام – عفوا السلام - والتعايش ونبذ المقاومة المسلحة.