"هناك": أعمال تستطلع مفهوم الهوية للفنانة الهولندية تومسين في "مكان"
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
غسان مفاضلة
عمان- لم يكن لالتباس العلاقة مع المكان، أو تداخل أطرافها السياسية والاجتماعية والتحامها في نسيجه وروحيته، هو ما دفع بالفنانة البصرية الهولندية سو تومسين في معرضها "هناك"، الذي افتتح مساء أول من أمس في "بيت مكان" بجبل اللويبدة، إلى استطلاع مفهوم الهوية، واستجلاء معنى الانتماء لوطن لم تفلح المجازر الإسرائيلية في محوه من الذاكرة، أو نفيه من الوجدان.
ساهمت الحرب الأخيرة على غزة، أثناء تواجد الفنانة لمدة ثلاثة أشهر في عمان ضمن برنامج إقامتها الفنيّة المدعومة من قبل المؤسسة الهولنديّة "بي كي في بي"، في بلورة مشروعها الفني حين وجدت نفسها على مقربة من الحدث.
وفي خضم تفاعل الشارع الأردني مع صمود أهل القطاع وتنديده بالعدوان، راحت تومسين تعاين، عبر أدواتها التجهيزيّة وعناصرها الفنية، بعين ثالثة تفاصيل المشهد بين نقطتين: "هنا" و"هناك"، حيث دائماً يوجد ما يشير إلى "هناك" ببوصلة الذاكرة المجروحة بالحرمان والتشريد والشتات.
لمست الفنانة، خلال عملها على مشروعها وتنقلها ومعايشتها لتفاصيل حياة الناس وعادياتهم اليومية في عمان وسورية ولبنان وسلطنة عُمان، دفء المكانة الأثيرة التي تحتلها فلسطين في قلوب الناس وهم يغالبون بالذاكرة والحزن تاريخ المرارة والنسيان.
وعبر حكايات الناس الذين شردوا من وطنهم، جمعت الفنانة، التي غالبا ما تتناول في وسائطها البصرية العديد من الظواهر الاجتماعية في مساحاتها العامة، والقضايا السياسية في سياقاتها وظروفها الخاصة، مادة تروي المأساة الشخصية لكل منهم، وكأنها تلخص على نحو فطري تراجيديا البشرية وعذاباتها في المنفى والاغتراب.
حكايات ماتزال، رغم اختلال التوازن بين ضراوة الواقع ورحابة الحلم، تشحذ بالأمل مخزونها البصري، وتتطامن على ما ترسب في الذاكرة من سرديات الأجداد. حكايات ورسائل مشفوعة بالعاطفة والنقمة والانتقاد، ومجبولة بالعطف على وطن جريح ومهدد بالضياع.
تتناول الفنانة، التي تقيم وتعمل في أمستردام بهولندا، في أعمالها كلمتي "هنا" و"هناك"، مستكشفة أبعادهما السياسيّة، ومستطلعة دلالاتهما الإيحائية والتعبيرية في سياقات ظرفية ذات صلة وثيقة بالمكان.
المكان "هنا" يحيل على ما هو آني وظرفي وطارئ، فهو مساحة مفتوحة على الترقب والانتظار، ومناخ مواتٍ للتنوع والاختلاف. والمكان "هناك" يحيل على ما هو مأمول ومنشود. وما بين الـ "هنا" والـ "هناك" تتشاكل هويات الأفراد والجماعات مع مكونات حاضناتها البيئية تبعاً لتغيرات الاستجابة، والتي تطبعها "بمكابدات" التحوّل من "ماضٍ- هناك" إلى التعيّن في "حاضرٍ- هنا"؛ حاضرٌ متنقل على الدوام ومتفلّت من مستوى إلى آخر، ومُشْرع على الامتداد.
وقامت الفنانة في أحد أعمالها، التي تشتمل على وسائط بصرية متنوعة؛ فيديو، تصوير، مهملات وتجهيزات جديدة، بالتدخل في المحيط البيئي لتعديل كلمة "no member" من على جدار بمساحة شاسعة مطل على جبل اللويبدة من جبل عمان، لتصبح "member"، تأكيداً على أهمية البعد الذي ينطوي عليه فعل التذكر، بخاصة إذا جاءت المفردة في منطقة ذات طابع تراثي متميّز كما هو الحال مع جبل عمان.
يشار إلى أن الفن التجهيزي، الذي بدأت ملامحه تتشكل منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي مع تيارات "مابعد الحداثة"، يعتمد في منطلقاته وتوجهاته على العلاقة التبادلية بين كل من المشاهد والعمل والمكان.
ويعنى الفن التجهيزي بتحقيق التواصل والتفاعل بين أفراد المجتمع، ومناقشة المعتقدات الاجتماعية والسياسية والدينية عبر الفن، بهدف الاقتراب من المكونات الجوهرية التي تشكل هوية الفرد وتصوغ أدواته ومفاهيمه في تعامله مع محيطه ومع تفاصيل نسيجه الاجتماعي.