علماء دين يؤكدون ان الإساءة للرسول نتاج فكر عنصري متعصب تتبناه فئة تسعى لتكريس فكرة الصراع بين الأديان
عمان- يشارك الأردن اليوم العالمين العربي والاسلامي الاحتفال بذكرى مولد رسول البشرية وخاتم الانبياء والمرسلين النبي العربي الهاشمي الكريم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
ففي الثاني عشر من شهر ربيع الاول من عام الفيل اهدى الله البشرية رسولا عظيما يجدد انسانيتها ويقيل عثرتها ويقود نحو الخير مسيرتها ويهديها الى طريق الحق والنور والسلام, ويوم ميلاده صلى الله عليه وسلم يوم إيذان بإشراقة فجر جديد وبداية عصر التوحد والتوحيد.
وبهذه المناسبة الكريمة رفع سماحة قاضي القضاة ووزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية وسماحة المفتي العام للمملكة اسمى ايات التهاني والتبريكات لجلالة الملك عبدالله الثاني سائلين المولى عز وجل ان يحفظ جلالته ذخرا وسندا للأمة.
وتوجهوا الى ابناء الاسرة الاردنية الواحدة وابناء الامتين العربية والاسلامية بخالص التهاني وعظيم المباركة بهذه المناسبة العزيزة على قلب كل مسلم.
وقال سماحة قاضي القضاة امام الحضرة الهاشمية الدكتور احمد هليل ان شرف الذكرى من شرف المذكور ومقدار عطائها من منزلة المعطي وقدر فضلها بمقدار المتفضل به, ومن اجل ذلك كان يوم المولد النبوي يوما لا كالأيام وكانت ذكراه ليست كالذكريات, فميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ميلاد امة, ومنة رحمانية, وصلة عظيمة وعطاء جزل من الله الكريم لجميع البشرية, انزل معه النور المبين وجعل خصاله وفعاله تشريعا لكل العالمين, فهو النبي القدوة المعصوم, وكل خصاله وفعاله خير للناس مقسوم, جعله الله بشرا ليكون للناس كافة النموذج الامثل وزينه بخصال الفضل ليكون القدوة المتبع بكل محفل.
وبيّن سماحة قاضي القضاة ان الله سبحانه بعث بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين لقوله تعالى في شأنه "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين", وفي الحديث الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في ابراهيم عليه السلام "رب انهن اضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني", وقال عيسى عليه السلام "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك انت العزيز الحكيم", فرفع يديه عليه الصلاة والسلام وقال "اللهم امتي امتي" وبكى, فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب الى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك" فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم, فقال الله: "يا جبريل اذهب الى محمد فقل ان سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
وقال ان رحمته صلى الله عليه وسلم ليست خاصة بالمسلمين فحسب بل هي رحمة عامة للخلق اجمعين, ما تفلتت منه نفس الا عليها بكى, ووصل ليله بنهاره ليبذل الخير لكل الناس وما اكتفى, شمل بخيره الخصوم في الخطوب, وتفضل على الأسرى من غير المسلمين في الحروب , وقدم من سيرته نموذجا عمليا لمنهج المسلم مع غير المسلمين , حتى يحسب العدو نفسه مع فضل النبي الكريم عليه صديقا.
وأضاف: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق رسولا من الله الى كل الناس, وكانت دعوته خطابا للبشرية من مختلف الأجناس, قال تعالى "وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لا يعلمون" وكان خطابه وأحكامه بما فيها من خصال المرونة مقيمة لحاجة الناس في كل الازمان, فكانت دعوته شاملة وعامة, فهو المفضل بما استجمع من معاني الخير على كل البشر, بل ويزيد عليها زيادة الشمس على البدر, والبحر على القطر, وهو اصدر الناس, وعليه يدور أمرهم, وهو قطب فلكهم, وعين كتيبتهم وواسطة قلادتهم, ونقش فصهم وبيت قصيدهم.
وبين انه لا يسيء له صلى الله عليه وسلم وهو على ما هو عليه من الحق الا مبطل عميت بصيرته عن نور حقيقته, وأعمى قلبه عناده مع ركوبه اللجاج في تحسين القبيح وتقبيح الحسن, اصمه عن جلية النبي صلى الله عليه وسلم الحقد, فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
وأشار الى ان الاساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأي نبي من انبياء الله هي نتاج فكر عنصري متعصب مسموم تتبناه فئة تسعى الى تكريس فكرة الصراع بين الاديان والحضارات, وإن انبياء الله في مقام رفيع سام عن ما يدعيه ارباب الفكر المتطرف, وحقيقة انبياء الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ساطعة كالشمس لا يطفىء جذوتها حاقد بحقده وان تطاول.
وقال سماحة قاضي القضاة: نحن في الاردن قد شرفنا الله بقيادة هاشمية, سليلة الدوحة الطاهرة, والعترة النبوية الزاخرة, فجلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله عميد لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم, وحامل لواء عهد دعوته عليه السلام. وقال وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية عبدالفتاح صلاح ان هذه الذكرى تحمل في طياتها انوار الهادي محمد صلى الله عليه وسلم حيث بها تحيا القلوب وتعرج الى منازل الشوق احتفاء بهذه الذكرى العطرة.
وإضاف: ان مولده عليه السلام هو مولد تاريخ ومولد انسانية, مولد جاء في حقبة من الزمان سادها الظلم والظلام والجاهلية, فكان مولده عليه افضل الصلاة وأتم التسليم نورا بدد الظلام, وعدلا مسح الظلم, وأملا اطاح باليأس, وفيضا بعد جفاف, وارتواء بعد صدى, وكانت دعوته صلى الله عليه وسلم التي حددت الداء ووصفت الدواء, ليسلم الناس كل الناس وتسعد البشرية جمعاء في ظل القيم الاسلامية التي من ابرز سماتها انها انسانية.
وأوضح وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية ان رسول الله عليه الصلاة والسلام مثال الانسانية الكاملة وملتقى الاخلاق الفاضلة , ولقد ولدت انسانيته معه ولازمته اطوار حياته وميزته على سائر البشر.
وقال ان الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه سبحانه وتعالى وما حوته من تشريع حكيم حيث لم يصل اليه تشريع الى الان وقد مضى عليه ما يزيد على اربعة عشر قرنا , ذلك التشريع الذي تكفل باصلاح النفوس والابدان وضمن سعادة الدنيا والاخرة حيث يعيش اتباعه بعزة متحلين بمكارم الاخلاق صدق فيهم قول الله تعالى "كنتم خير امة اخرجت للناس", صلحت بواطنهم كما صلحت ظواهرهم.
وبين ان الانسانية اليوم احوج ما تكون الى ذلك المثل الاعلى في اخلاق وشخصية الهادي محمد صلى الله عليه وسلم وفي شريعته الشريعة الاسلامية الغراء حيث نرى في عالم اليوم موازين قد قلبت واخلافا قد تبددت ومعالم حق قد طمرت وساد العالم جهل في المفاهيم والقيم , وخلطت الاوراق.
وقال وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية: ها هم الهاشميون يقومون بدورهم الريادي في هذه المرحلة تأسيا بالنبي العربي الهاشمي صلى الله عليه وسلم فجاءت تلك الصرخة المدوية في عالم اشبه ما يكون بالأمس وانطلقت من عمق قلب امتد في نسبه الى العترة الشريفة من آل البيت الكرام, وخرجت تلك الصيحة من قلب اردن الهاشميين تحمل في طياتها رسالة عمان التي تصدت لتلك الحملة المشوهة لرسالة الاسلام وحقيقة الدين, فجاءت رسالة عمان تكشف للعالم اجمع حقيقة الاسلام النقي اسلام الحق والسماحة اسلام العدالة والانسانية اسلام الوسط والحرية.
وقال سماحة مفتي عام المملكة الدكتور نوح علي سلمان ان العالم الاسلامي يستقبل ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالفرح والسرور مع ما في الواقع من آلام وأحزان ذلك ان المولد النبوي كان في ظروف اشد ظلمة وظلما مما نحن فيه, ولكن الله عودنا ان يطلع الفجر عندما يشتد الظلام, فقد بدد مولده صلى الله عليه وسلم ظلمات الجاهلية عندما طلعت شمس الاسلام , ونحن نتوقع اليوم من كرم الله تعالى ان يفاجئنا بفرج عام يشف به صدور القوم المؤمنين وهذا لا يعني ترك العمل بل يعني عدم اليأس من رحمة الله تعالى ليبقى الامل ويبقى العمل.
وأضاف ان الرسول عليه افضل الصلاة وأتم السلام ولد في ربيع الاول وهاجر في ربيع الاول وتوفي في ربيع الاول, ونحن نرى المسلمين يذكرون مناسبة ميلاده وهجرته ولا يكادون يذكرون وفاته الا على سبيل التأريخ, وسبب ذلك انه صلى الله عليه وسلم ما يزال حيا في قلوب امته بل في وجدان كل من سمع به فهو بشر اوحي إليه, قال تعالى "قل انما انا بشر مثلكم يوحى إليّ" وهو باعتباره بشرا توفي والتحق بالرفيق الاعلى قال تعالى "إنك ميت وإنهم ميتون" لكن باعتبار رسالته ما زال حيا قال تعالى "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون" ولذا فهو حاضر في اذهان المسلمين دائما وأبدا.
وقال سماحة المفتي العام ان مظاهر هذا الحضور متعددة ومنها القرآن الكريم الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم وما زال يتلى ويكتب ويفسر وينهل من علومه العلماء مع اختلاف تخصصاتهم, وقد دونت علوم تخدمه وتقرب الناس منه كالتفسير والاعجاز اللغوي والاعجاز التشريعي والاعجاز الغيبي, وكلها تريد ان تقول: هذا كلام الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه لعلكم تفلحون.
وأشار الى ان عملية البحث والتدوين والطباعة والنشر والتفنن في تسهيل طرق الرجوع الى السنة لا زالت نشطة على قدم وساق تمهيدا لليوم الذي يرجع فيه المسلمون الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو ات لا ريب فيه كما وعدنا الله تعالى فقال "الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله".
وقال ان مظاهر بقائه فينا صلى الله عليه وسلم بقاء آل بيته الطيبين الطاهرين, لقد مر على حياة الناس كثير من المشاهير لكن التاريخ ابتلعهم وابتلع ذريتهم فلا تكاد تجد نسبا ثابتا اليهم, أما محمد صلى الله عليه وسلم فلا زالت ذريته تملأ المشارق والمغارب انفاذا لوعد الله تعالى "إنّا اعطينك الكوثر", فلقد عيّره الجاهلون بانه ليس له عقب فأعطاه الله ذرية كثيرة يعرفون اليوم بأنسابهم الثابتة وأخلاقهم المتميزة وشمائلهم الصالحة, يعتز احدهم بنسبه وإن كلفه ذلك ما كلفه.
وقال ان الصحوة الإسلامية تعم كل طبقات المجتمع وان غربة الاسلام بدات تنحسر لكن تبقى بقية لا بد من الصبر عليها وان كل مساهمة في احياء الدين في الاذهان هي مساهمة في بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم حيا في قلوبنا ولا شك ان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو احياء له في القلوب قال تعالى "قل هذه سبيلي ادعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين".