"الكراسي": المرأة تتبع الرجل حتى إلى موته لكنها لا تهرب أبدا
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
مسرحية ليوجين يونسكو عرضت ضمن احتفالات القدس عاصمة للثقافة العربية
غسان مفاضلة
عمان- شكّل التشكيك في صلاحية الواقع والإيهام بحقيقته عبر تفحّص مساحة الحلم الإنساني، المحور الرئيسي لمشاهد العرض المسرحي "الكراسي" لمخرجها الفنان علي شبو، والتي عرضت مساء أول من أمس في المركز الثقافي الملكي في إطار الاحتفالات بالقدس عاصمة للثقافة العربية تحت رعاية وزير الثقافة د. صبري الربيحات بحضور وزيرة الثقافة الفلسطينية د. سهام البرغوثي.
وأكد وزير الثقافة قبيل العرض، الذي أعده المخرج عن النص الأصلي لمؤلفه الفرنسي يوجين يونسكو، وقام بتجسيد أدواره كل من الفنانة نادرة عمران وشفيقة الطل ومحمد الإبراهيمي ووسام البريحي وبلال الرنتيسي وحمد نجم، على أهمية الثقافة والفنون في تسليط الضوء على عروبة القدس في جميع مناحيها التاريخية والدينية والتراثية.
وقالت وزيرة الثقافة الفلسطينية إنه منذ إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية "جرى استنهاض جميع الرموز الثقافية والإبداعية والذاكرة الجمعية من أجل أن تعود القدس حرة عربية"، لافتة إلى ان القدس كانت قبل نحو قرن مركزاً سياسياً وثقافياً لفلسطين والأردن بخاصة، وللعالمين العربي والإسلامي بعامة.
واعتمدت المسرحية، التي استهل عرضها بقصيدة مغناة للشاعر الفرنسي جاك بريفر، في إعدادها الجديد، على الربط بين ما هو ملحمي وما هو واقعي، وصولاً إلى ملامسة الصيغة الكاريكاتيرية التي ينطوي عليها الواقع المفرط في واقعيته، والمتسلسل في الحلم حد التورط في فجيعة اليقظة.
واتخذ العرض من السياقين الملحمي والعبثي اللذين انبنت عليهما مشاهد المسرحية (الأول بتوظيفه مقتبسات من أسطورة جلجامش، والثاني الذي حكمته تفاصيل اللامعقول التي يحفل بها النص الأصلي للمسرحية)، مجالاً مفتوحاً لتدجين العبث عبر لعبة المقاربة والمفارقة بين ما هو أسطوري في بعده، وما هو يومي في تفاصيله التي يتقاطع فيها الحلم مع الواقع، ويتماهى في التباساته الحضور مع الغياب.
ويثير الإيهام بوجود الشخصيات غير المرئية في مسرحية (الكراسي)، التشكك ليس فقط في وجودها المسرحي، بل في وجودها الواقعي نفسه الذي يظل محل تساؤل تثيره المنطقة الضبابية والغائمة بين الحلم واليقظة، وبين الوجود والعدم.
لا تغدو الشخصيات غير المرئية على خشبة المسرح سوى مجرد أوهام تسكن رأس الزوجين العجوزين (نادرة عمران ومحمد الإبراهيمي)، وما يصدرانه من علامات لفظية وحركية يعبّر عن التجسيد السمعي والمرئي لتلك الأوهام. كما تعمل الضوضاء البشرية التي تصدر عن الجماهير على ترسيخ الافتراض بوجودهم غير المرئي.
برعت عمران في تقمص دور المرأة التي تحاول ترميم كل ما من شأنه أن يبقيها على تواصل مع الزمن، عبر سياق غير متسلسل ويعتمد على العبور من حالة تعبيرية إلى أخرى ترتبط بسياق حدث لحظي.
فيما مثّلت الفنانة شفيقة الطل دور "سيدوري"، ربة الحانة المطلة على أسرار "أوروك" والتي تسقطها على مسرح الحياة، "في أوروك قد يضلّ المرء طريقه إلى الحياة، لكنه لن يظلها أبداً نحو الموت".
وتميّز الفنان محمد الإبراهيمي في تقمصه دور الزوج الذي يبحث مع زوجته عن آفاق مشتركة لتمتين التواصل فيما بينهما، ولو عبر سرد ذكريات غير حقيقية. وهو الدور الذي عده يونسكو نفسه، في حوار مع مجلة "الاكسبرس"، يجسّد فشل الرجل الذي تتبعه زوجته حتى في فشله، ترافقه وتتبعه حتى في الموت، مشيراً "إلى أن الرجل قد يهرب الرجل أحياناً أو يحاول الهرب، لكن المرأة لا تفعل ذلك أبداً".
وقام الفنان بلال الرنتيسي بدور "انكيدو" العاشق للحياة، والذي دفع موته بصديقه جلجامش إلى بحث عبثي عن سر الخلود. أما الفنان وسام البريحي فجسد دور الخطيب الذي أدرك الجميع في النهاية أنه أبكم.