بداية المجتهد ونهاية المقتصد
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
محمد العواودة
على الرغم من قلتها على رفوف المكتبة الإسلامية، تبقى كتب الفقه المقارن هي الأكثر إسعافا لمن رام توسيع النظر في فقه المذاهب، كما أنه لا سبيل لسالك طريق الاجتهاد دون الاطلاع عليها، ولكن عادة ما يؤخذ على هذه الكتب أنها لا تعدو أن تكون آراء مذهبية جاهزة وجافة ومحددة، تبقى دون طموح الطالب من حيث معرفة أدلة الأحكام أو معرفة المستند الفقهي لرأي صاحب المذهب على الأقل .
وبرأيي فإن القصور في تصنيفها وقلة الاهتمام في تهذيبها، يعود إلى أسباب أهمها:
1.تفشي التقليد .
2.الاهتمام والتركيز على الكتب المذهبية المفردة ضبطاً وتحقيقاً وشرحاً .
3.التعصب المذهبي الذي لا يعطي بالعادة الفرصة للبحث والاستقصاء وسبر أغوار المذاهب الأخرى .
محاولة ابن رشد
تبقى محاولة ابن رشد محاولة استثنائية في هذا السياق، فكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، لم يعرف في وقته أفضل ولا أنفع ولا أحسن سياقاً منه، كما أن الناس ما زالوا عيالاً عليه في هذا العلم حتى اليوم، وهو ثمرة جهود عقلية جبارة برعت في الكثير من فنون العلوم، والفقه المقارن واحد منها، وعقلية ابن رشد - الحفيد - تميزاً له عن جده أبي الوليد المتوفى سنة 520 هـ، عقلية باحثة لا تقف عند حدود، فمنذ نشأته في قرطبة الأندلسية التي ولد بها درس العربية والفقه وسمع الحديث – وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية – وأتقن الطب والفلك وعلم الكلام والفلسفة التي كابد لأجلها ودافع عنها دفاعاً مستميتاً في رده على تهافت الغزالي في كتابه الشهير(تهافت التهافت) هذا بالإضافة إلى توليه قضاء قرطبة واشبيلية.
الهدف من الكتاب
وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد يعد أكثر كتب ابن رشد استقلالية وحيادية، فلم يتعصب فيه لمذهب ولم يمازجه بعلوم أخرى لا سيما الفلسفة على عادته في الكثير من كتبه ورسائله مثل (رسالة التوحيد والفلسفة) و( فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ) و( الكشف عن الأدلة في عقائد أهل الملة ) وغيرها .
أما غرضه من الكتاب فهو تأسيس عقلية اجتهادية تزيد على مجرد الاطلاع أو الفكرة العامة عن فقه المذاهب وهي الإضافة النوعية التي ميزت الكتاب عن سواه ويشير لذلك قائلاً في نهاية باب (شروط الكتابة) "بيد أن في قوة هذا الكتاب أن يبلغ به الإنسان كما قلنا رتبة الاجتهاد وإذا تقدم فعلم من اللغة العربية وعلم من أصول الفقه ما يكفيه في ذلك، ولذلك رأينا أن أخص الأسماء بهذا الكتاب أن نسميه كتاب (بداية المجتهد وكفاية المقتصد) وكان قد سماه في بداية الكتاب ( المجتهد) ولم اقف على كلمة نهاية المقتصد، التي على الغلاف بدل كلمة كفاية المقتصد التي أشار إليها المصنف سالفاً.
منهج الكتاب
اتبع ابن رشد في كتابة أسلوبا ممتعاً ومنهجا تعليمياً مشوقاً، فيتبدر الكتاب بتوطئة أصولية عامة ومقتضبة كمدخل للكتاب، ثم يعرض الأدلة الشرعية على الأحكام الفقهية في أبواب تفصيلة لمباحث الكتاب ثم يبين الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها، ثم يذكر أسباب الاختلاف وعللها، وكل ذلك ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق بالمنطوق به تعلقاً قريباً، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشى التقليد.
فالمصنف إذاً يريد أن يضع حصيلة اجتهادية للأبواب الفقهية بين يدي القارئ تمازجها تطبيقات أصولية كمستند فقهي لآراء الفقهاء، فيعطيه الفكرة العامة لآراء الفقهاء ويهيئ له أجواء الاجتهاد، كما أن المصنف لا يعالج مسائل افتراضية أو خيالية في سياق التعليم، إنما يترك ذلك للسائل بعد تأصيل عقلية علمية اجتهادية من المنطوق المتفق والمختلف فيه، قادرة على استنباط الأحكام للمسائل الفقهية الطارئة (المسكوت عنها) وقد بذل ابن رشد جهداً حقيقياً ومخلصاً في تأصيل هذه العقلية وتغذيتها العلمية من المسائل التي مورس عليها الاجتهاد، فيضع المسألة في الباب ويناقشها بالاقتضاب حيناً وبالاسهاب قليلاً حيناً آخر، إذ ليس من غرضه الاسترسال بقدر تبيان الآراء الفقهية ووضع التطبيقات الأصولية على الأحكام الشرعية، فكثيراً ما يشير في نهاية الكتب الفقهية للكتاب لهذا كقوله، وفروع هذا الباب كثيرة، ومما ذكرناه كفاية في غرضنا، وهذا القدر كاف في قواعد الكتاب.
مميزات الكتاب
من مميزات هذا الكتاب أيضاً أن المصنف عند تعرضه للمسائل الفقهية يذكر أقوال فقهاء الصحابة فيها وأقوال الفقهاء المسلمين الأعلام كأبي حنيفة والشافعي ومالك، الذي يبدأ المسألة برأيه وقلما يتطرق لآراء الأمام أحمد لأسباب سأذكرها لاحقاً في الخاتمة، وكثيراً ما يتوسع فيذكر أقوالاً لأصحاب المذاهب المذكورة، بل ويتجاوز ذلك الى آراء المذاهب الفقهية المنقرضة، كمذهب الثوري وداود الظاهري وابن حزم والاوزاعي والطبري.
يعتمد ابن رشد كثيراً- كما يصرح في آخر كتاب الطهارة – فيما نقله من أقوال المذاهب ونسبتها إلى أربابها على كتاب ( الاستذكار بمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار) لأبي عمر يوسف بن عبد البر.
يضع ابن رشد توطئة في كل باب تقريباً يبين فيها أوجه المسائل المثيرة للنقاش، ثم يناقش مسائل المنطوق من جميع وجوهها بالمتفق عليه والمختلف فيه بين الفقهاء، ثم يذكر وجه الخلاف ويذكر حجج كل واحد من المذاهب الرئيسية وسبب الجنوح لهذه الحجة، فأن كانت عقلية فيذكر طريقة الاستثمار من دلالة الألفاظ من حيث مقتضى الصيغ اللغوية أو الدلالة من حيث الفحوى والمفهوم ودليل الخطاب أو من حيث إشارة الألفاظ أو معقولها، ليفتح بذلك عقلية المجتهد على هذه التطبيقات بالتنبيه والتكرار كما ويتطرق لمصطلحات أصولية في السياق لم يتطرق إليها في المقدمة كالبراءة الأصلية والاستحسان وسد الذريعة، ويضع تعريف كل مصطلح قد يشكل على طالب الاجتهاد، كما وينبه كثيراً على القواعد الأصولية المعمول بها وغير المعمول بها عند مختلف الفقهاء.
يعتبر ابن رشد أن الأحكام الشرعية كلها معقولة المعنى، وبذلك يبطل قاعدة ( لا اجتهاد في معرض النص) والتي بتقديري أخص من أن تعمم بهذا الشكل .
كثيراً ما يتعرض المصنف لمداخلات يضع فيها رأيه أو ينتقد ويرجح بقوله قال القاضي، يعني نفسه أو الذي يعتقده، والحق أن كذا ... ، وبالمقابل يقف عند مسائل لا يرى فيها رأياً له أو لغيره كقوله، لا أدري له مذهباً، لا أعلم له دليلاً، لم أقف عليه، وهذا صدق علمي وأدب رفيع ينم عن شخصية مؤمنة تحترز للآخرة في إبداء ما لم تعلم وهو بذلك يستأنس بشخصية شيخه الأمام مالك الذي تمذهب بمذهبه .
موقفه من احمد بن حنبل
قلنا أن ابن رشد قلما يتطرق لآراء الأمام أحمد بن حنبل في المسائل الفقهية، ولا يعتبره من الفقهاء المعتبرين ويشير إلى ذلك صراحة في الكتاب عند إشارته بما يعنيه بالجمهور أن الثلاثة الفقهاء المعتبرين أبو حنيفة والشافعي ومالك منهم ولم يعتبر الأمام أحمد منهم، أعني الفقهاء المعتبرين أصحاب المذاهب .
وتصنيف الأمام أحمد من غير كبار الفقهاء المعتبرين، هو تصنيف لكثير من الفقهاء غير ابن رشد الذين درجوا على أن يعدوه من المحدثين على أن يعدوه من الفقهاء، ولعل الأمام الطبري كاد يقتل يوماً على أيد الحنابلة المتعصبين لأنه لم يعد الأمام احمد فقيهاً في كتابه "اختلاف الفقهاء".
وبتقديري أن الأمام أحمد مع جمعه لصفات الإمامة علماً وسلوكاً، وشهادة الشافعي له بأنه إمام في الكثير من العلوم ومن بينها الفقه إلا أن عدم تصنيفه من قبل أهل الاختصاص فقيهاً يرجع لعدة أمور هي:
1.أن الإمام أحمد اهتم بالحديث اهتماما كبيراً يفوق اهتمامه بالفقه ولذلك قد غلبت عليه سمة الحديث وهو يعد أكبر جامع للحديث عن النبي.
2.بين اشتغاله بتدوين الحديث ومحن السجون لم يؤصل مذهباً فقهياً في حياته كباقي الأئمة مع توفر ملكة الفقه عنده، والذي بين أيدينا من فقه المذهب هي آراء وإشارات فقهية للإمام جمعها وهذبها ابنه عبدالله وبعض تلاميذ الإمام بعد وفاته.
3.يعتبر الإمام أحمد مؤسس مدرسة النقل والتي اشتهرت لاحقاً (بالسلفية) والتي أخذت على عاتقها التصدي لإطلاق العنان للعقل المتمثل بالمعتزلة.
4.لعل الانجراف التام للنقل لحرص الإمام على الشريعة آنذاك لم يسبغه أو يشهره كفقيه إذ لا مندوحة عن مناورات العقل في هذا التخصص للاعتبار.