في دراسة مهمة نشرت مؤخراً في مجلة فورين أفيرز المشهورة لكل من كريستوفر س. بوند ولويس م. سيمونز بعنوان "جنوب شرق آسيا.. الجبهة المنسية" (ترجمها لـ"الغد" وقدم لها الزميل القدير علاء أبو زينة)، يطالب الباحثان بالعودة إلى مقاربة "القوة الذكية" بدلاً من الحروب والجيوش في التعاطي مع الظروف والبيئة المحفزة للنشاط "الأصولي الإسلامي" المعادي للولايات المتحدة، في المنطقة الشاسعة في جنوب شرق آسيا، حيث الكتلة السكانية المسلمة الكبيرة جداً هناك.
الفضل في تطوير مفهوم القوة الناعمة في العلاقات الدولية يعود بصورة أساسية للخبير الأميركي جوزيف ناي، والفرضية الأساسية فيه أن قوة أميركا الحقيقية ليست بالجيش ولا بالعسكر، بل بما أنتجته من ثقافة ومن قيم وفي أسلوب حياة الأميركيين وإنجازاتهم التي تستهوي قلوب ملايين الناس في مختلف أرجاء الأرض.
وعلى صعيد العمل الإسلامي، تبدو هذه هي المهمة الغائبة أو الجبهة المنسية في المعركة الحضارية اليوم، لدى اغلب الحركات الإسلامية والنشاطات الدعوية، إذ يجري التركيز دوماً على الصدامات والصراعات السياسية الداخلية والعسكرية الخارجية وعلى قضايا جزئية وفرعية، ويتم القفز على المهمة الكبرى والعليا، ألا وهي بناء القوة الناعمة الإسلامية على مستوى مجتمعاتنا وعلى صعيد إنساني عالمي بصورة واسعة.
ما لم يدركه الإسلاميون اليوم أنّ القوة الحضارية للأمم والشعوب لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على التوازن والموازنة بينها وبين القوة الناعمة، بل ومع عصر الانترنت والاقتصاد والمعرفة والتفاعلات الثقافية صارت للقوة الناعمة أهمية ودوراً أكبر وأخطر من القوة العسكرية.
ما فشلنا فيه بامتياز هو القوة الناعمة وليست العسكرية، بل نجد أنّ الشعوب العربية والمسلمة اليوم تثبت في ميدان القتال والحرب كفاءة نادرة (دع عنك الحروب العسكرية العربية السابقة الفاشلة، فلها قصة أخرى)، سواء في العراق أم لبنان أم أفغانستان، لكننا نفشل بصورة مرعبة ولافتة في صناعة الحضارة والثقافة والتقدم الصناعي والعلمي والمعرفي.
المفارقة أنّ حديث جوزيف ناي عن الموازنة بين القوة الناعمة والصلبة جاء متأخراً قروناً عديدة عما طبقه المسلمون فعلاً عندما فتحوا القارة الآسيوية نفسها بأخلاق التجار وممارستهم الواقعية.
وإذا كانت هنالك قيم إنسانية- كونية يفتخر فيها الأميركيون، فالإسلام نفسه يقوم على منظومة قيم إنسانية والخبرة الإسلامية حافلة بذلك، فضلاً عن التراث الصوفي والفلسفي والهائل، الذي يضيع اليوم، ويصبح بلا قيمة في بناء البعث الحضاري الإسلامي، في مقابل الكم الكبير من المحقق في التراث الإسلامي، بلا قيمة حقيقية!
الاحتلال العسكري مصيره إلى زوال ولن يبقى، والقوة العسكرية هي محصلة قوة الأمم وقدراتها في المجالات المختلفة، سياسياً واقتصادياً ومعرفياً.
الفشل الأخطر هو فشل العقل العربي المسلم اليوم في تجديد رسالة الإسلام وتقديمها للعالم بصيغتها الإنسانية الأخلاقية، وفي عكس أبعاد هذه الرسالة في الحياة اليومية وفي سلوك المسلمين وممارساتهم الأخلاقية والعقدية والاجتماعية.
لم يذهب المفكر المغربي، طه عبد الرحمن، بعيداً عندما اعتبر أنّ من آفات العمل الإسلامي المعاصر تغليب الجانب التسييسي على التأنيسي، ويمكن إضافة إهدار الرسالة الإنسانية للإسلام.
"كفاحية الدعوة الإسلامية" لا تكمن فقط في السياسة أو الصراع المباشر، بل في بناء إنسان الحضارة الفاعل، وفي بناء مجتمعات تؤمن بالتقدم والصناعة والتطور، وفي ترسيخ أخلاقيات الإسلام ورحمته وقيمه العليا على أرض الواقع.
ثمة ظلم كبير يقع على الإسلام والقرآن اليوم من قبل المسلمين أنفسهم، ويكمن ذلك في تغييب هذه القوة الناعمة الهائلة، التي لا بد من البدء فوراً في بنائها وتدشينها، وقبل ذلك وضع خريطتها التي تعيد المسلم إلى دورة التاريخ والحياة، بعد أن أثبتت تقارير التنمية الإنسانية العربية والتقارير الدولية أنّنا خارج هذه الدورة، وأنّ المشكلة لا تقف عند تخوم السياسة وحدها.
المقدمة لذلك كله العودة إلى الشعار الذي رفعه ابن باديس ومن ورائه مالك بن نبي وجودت سعيد "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" ليكون عنواناً لرد الاعتبار للفرد المسلم بصفته الركن الرئيس في القوة الناعمة الإسلامية العالمية.