فهد الخيطان

جنوب السودان.. إلى الطامحين بالانفصال

تم نشره في الاثنين 11 تموز / يوليو 2016. 11:08 مـساءً

يوم استقل جنوب السودان عن الدولة الأم، قال منظرو نظرية المؤامرة إن أميركا والدول الغربية ستحتضن شعب الكيان الوليد، وتغدق عليه بالمساعدات، وتجعل من جنوب السودان نموذجا يتمنى أشقاؤهم في الشمال أن ينالوا اليسير منه.
استندت هذه الفرضية لقناعة مفادها أن الغرب يتآمر على السودان لكونه بلدا عربيا وإسلاميا، والمنشقون عنه خليط من القبائل المسيحية واللادينية، ولا بد في مثل هذه الحال أن لا يتركهم الغرب يعيشيون حياة تعيسة.
انظروا إلى جنوب السودان بعد خمس سنوات على الاستقلال المهيب؛ دولة تغرق بالصراعات القبلية المسلحة، تضربها المجاعة، ويموت شعبها بأمراض انقرضت في عموم الكرة الأرضية. وآخر فصول المأساة صراع مسلح على السلطة بين الرئيس ونائبه، راح ضحيته المئات في غضون أيام، ومستقبل مفتوح على حرب أهلية جديدة.
لم يفعل الغرب شيئا لجنوب السودان؛ بعثة أممية توزع الغذاء والدواء على الجوعى، وقوات حفظ سلام أخفقت في حماية نفسها. لا مشاريع تنموية ولا استثمارات، رغم توافر النفط. تُركت البلاد تغرق في صراع مرير على السلطة والنفوذ بين قادة الحرب وزعماء قبائل يتاجرون بأرواح البشر وثروات البلاد.
كان الانطباع عن الرعاية الغربية لدولة الجنوب مجرد أوهام. لم يعبأ أحد في الغرب بمستقبلها. الجنوبيون اختاروا طريقهم. صحيح أن المجتمع الدولي والقوى الغربية دعمت خيارهم. ليس تآمرا على السودان، بل لقناعة استقرت بأن انفصال الجنوب هو طريق السودان بشماله وجنوبه للخلاص من الحروب الأهلية والمعاناة الممتدة لعقود طويلة.
بالنتيجة؛ لا الجنوب وجد طريقه للمستقبل السعيد، ولا الشمال نعم بالاستقرار. دولة الجنوب ولدت مشوهة وعاجزة عن النهوض، والسودان الأصيل ظل غارقا بصراعاته ومشاكله التي لا تنتهي.
في الجنوب قُتل المؤسس، فتصارع الخلفاء الطامحون على السلطة. وفي الشمال، صار رئيس البلاد على قوائم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وتفاقمت صراعات الأقاليم والحدود.
الجنوب تبدّى للعالم كله على حقيقته؛ مجتمع قبلي، غالبية سكانه الساحقة من الأميين والفقراء المعدمين، لا يجدون قوت يومهم، فكيف يقوون على بناء دولة مزدهرة.
ثروة النفط وحدها ليست كافية لبناء دولة حديثة. مجتمعات كجنوب السودان لا تملك شروط النجاح لبناء دولة. العالم والغرب منه، تحكمه لغة المصالح لا العواطف وصلات الدين. لم يجد في نموذج الجنوب ما يغري بالمجازفة، فأشاح بوجهه عن الدولة الوليدة.
أقصى ما بذل من جهد لوقف القتال المندلع أخيرا في شوارع جوبا، اجتماع لمجلس الأمن الدولي انتهى ببيان يناشد أطراف النزاع وقف القتال فورا. في اليوم التالي لصدور البيان، تجدد القتال بشراسة أكثر!
أما الدول الغربية، فشرعت على الفور بإجلاء رعاياها من جوبا، وستلحق بها عما قريب البعثات الدولية والمنظمات الإنسانية. وسيترك جنوب السودان ينعم وحده بالاستقلال.
هكذا الحال في كل مكان؛ الدولة التي تخفق في إدارة شؤونها ورعاية مصالحها، لن تجد من يساعدها، إذا لم تنهض هي أولا.
الطامحون بالانفصال والاستقلال في منطقتنا عليهم أن يتأملوا بالنموذج السوداني.

التعليق