تركيا: وداعا للديمقراطية والعلمانية

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2016. 12:05 صباحاً

بصرف النظر عن الجدل الدائر حول محاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة في تركيا، وما إذا كانت مُدبرة أم محاولة انقلاب مُدبرة من أعداء أردوغان، فهذه مسألة قد يبت فيها المؤرخون لاحقاً؛ إلا  أن النتائج المترتبة على محاولة الانقلاب على الصعيد التركي ستكون لها آثار عميقة واستراتيجية على الدولة التركية، وتنبئ بتحولات مهمة في طبيعة النظام السياسي والصراع الداخلي في تركيا، وعلى مكانتها العالمية والإقليمية. وهناك ثلاث قضايا أعتقد أنها محورية يمكن طرحها للنقاش بهذا الموضوع.
القضية الأولى، مرتبطة بهوية الدولة التركية التي حاولت واستطاعت على مدى فترة زمنية طويلة الموازنة بين الهوية الأوروبية بحكم وجودها جزئياً في أوروبا، وهويتها كدولة إسلامية وشرق أوسطية في الآن ذاته. وقبل مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم، كانت النخبة الحاكمة تحاول التركيز على الهوية الأوروبية لتركيا، لذلك فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتتمتع بعلاقات مميزة مع أوروبا، وتحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي كانت شروطه صعبة، وقطعت تركيا شوطاً كبيراً في تلبية هذه الشروط، لكن ما يزال الاتحاد الأوروبي يبدي موقفاً مشدداً من بعض القضايا.
وبعد أن جاء حزب العدالة والتنمية للحكم استمر في سعيه لعضوية الاتحاد الأوروبي. لكن يبدو أن "الربيع العربي" وفّر -من وجهة نظر أردوغان- فرصة ذهبية لإعادة إحياء الهوية الإسلامية للدولة التركية من خلال دعمها لحركة الإخوان المسلمين في الدول العربية كافة، على أمل إحياء الهيمنة التركية بروح عثمانية. ولو نجحت في ذلك لكان أكبر تعويض عن الهوية الأوروبية، وتم إحياء الهيمنة العثمانية الجديدة في المنطقة. لكن سرعان ما فشل هذا المشروع وتراجع الوجود التركي بالمنطقة بشكل متسارع، وبخاصة في مصر وسورية.
أما القضية الثانية وترتبط بالأولى؛ فهي علمانية الدولة التركية التي كانت المؤسسة العسكرية هي الحامية لها. فليس خفياً وجود توتر كبير بينها وبين حزب العدالة والتنمية وصراع خفي وأحياناً معلن أدى لاتخاذ أردوغان خطوات عديدة باتجاه إضعاف المؤسسة العسكرية والإلغاء التدريجي لثوابت العلمانية التركية، وزيادة المظاهر الدينية في الحياة السياسية. وكما أعلن بعد الانقلاب، فإن أردوغان ينوي الإطاحة برمز العلمانية التركية، وهو مركز أتاتورك الثقافي، وبناء متحف إسلامي في ميدان تقسيم مكانه. بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنشهد مزيداً من الإجراءات لإضعاف الطابع العلماني للدولة التركية واستبدالها بالهوية الدينية. أما القضية الأخيرة  المهمة، فهي الديمقراطية التي من الواضح أن أردوغان أضعفها باتخاذ إجراءات عديدة  قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، ولكنها ستتلقى ضربة كبيرة بعد هذه المحاولة، وطرد أكثر من خمسين ألف موظف عام في مناحي الدولة كافة في حالة أشبه ما تكون بحركة تطهير، ليس فقط للمعارضين لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وإنما للمؤسسات العلمانية الأساسية، مثل القضاء، والجامعات، والإعلام. والذي يزيد الشكوك حول وجود هذا المخطط مسبقاً هو السرعة التي أعلن بها تسريح ما يقارب ثلاثة آلاف قاضٍ بعد ساعات من فشل محاولة الانقلاب. والسؤال الذي يدور في نفس المراقبين هو: كيف تم تجميع الأدلة الأولية حول هذا العدد الضخم من الموظفين، وبخاصة في القطاع المدني؟
ستكون الطريق معبدة أمام أردوغان لتغيير الدستور التركي باتجاه تحويله لنظام رئاسي يضمن له الحكم لسنوات طويلة مع سلطات واسعة أو مطلقة تضعه في مصاف الدكتاتوريات المعروفة في المنطقة، وتؤدي إلى تراجع الديمقراطية في تركيا. قد يكون أردوغان أضاع فرصة كبيرة لتعزيز الديمقراطية التركية إذا كان ادعاؤه بأن الشعب هو الذي أفشل الانقلاب بالإضافة لإدانة كل الأحزاب السياسية محاولة الانقلاب الفاشلة، ولكن العكس مما يحدث الآن.
لقد بات من الواضح أن محاولة الانقلاب الفاشلة ستكون لها تداعيات مهمة على هوية النظام السياسي. وأخرى مستقبلية، من أهمها تراجع اهتمام تركيا بالهوية الأوروبية، وإبراز الهوية الدينية، وتراجع البعد العلماني الذي كان ميزة لتركيا خلال القرن الماضي، وتراجع الديمقراطية. سيكون أردوغان سلطان تركيا من دون منازع، ولكن على المستوى التركي، وسيضعف الحضور العالمي والإقليمي لتركيا.

التعليق