ثلاث لحظات إسلامية.. اللحظة الصوفية

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

لربما كان ثمة إجحاف مُخلّ فيما اصطلح عليه محمد عابد الجابري بـ"العقل المستقيل"، أثناء توصيفه للعقل العرفاني أو العقل الصوفي الإسلامي، في مشروعه النقدي "نقد العقل العربي". وذلك نظراً للإرث المعرفي الهائل الذي استطاع العقل الصوفي اجتراحه وإبداع نصوصه، لاسيما في فترة سابقة من التاريخ الإسلامي، بما شكّل أحد الروافد العظيمة لإرواء الظمأ البشري تجاه البُعدين "الفيزيقي" و"الميتافيزيقي" عند الإنسان، دونما إكراهات قانونية تستلزم عقوبات مُغلّظة، بما يتجاوز حدود مواضعاته العقدية في صيغتها الفقهية، بما يجعل من الحِراك المعرفي في صيغته الصوفية، أحد أبرز التوجّهات السلمية عند الإنسان على الإطلاق.
ولربما -مرة أخرى- كان الاجتراح الأكبر للعقل الصوفي، هو في مواضعاته لمفاهيمية جديدة لاصطلاحات: الإله والإنسان والعالَم، بما كان أن يُنقذ العقل الإسلامي -في حال أبقى على حالة الثراء المعرفي، دونما إكراهات مميتة- من كبوته التي صار إليها، يوم أن ركن ركوناً أخيراً إلى مواضعات العقل الفقهي ومفاهيميته لهذه الاصطلاحات التأسيسية. فالرؤية التي يُؤسّس لها العقل الصوفي هي رؤية تفاعلية في هذا الكون، لا رؤية انسحابية كما تفترض أدبيات العقل المستقيل، أو رؤية تجديفية كما تفترض أدبيات العقل الفقهي.
فالعقل الصوفي إذ اجترح -انطلاقاً من النص الديني أساساً- رؤيته التأويلية الهائلة:
1- للإنسان، بصفته مُحبَّاً، يعيش حالةً من الشغف الأنطولوجي مع المحبوب المُبتغى. وبإزاء هذا الشغف العشقي، يكابد الإنسان مكابدة لِذّية أبد الدهر للتحرّر من ضغائنه وأحقاده وكراهياته، فهو بصدد الاشتغال على ذاته اشتغالاً أخلاقياً، فالوصل والوصال مع المحبوب، يتطلّب نظافة داخلية كبيرة.
2- للإله، بصفته محبوباً يُبتغى، يتمثّله المُحبّ في كل صغيرة وكبيرة، بما يجعله في حضور دائم في الاجتماع الإنساني، لكن هذه المرة ليس على الطريقة الفقهية، بكونه إلهاً يترصّد الناس ليخطئوا فيعاقبهم بشدّة في الدنيا قبل الآخرة، بل بصفته محبوباً تتوطّد علاقته بالإنسان حِبّياً، بما يُعينه على عمارة الكون وفقاً لناموس الحب، لا وفقاً لقانون الخوف.
3- للعالَم، بوصفه قنطرة واصلة بين الإنسان والإله، بما يمنحها أهمية قصوى في الوجود الإنساني؛ فهي ليست للعبور فقط والتموقع خارجها، بل هي للاكتشاف أساساً، فربما تجلّى الإله في واحدة من ثناياها؛ لذا ثمة شوق دائم من المُحبّ للعالم، كنوعٍ من الاستعداد الدائم للقاء المحبوب.
وعلى عكس ما يُشاع -كما أرى- فإن العقل الصوفي في جانبه المعرفي، كان قد أبدع رؤية هائلة للوجود الإنساني والعلاقة التي تربطه بالعالَم من جهة وبالإله من جهة ثانية، بما يُولّد شعلة الحضارة الإنسانية في الزمن والمكان. لكن حرباً ضروساً خيضت ضدّ هذه الرؤية، بصفتها رؤية تعطيلية للإمكان الإبداعي من جهة، كما رأت بعض الأقلام الفكرية الإسلامية؛ ورؤية تجديفية على الأنساق الدينية القارّة والثابتة من جهة ثانية، كما رأت المؤسسة الدينية في تجلّيها الفقهي. ولقد رأينا أحد أبرز رموز العقل الصوفي الإسلامي في تاريخه كلّه (= الحلاج) قد دفع ثمناً باهظاً نتيجة للمواضعات المعرفية التي ضمنها نصوصه، ومَوْقعَ داخلها رؤيةً مغايرة لله والإنسان والعالم، عمّا هو سائد يومذاك. وما يزال الأمر كذلك حتى هذه اللحظة من وجهة نظر المؤسسة الدينية الفقهية.
وقد كان لحاضرة العالَم الإسلامي أن تنتج جملةً من النصوص المعرفية الصوفية، سيكون لها بالغ الأثر في الإنسانية جمعاء. وسيتم استلهام هذه الرؤى لغاية البحث عن المشترك بين الناس جميعاً، بما يتجاوز حدود الأديان ودمجهم جميعاً في دينٍ إنساني واحد. وستعتبر نصوص ابن عربي والسهروردي والحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية وجلال الدين الرومي، شاهداً إسلامياً حياً على عمق الرؤية الفلسفية التي تضمنتها هذه النصوص الهائلة، وحملت في متونها أملاً كبيراً للإنسان، فهو في حُبّ دائم، يساعد الإنسان على الإنتاج والإثمار.
وقد كان لهذه النصوص أن تُستعاد على مدار العصور، بصفتها جزءاً من الحِراك المعرفي الذي يرتقي بالإنسان إلى مصافّ علوية، عبر تحفيز قيمه النبيلة، ومَوْضعة الحياة مَوْضَعَةً تليق بهذه القيم. وقد كان لنا مؤخراً -وأختار نصين هنا، اقتضاء لواقع الحال- أن نرى النص الروائي "قواعد العشق الأربعون"، الذي استوحته الروائية "أليف شافاق" من حياتي اثنين من أكبر المتصوفة في التاريخ الإسلامي: شمس التبريزي وجلال الدين الرومي، وتدمجه بسياقات اجتماعية في زماننا الحاضر، بما ينزع عن النص الصوفي صفة الانسحابية السلبية من العالَم. وقبل ذلك بقليل كان لنا أن نُعاين النص الروائي الآخر "السيد إبراهيم وأزهار القرآن"، للروائي "إريك إيمانويل شميدت"، والذي قارب فيه شخصية إسلامية صوفية (= السيد إبراهيم)، كان لها الدور الحاسم في تعزيز قيمة الحياة، ليس عنده فحسب، بل لدى البطل الآخر في الرواية (= موسى اليهودي). فرؤيته الصوفية -كما جاء على لسانه في الرواية- لا تحمل رؤية تصالحية مع الآخر فقط لا غير -نظراً للمفاهيمية المختلفة التي يحملها تجاه الإنسان والإله والعالم- بل وتحمل في طياتها عملاً دؤوباً، يتجّه ناحية إعمار الحياة بحبّ منقطع النظير.
وإذا كان قد أشيع في العالَم الإسلامي رؤية صوفية تقوم على هزّ الرؤوس والدخول في حالات دروشةٍ، لغاية الانسحاب من الواقع المعيش، انسحاباً سلبياً، بما يُدمّر قيمة الاستخلاف الإلهي للإنسان في هذا العالَم، فلاتجاه كثير من حركات التصوّف الإسلامي، ناحية التصوّف الجسدي، لا ناحية التصوّف العقلي. فحلقات الذِكَر التي تسعى إلى استنزاف الجسد، عبر اجتراره لحركات مُتعارف عليها، تترافق مع ترديد بعض الأذكار الدينية المُتفّق عليها؛ ليست تلك المقصودة بالرؤية الصوفية للوجود، فالصوفي الحقيقي، هو الذي يحمل رؤية حِبّية للإله والإنسان والعالَم، ويسعى إلى تطبيقها على أرض الواقع من لحظة ميلاده الواعي إلى لحظة موته المادي، فهو غير منسحب من العالَم بالمرة، بل هو مندمج فيه حتى النخاع، لغاية تحقيق القدرة الإنسانية على الارتقاء من مرحلة "الخوف/ التخويف" الديني، إلى مرحلة الحبّ الوجودي.
ولربما -للمرة الثالثة- نحن بحاجةٍ إلى استعادة اللحظة الصوفية، استعادةً معرفية أولاً، بما نتمثّل قوة المتون فلسفياً، وقدرتها على إحداث إزاحات في العقل الجمعي. واستعادة واقعية ثانياً، فذاك الناموس الحِبّي، الذي يربط الإله بالإنسان والعالَم، بحاجةٍ إلى تعزيز وتفعيل أثناء تواصلية الإنسان مع هذه الإحداثيات الثلاث، ودورها في تجسيد قيمة الاستخلاف الإلهي للإنسان هُنا والآن، في أبهى صورها وأجلّ معانيها.

التعليق