موعظة وعبرة في "حكاية حفرة"

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

د. نارت قاخون

هذه حكاية سمعتُ أصلها من صديق عربيّ تُحكى على سبيل "الخيال الساخر"، وتعبّر عن واقع نعيشه ليس هذه الأيّام وحسب، بل منذ زمن بعيد، أحكيها لكم بزيادات وتفصيلات من عندي.
اكتشف سكّان "مدينة ما" وجود "حفرة" عند منعطف إحدى الطرقات، لا يُعلم على وجه اليقين كيف حُفرت، وهل هي من "فعل فاعل"؟ أم من أثر العوامل الطبيعيّة؟ المهمّ أنّ الحفرة تسبّبت بحوادث سير أدّت إلى وفيات وإصابات.
بعد سنة من الحوادث والضحايا لاحظ "مسؤولو المدينة" المشكلة، فجاء وفد رسميّ ليعاين "الحفرة"، فقرّروا تشكيل "لجنة مختصّة" تدرس الأمر برئاسة "عمدة المدينة".
ازدادت الحوادث عند "الحفرة"، و"اللجنة" تدرس الأمر ولا تريد الخروج بقرارات "متعجّلة" لا تتّسم بـ"الحكمة" و"بُعد النّظر"! ولكن لكثرة الحوادث وشكوى أهالي المدينة قرّرت "اللجنة" وضع سيارة إسعاف جوار "الحفرة" لتخفّف من آثار "الحوادث".
استمرّ الأمر كذلك سنة أخرى و"الحفرة تزداد يوماً بعد يوم، فرأت "اللجنة" أنّ سيارة الإسعاف لن تجدي نفعاً، فقرّرت بناء "مركز طوارئ" مجهّز بأحدث الأجهزة يُقام عند "الحفرة"، فاقترح أحد أعضاء "اللجنة" بناء مستشفىً كبير عوض "مركز طوارئ"؛ فبُعد النّظر و"التخطيط الاستراتيجيّ" يقول إنّ "مركز الطوارئ" لن يكون كافياً لتحمّل آثار "الحفرة" مستقبلاً.
وهكذا كان، استمرّ بناء المستشفى عشر سنوات، وكلّف مئات الملايين، حدثت أثناءها أشياء كثيرة، فشركة المقاولات التي أسّسها "العمدة وأبناؤه" لبناء "المستشفى" كبُرت وقامت بمشاريع كبيرة، منها فندق فخم يطلّ على "الحفرة"، فقد لاحظ "المسؤولون" أنّ "الحفرة" تسبّب ازدحام سير شديداً، ممّا يُؤخّر مرور السيارات، فيُضطر أصحابها لقضاء ليلة أو أكثر داخل سياراتهم. كما لاحظ "أصحاب ورش تصليح السيّارات" حاجة كثير من السيارات للتصليح ففتحوا "ورشاً" هناك، و"الحفرة تزداد سنة بعد سنة".
مرّت سنوات كثيرة، وصار ما حول "الحفرة" مدينة كاملة؛ مدينة بمراكزها التجاريّة التي يملكها "أعضاء اللجنة وأحفاد أحفادهم"، ومجمّعات سكنيّة للعاملين والموظّفين في "اللجان الفرعيّة"، والنشاطات التجاريّة المحيطة بـ"الحفرة"، ومساجدها الكثيرة ومدارسها الأقلّ.
وبقيت "الحفرة" على حالها تصطاد "الضحايا" الذين يزداد عددهم سنويّاً، حتى قرّر أحد "أئمة المساجد" بناء مسجد على قبور الضحايا يُتّخذ "مزاراً يُزار ويُتبرّك به"، فأغضب ذلك فئة ترى هذا الفعل "بدعة ضالة"، فاختلفوا واقتتلوا حتى صار أهل المدينة "مذهبين"، ثمّ تفرّخت "المذاهب" حتى خرج العدد عن إمكان الحصر، وصار لكلّ جماعة مساجدها وخطباؤها وأئمتها وكتبها، ومع عصر "الفضائيات" صار لكلّ فئة "قناتها".
كبُرت "مدينة الحفرة"، وأُعجب آخرون بتجربة "الحفرة"، فحفروا لهم "حفرة"، حتى صارت "الحفرة حفراً"، وصارت مدينة الحفرة "بلاداً بوسعها"، وتقاسم مكاسبها الاقتصاديّة أحفاد أحفاد "أعضاء اللجنة"، وأصدقاؤهم، وكلّ من يدخل "اللجنة" التي ما تزال منعقدة لدراسة "مشكلة الحفرة"!
في بلاد "الحفرة" ملايين من البشر، وعشرات "المدن"، في كلّ مدينة "قلّة" تستثمر في "الحفرة وأخواتها"، وكثرة تقلّب عيشها فيما يُتاح لها، فهناك "متسوّلون" و"عمّال" و"مدرّسون ومدرّسات"، وأطبّاء ومهندسون ومحامون، وهناك أئمة يروّجون لمذهبهم في "الحفرة"، وموقفهم ممن "يُقتل فيها" وبسببها. كلّ هذا وضحايا الحفرة يزدادون يوماً بعد يوم.
بعد سنوات أكثر، رأى نفر من أهل "بلاد الحفرة" أنّ "الحفرة" عقبة كبيرة تقف أمام "التقدّم"؛ فهي تستنزف الموارد والقوى، ولا تُفيد إلا المتكسّبين من وجودها. بينما عامة النّاس تروح ضحيّة "الحفرة" بلا ذنب، فلا بدّ من ردمها وتجاوزها. فهاج المستفيدون من "الحفرة" في بلاد الحفرة وخارجها عليهم، وهيّجوا عامّة النّاس التي لا تعرف من تاريخها وهويّتها ومذاهبها إلا "الحفرة" حتى صار شعارهم: "لا وجود لنا إلا بوجود "الحفرة"، فماذا يبقى من تاريخنا وحاضرنا إذا ذهبت "الحفرة""؟!
هذه الحكاية برمزيّتها المكشوفة وتفاصيلها سهلة الاستحضار، تعبّر عن "منهج" متّبع منذ مئات السنين في ثقافتنا وتاريخنا وواقعنا، يقوم على عدم مواجهة المشكلة مواجهة جذريّة، بل الالتفاف عليها ممّا يسمح بنشوء منظومات ثقافيّة وفكريّة ومذهبيّة تعتاش وتستمدّ وجودها من بقاء "المشاكل أو الحفر"، ما يؤدّي إلى تعقيد المشكلة وتشكّل جماعات وفئات مستفيدة منها ومن بقائها.
قد أُتّهم بسذاجة وسطحيّة ستكون مسوَّغة إذا ما توقّفتُ دون الإشارة إلى أنّ "المشاكل" و"الحفر" الفكريّة والمجتمعيّة والسياسيّة كانت عبر الخبرة الإنسانيّة كلّها سبباً من أسباب تقدّمها وارتقاء حياتها وتعقيدها أيضاً، ولكنّ المأزق يتضاعف حين تصبح تلك المشاكل سبباً يعيد إنتاج عوائق التقدّم والعبور إلى آفاق ممكنة قد تأتي بمنافع أكبر من تلك التي جاءت بسبب تلك المشاكل ومحاولات الالتفاف عليها، أو أن تتحوّل تلك "الحفر" القديمة إلى هاوية تتجدّد كلّ يوم لنسقط فيها ولا نستطيع النهوض.
ومن جهة أخرى فإنّ "الحفر الفكريّة" ليست بجلاء "الحفر الطبيعيّة" التي نراها في الطرقات، فبعض هذه "الحفر" ستجد من يجادل في كونها مجرّد "حفرة" قابلة للردم، فيراها جزءاً من تضاريس الأمّة وتاريخها التي لا يُمكن تجاوزها إلا بجسور خاصة تسمح لأصحاب هذه الجسور وحدهم بالمرور والعبور.
وللتوضيح أضرب مثلاً بقضيّة "السنّة والشيعة"، فهذه قضيّة حفرت في العقل والوجدان المسلمَين حفرة عميقة صار ردمها عسيراً جداً، لاسيّما أنّها ولّدت حفراً أخرى ولا تزال، إضافة إلى إرث متراكم من الطرفين تأسّس بالإقامة على حوافّ "الحفرة" دون محاولة ردمها أو تجاوزها إلى ممكنات الآفاق.
لم يكن المأزق المؤسّس للحفرة المذهبيّة بل الهاوية إلا مأزقاً سياقيّاً تاريخيّاً سياسيّاً، أصابت فيه فئة وأخطأت أخرى، ثمّ تحوّل إلى بؤرة مؤسِّسة لأفكار وآراء تصل عند أتباع المذاهب المختلفة حدّ العقائد الراسخة التي تميز المؤمن من غير المؤمن. وصارت أيّة دعوة إلى تجاوز هذا الإرث وتوابعه الدمويّة الاحترابيّة تُتّهم بالميوعة وخذلان الحقّ! طبعاً "الحقّ" و"الحقيقة" اللذين تختزلهما كلّ فئة في رأيها وموقفها.
والأمثلة على "الحفر" التي لم نعالجها تاريخيّاً معالجة جذريّة لننطلق إلى آفاق أرحب كثيرة، فالقارئ لجدل "التنوير" و"التجديد" في سياق الخطاب الإسلاميّ يُدرك أنّ الدوران المغلق حول الحفر يمثِّل سمة طاغية عليه سواء من دعاته -أي التجديد- أو معارضيه، فنجد قضيّة النزاع بين "العقل والنقل" مثلاً لا تزال تدور حول نفسها منذ مئات السنين، وكلّ ما يفعله أغلب المتجادلين هو الدعوة إلى موقف قديم يقابله آخرون يدعون إلى موقف قديم آخر.
وكذلك الموقف من "الأحاديث" قبولاً ورفضاً، ثمّ موقعها من "القرآن" و"العقل" و"العلم". وكذلك الموقف من تفسير القرآن وتأويله، ومدى حاجة التجربة الإنسانيّة إليه بل إلى الدّين نفسه. وكذلك الموقف من حدود التداخل والتقاطع والتوازي والتضاد بين "الخبرة الدّينيّة" و"الخبرة الحياتيّة" بتجلّياتها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
لستُ من السذاجة لأتصوّر أنّ مثل هذه المشاكل تقبل الحسم والتجاوز المتين السريع، ولكن في المقابل لا أتصوّر أنّها مشاكل لا يُمكن ردمها أو تجاوزها إلى آفاق أخرى متى استطاعت "كتلة حرجة" من جموع هذه الأمّة أن تجترح هذه الآفاق مستعينة بالظروف والشروط التاريخيّة التي توفّر لمشروعها عوامل النّجاح.
وإذا ما عدنا إلى تلك البلاد التي نشأت حول "الحفرة"، فليس تجاوز "الحفرة" أو ردمها يعني إزالة البلاد والمدن التي نشأت حولها، بل يكفي أن نفكّ اشتراط وجود هذه المدن والحواضر بتلك الحفر التي أصبحت حفراً انهداميّة تكاد تذهب بالبلاد والعباد. وعليه فليبقَ أهل المذاهب على مذاهبهم إن أرادوا، وليبقَ أهل التفاسير المختلفة على تفسيراتهم إن شاؤوا أيضاً، ولكن أليس في حدّة التحديّات التي نواجه، وآفاق الممكنات التي تلوح لنا ما يدفعنا للردم والتجاوز عسى أن نجد قاعدة مشتركة نواجه بها الخطر العام الداهم أو نغنم المصالح العامة في إطار من العيش المشترك الذي لا يتطلّب إلغاء الاختلاف بل حسن إدارة "الخلاف"؟
هذه حكاية "الحفرة" أترك للقارئ الكريم أن يوافقني أو يخالفني في أمثلتها وإسقاطاتها، وله أن يقترح أمثلة أخرى كثيرة إن شاء أيضاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل يتجاوز الحفر. (سعيد شقم)

    الجمعة 29 تموز / يوليو 2016.
    ضرب الامثلة بهدف الايضاح للفكرة امر جيد. الهروب من المشاكل والدوران حولها ثقافة مضرة. اتمنى ان نتجاوزها فكريا وعمليا.

    .