التأويل الباطل سلاح لتحريف الإسلام!

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

مما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، أن الأمم ستتكالب عليها تكالب الأكَلة على قصعتها. وقد أصبح هذا في زمننا الحالي مشاهدا بالصوت والصورة بوضوح، وفي التوّ واللحظة، بعد أن كانت أخبار تروى وحكايات تدوّن لا تصل وتدرَك إلا بعد أزمان من حدوثها.
وتكالب الأمم على أمة الإسلام والقرآن لا يقتصر على العدوان المادي؛ بالغزو والقصف والتفجير والهدم والقتل والتخريب والأسر والتهجير، بل هو أيضاً عدوان معنوي بتحريف الدين وتشويه الإسلام. ومن ذلك تكالب الطائفيين والدواعش وعلمانيين في زماننا على استخدام سلاح التأويل الباطل والفاسد لتحريف الإسلام ليوافق هواهم ومرادهم، لا مراد الله عز وجل.
والتأويل الباطل متعدد الأشكال والصور؛ فهو تحريف كلام الله عز وجل، أو تنزيل كلام الله عز وجل في غير موضعه، أو صرف معنى كلام الله عز وجل عن حقيقته لمعنى آخر من دون قرينة أو دليل صحيحين. وهذا التأويل الباطل لكلام الله عز وجل أساس خراب الدين والدنيا في تاريخ البشرية كلها؛ قال الإمام ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين": "فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرِده الله ورسوله بكلامه ولا دلّ عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد".
وقال ابن أبي العز في شرحه للطحاوية: "فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين، ومقتل الحسين رضي الله عنه، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟".
أما د. عمر الأشقر فيقول في كتابه "التأويل": "لقد كان التأويل باب شرّ كبير، ولج منه الذين يريدون هدم الإسلام، فما تركوا شيئاً إلا أوّلوه، ولولا حماية الله ورعايته لهذا الدين لدرست معالمه وضاعت حدوده.
"لقد أوّل الضالون الواجبات فصرفوها عن وجهها، وهوّنوا على أتباعهم رميها وراء ظهورهم. وأوّلوا المحرمات تأويلاً جر الذين ضلوا بضلالهم على ارتكابها والولوغ فيها. وأولوا نصوص عذاب القبر ونعيمه، والساعة وأهوالها، والمعاد والحشر والميزان والجنة والنار بحيث فقدت النصوص تأثيرها في نفوس العباد. وأوّلوا نصوص الصفات تأويلاً أضعف صلة العباد بربهم، وأفقد النصوص هيبتها إذ جعلوها لعبة في أيدي المؤولين، يجتهدون ليلهم ونهارهم في صرفها عن وجهها بشتى أنواع التأويل".
وإذا كان تأويل السابقين يصرف كلام الله عز وجل عن مراده من دون قرينة ودليل، فإن تأويل علمانيين وحداثيين اليوم يصرف كلام الله عز وجل عن أن يكون ديناً وشريعة أصلاً؛ فكثير منهم يتعامل مع كلام الرب سبحانه باعتباره نصا كأي نص، ومنتجا بشريا، فيجوز عليه الخطأ! ويجوز عليه الإلغاء! ويجوز عليه التبديل والتطوير والتحسين! وقبل هذا كله يجوز عليه التأويل الذي -في المفهوم العلماني- يصل درجة نقض النص وقلبه بالكلية!
يقول حامد نصر أبو زيد في كتابه "نقد الخطاب الديني" (ص206): "أصبحنا الآن في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة، وأن أصلها الإلهي لا يعني أنها في درسها وتحليلها تحتاج لمنهجيات ذات طبيعة خاصة تتناسب مع طبيعتها الإلهية الخاصة"! إن هؤلاء العلمانيين والحداثيين يساوون القرآن الكريم كلام الرب الجليل بأي قصيدة أو رواية، وهل هناك عدوان على الإسلام والوحي والقرآن أشد من هذا؟
وقد أدرك أعداء الأمة الإسلامية الدور الهدام لهذه التيارات المنحرفة في هدم الإسلام وحربه، ففتحوا أبوابهم لهم حتى سميت لندن بـ"لندستان" لحمايتها رموز التطرف والغلو الإسلامي بإيوائهم ومنحهم اللجوء وحرية الترويج للغلو والتطرف. وفي ربوع الغرب والشرق نعم أولئك الحداثيون بالرعاية والدعم والتأييد لنشر تأويلاتهم الباطلة ونشاطاتهم المخربة. أما الطائفيون، فقد أصبحوا الحلفاء الثقات طالما أن جهودهم تنصب على تحريف الإسلام ونشر هذا التحريف في أوساط المسلمين يميناً وشمالاً. ويرافق هذا التحريف قتل وإبادة وحشية للمسلمين فقط، حتى على حدود فلسطين مع الجولان مثلاً!
ويكفي لمعرفة خطر سلاح التأويل الباطل للوحي الإلهي في القرآن والسنة والدين والشريعة الذي يستخدمه الطائفيون والدواعش وعلمانيون، أن نتعرف على أمثلة من تأويلهم الباطل والضال لكلام الله عز وجل ووحيه في القرآن الكريم والسنة النبوية:
* من تأويلات الطائفيين:
- يؤولون لفظة الصلاة الواردة في قوله تعالى: "حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ" (البقرة، الآية 238)، بأن قالوا: الصلوات هي رسول الله وأمير المؤمنين عليٌّ والحسن والحسين، والصلاة الوسطى هي عليٌّ وحده!
ويؤولون قوله تعالى: "وقوموا لله قانتين" بأنه: طائعين للأئمة. فجعلوا الله عز وجل والأئمة شيئا واحدا! (تفسير العياشي وتفسير البرهان).
- أما قوله تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ" (الملك، الآية 30)، فحرّفوه وأوّلوه تأويلا باطلا فقالوا: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد! (الكافي للكليني).
* من تأويلات الدواعش:
منذ ظهور الخوارج في زمن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والخوارج يؤولون قوله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ" (الأنعام، الآية 57)، على تكفير الخليفة الرابع ومَن بعده لأنه سعى إلى حقن دماء المسلمين والتصالح والتفاهم مع الفريق المخالف له عبر لجنة تحكيم. وما يزال الدواعش لليوم على منهج الخوارج الأوّلين سائرين، فهم يدّعون ويزعمون الجهاد من أجل تحكيم الشريعة الإسلامية، ولكنهم يحصرون ذلك في التحاكم إلى محاكمهم هم فقط. قال أبو عمر البغدادي في كلمة "قل إني على بيّنة من ربي" أيام تنظيم "دولة العراق الإسلامية": "نرى وجوب التحاكم إلى شرع الله من خلال الترافع إلى المحاكم الشرعية في الدولة الإسلامية، والبحث عنها في حالة عدم العلم بها". وهذا ما يطبقه الدواعش اليوم، فإذا ما دعاهم الناس لتحكيم الشريعة في خلافاتهم وخصوماتهم مع الدواعش رفض الدواعش ذلك!
ويبررون ذلك بحجج وذرائع شتى، منها أن التحاكم الشرعي لا يكون إلا في محكمة تابعة لهم، لأن القضاة الذين لا يتْبعون لهم ليسوا مسلمين مهما كانوا أعلم بالشرع وأكثر التزاما به! وأحياناً يشترطون شروطا مخالفة للشريعة للقبول بالتحاكم للشريعة، منها تكفير الأنظمة العربية أو بعض العلماء والدعاة والمجاهدين!
ويحصر الدواعش تطبيق الشريعة بإقامة الحدود، بينما تطبيق الشريعة أكبر من ذلك! والأدهى والأمرّ أن قضاة الدواعش جهلة بالأحكام الشرعية، فيطبّقون الحدود في حالة الحرب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. وأيضاً يطبقونها بطريقة غير سليمة ولا موافقة للشرع! والظلم والجور وضياع العدل في محاكم "داعش" هو الغالب على الأحكام فيها.
ومن تأويلات الدواعش الباطلة، تكفيرهم لجميع الفصائل المقاومة بسبب جلوسهم ولقائهم مع بعض مندوبي الدول العربية والأجنبية، بحجة الولاء والبراء، ويحتجون بقوله تعالى: "لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ" (آل عمران، الآية 28).
وتأويل "داعش" الباطل لآيات الولاء والبراء لو طبقت عليه لكفر هو نفسه، مثل بيعه النفط لنظام بشار وإيران كما اعترف بذلك أبو تراب الكويتي في بداية تموز (يوليو) 2016، وكقتال التنظيم للفصائل الأخرى وقت هجوم نظام بشار وإيران وروسيا عليها، لأن "داعش" تعتبر ذلك ردة عن الإسلام!
*من تأويلات علمانيين وحداثيين:
- تأويل محمد شحرور لمفهوم الحجاب، في كتابه "الكتاب والقرآن"، في تحريفه لمعنى آية: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ" (النور، الآية 31). إذ وصل به التحريف والتأويل الباطل أن جعل الحجاب الشرعي على المرأة المسلمة أقل من مساحة ما تغطيه ملابس السباحة في الغرب!
- تأويل محمد أركون في كتابه "الفكر الأصولي" لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة، الآية 21)، إذ قصر كلمة "الناس" (التي تشمل البشرية جمعاء بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم) على الناس الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وما حولها، في إبطال لعالمية الإسلام!
وبعد هذه النماذج للتأويل الباطل المعاصر من قبل الطائفيين والدواعش وعلمانيين وحداثيين، يجب أن ندرك أهمية الوعي بحجم الحرب الفكرية المشتعلة في عصرنا على تحريف القرآن الكريم والخروج به عن حقيقته لأهواء المغرضين وضلالاتهم.
ولو تخيلنا أن القرآن الكريم خضع لهذه التأويلات السقيمة المختلفة والمتناقضة، فماذا سيبقى منه أو من الإسلام؟ لن يبقى إلا إسلام مشوّه منفّر متناقض ومضطرب، يشجع على القتل والتكفير ويتقوقع في حارة صغيرة ويتخلف عن ركب قيادة البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور.
ولكن كما حفظ الله القرآن الكريم عبر القرون من تحريف الضالين وعبث المغضوب عليهم وأتباعهم من المستشرقين ومن تحريفات الفرق الضالة، فسيحفظ الله في عصرنا كتابه ودينه وشريعته من تأويلاتهم الباطلة وتحريفاتهم الضالة. وطوبى لمن سخّره الله عز وجل للدفاع عن كتابه والدعوة لأنواره بين العالمين.  

التعليق