في حلب.. واشنطن تخنع لإملاءات بوتين

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2016. 12:01 صباحاً

هآرتس

 تسفي برئيل

 محادثة مطولة تمت في الاسبوع الماضي بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سرجيه لافروف. المحادثة استمرت 12 ساعة وتمخضت فولدت فأرا. الاتفاق الاساسي الذي تحقق هو "حل على مراحل" للازمة السورية، يبدأ بتركيز الضربات الروسية على تنظيم (داعش) وليس على مواقع المعارضة.
حسب الاتفاق سيتركز المعارضون في المناطق المحددة والمعروفة بشكل يسمح بالفصل بينهم وبين قوات داعش وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) والتي تعتبر ايضا منظمة إرهابية استخدمتها روسيا حتى الآن كذريعة لضرب مليشيات أخرى.
 كيري ولافروف اتفقا ايضا على أنه في المرحلة القادمة سيتم حسم مكانة رئيس سورية، بشار الاسد، دون تحديد موعد أو طريقة إزاحته، اذا حدث ذلك أصلا.
هذا الاتفاق يقلق المعارضين الذين يعرفون بشكل جيد مرونة واشنطن. فالإدارة الأميركية لم تنجح الى الآن في تطبيق التفاهمات السابقة وأهمها اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم توقيعه في جنيف في شهر شباط الماضي. والمعارضة تخشى من امكانية اعتبار الولايات المتحدة للتفاهمات مع موسكو "فرصة أخيرة" من اجل استمرار تدخلها في الازمة. واذا فوتت هذه الفرصة ايضا فإن البيت الأبيض سيمنح الكرملين المسؤولية الكاملة عن علاج الازمة السورية. خطوة كهذه تعني تصاعد الحرب في جميع الجبهات وتجميد العملية السياسية كليا، التي لا تتقدم فعليا.
أحد الاختبارات المهمة لتطبيق التفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا يكمن في حلب التي يحاصر فيها بين 200 – 300 مواطن يتعرضون للقصف الكثيف من قوات النظام السوري الذي تساعده قوات ايرانية وحزب الله. صحيح أن روسيا قد بدأت بإنزال المساعدات المدنية للسكان والأسد أعلن عن العفو عن كل من يقوم بتسليم سلاحه، لكن قلة قليلة من سكان المدينة نجحت في الحصول على المساعدات، والتصوير الحكومي الذي يظهر عددا من المتمردين الذين يقومون بتسليم سلاحهم، لن يكبح المعارك.
حلب هي احدى المدن الأكثر تضررا من الحرب في السنوات الثلاث الاخيرة، وهي الآن مقسمة الى قسمين، شرقي وغربي، في الغرب تسيطر قوات النظام وفي الشرق يسيطر المتمردون الذين يتشكلون من جبهة الفتح التي تتوحد فيها عدة مليشيات كبيرة، منها جبهة النصرة وأحرار الشام. التقديرات تفيد بأنه يوجد في هذه الجبهة 20 ألف مقاتل وعشرات الدبابات وهي تحصل على تمويل دائم من الدول العربية. وقد جاء أمس أن قواتها نجحت في اسقاط مروحية روسية كان فيها خمسة ضباط. وبين الفينة والاخرى ينجحون ايضا في اصابة دبابات النظام وتنفيذ عدد من العمليات الانتحارية التي توقع الضحايا في اوساط الجيش السوري والمواطنين. المتحدثون بلسان المتمردين يزعمون أنهم قاموا باقتحام عدد من المعابر التي يسيطر عليها النظام، ومن خلال هذه المعابر نجح بعض المواطنون في الهرب من المدينة.
رغم أن الفرق في القوة بين المتمردين وبين الجيش كبير، فقد أثبت المتمردون في مدن اخرى أن قوة صغيرة تكون كافية احيانا لكبح تقدم الجيش السوري، لكن ليس للحسم. إن الحسم في حلب سيُحدث انعطافة استراتيجية وسياسية. فاحتلال المدينة من قبل الجيش السوري سيكون ليس فقط ضربة معنوية كبيرة للمتمردين، بل سيمنح الجيش السيطرة الحيوية على الخطوط والمفترقات التي ستُمكنه من التقدم السريع نحو مواقع اخرى في شمال الدولة وشرقها. وفي المقابل، صمود المتمردين المتواصل قد يكون ثمنه باهظا ويؤدي الى اتساع تدخل روسيا من اجل كسر هؤلاء المتمردين.
هذه معركة ستؤثر نتائجها على مواقع عسكرية اخرى في الدولة وعلى المفاوضات السياسية. احتلال حلب سيمنح الاسد وروسيا التحول المطلوب لهما من أجل الإعلان عن الحسم الاستراتيجي الذي سيُمكنهما من الوصول الى المفاوضات من موقع قوة. في الوقت الذي سيضطر فيه المتمردون وحلفاءهم الى الموافقة على الاملاءات.
حلب تحولت الى ساحة سياسية نازفة بحيث أن الدول الغربية لا تتدخل وهي تنتظر نتائج اللعبة والمجموعة التالية التي ستصعد الى البيت السياسي. ولكن إذا تم حسم المعركة في حلب فإن جارور واشنطن خالٍ من الخطط. لأنها وافقت على تأجيل النقاش حول مستقبل الاسد وهي غير مستعدة لإرسال قوات برية لمساعدة المتمردين (باستثناء قوات صغيرة تساعد في الحرب ضد داعش)، ولا تستطيع حل الخلاف بين المليشيات المؤيدة للغرب ولا تملك رافعة تفرض على سورية تغيير موقفها من الاسد. لذلك فهي ستضطر الى قبول املاءات موسكو التي من شأنها أن تفرض صيغة الحرب ضد داعش، غير الموجودة على سلم أولوياتها.

التعليق