"وكم من عائب قولا صحيحا.. وآفته من الفهم السقيم"

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2016. 12:05 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

هي الحقيقة التي نواجهها في حياتنا بشكل عام، والعلمية الأكاديمية بشكل خاص؛ فالنص، مثلا، لا لبس فيه ولا تعقيد ولا يدل دلالات بعيدة، لكنه الفهم المعوج السقيم الذي قاد إلى الانحراف والخطأ. فالمتّهم هو الفهم لا النص، سواء كان النص وحيا أو أي نص أو قول.
يمكنني القول إن أدلة معظم الفرق الإسلامية عبر التاريخ هي من القرآن والسُنّة. لكن، هل دل القرآن والسُنّة على رأيها؟ كلهم يأتون بنصوص قرآنية دليلا لمعتقدهم، ولكن هيهات، فهو الفهم السقيم الذي قادهم للاستدلال الخطأ؛ وهو توظيف النصوص بطريقة تجعلها تابعة، والأصل أن تكون متبوعة؛ وهو ليّ أعناق النصوص لتكون موافقة للرأي. وهذه مؤامرة على النص واضحة، فلا يجوز أن آتي بأفهام مسبقة وأسقط النص عليها ليخدمها، بل النص هو الأصل.
لقد بين المفسرون والمحدِّثون قواعد الفهم لنص الوحي؛ فلا يُفهَم القرآن بغير لغته وبغير أساليب العرب في لغتهم؛ ولا بد من الأخذ بمفهوم السياق، ولا بد من ربط الآية أو الآيات بمجموع السياق بل السورة؛ ولا بد من أخذ المعنى من ظاهر النص إلا إن كانت هناك قرينة تصرفه عن ظاهره. ولا يمنع هذا من الغوص في معان أخرى غير الظاهرة، لكن شريطة أن تحتملها اللغة وأن تكون متفقة مع أصول الدين عموما، ولا نحمِّل النص ما لا يحتمل. ولا بد من جمع الآيات المتحدثة عن موضوع ما فيما يسمى بالتفسير الموضوعي، فحين يكون هناك ما ظاهره التعارض نستطيع حله من خلال النظر في مجموع الآيات، فقد يفسر القرآنُ بعضه بعضا، وقد يكون هناك خاص وعام، ومطلَق ومقيَّد، ومُجمَل ومفسَّر، وهكذا.
والنص النبوي أيضا لا بد من البحث عن صحته، ولا بد من النظر في مجموع الأحاديث الواردة في موضوع ما، لا الاكتفاء بنص واحد والبناء عليه. وللمحدثين قواعد وأصول لا يجوز بحال تجاوزها لاستنباط معنى ما، فضلا عن أن يكون حكما ما، فالنص النبوي يعامَل على أنه وحي، فقد قال الله تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى" (النجم، الآية 3)، وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
المشكلة، إذن، ليست في النص، بل في طريقة الفهم. ولا مانع من تعدد الأفهام ما دام النص يحتملها، كما هو الشأن في اجتهاد الفقهاء مثلا، لكن المشكلة في الاستنتاجات العقيمة، والآراء البعيدة عن روح النص، وعن مبادئ الإسلام العظيم. وإلا فقد أقر النبي نفسه صلى الله عليه وسلم الصحابة على اختلافهم في فهم النص، إذ حين قال بعد غزوة الأحزاب لصحابته: "ألا لا يصليّن أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، يحثهم على المسير إليهم وقد نقضوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا شأنهم دائما، فإنهم حين ساروا وأدركتهم الصلاة اختلفوا، فمنهم من هم بالصلاة لدخول وقتها، فنهاهم الآخرون اعتمادا على ظاهر النص، ونقلوا ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم لاحقا، فسكت، وسكوته إقرار لكل فريق على ما ذهب إليه، أي الاختلاف، وإقرار أيضا على مبدأ الاجتهاد. ولكننا نلحظ هنا أنه فهم صحيح، أما أن آتي بفهم عجيب من عندي وأريد للنص أن يدعمه! فهذا الأمر العجاب.
وليست المشكلة فقط في نص الوحي، وهو المهم دينيا، ولكن في أقوال العلماء والمفكرين عموما، بل في كلام عامة الناس في حياتهم الاجتماعية؛ فما ذنبي إن كان الفهم غير سليم، أو حُمِّل النص ما لا يحتمل؟! فمطلوب من الناس أن يدققوا، وأن يحسنوا الظن، وأن يحسنوا الفهم، وإلا أصبحت الحياة جحيما، وكأن أحدنا يسير في حقل ألغام جراء الاستنتاجات العجيبة لكل إنسان من هذه الأقوال.
نسمع أحيانا في خصومة ما أن أحدهم يقول مثلا: "أنا سمعته يقول كذا"، فيقال له: "وما المشكلة؟"، فيجيب: "يعني كذا وكذا"، فيجاب: "وما أدراك أنه أراد كذا؟ ربما كذا وكذا" مما يحتمله النص من معان. ولذلك، لا بد أن يعذر بعضنا بعضا، ولا بد في علاقات الناس من حسن الظن غالبا، وإلا انقطعت علاقات الناس وشك كل واحد بالآخر، وأصبحت الحياة جحيما لا تطاق.
يعيب بعض المنفلتين من عقال الدين على الإسلام أنه ضد الحرية، أو أنه لم ينصف المرأة، أو أنه إرهاب.. وهكذا. ومرة أخرى هو الفهم السقيم. فموضوع المرأة مثلا، يُحكم عليه من أحد نصوص الميراث "للذكر مثل حظ الأنثيين"، وينسى هؤلاء أو يتناسون أن النصوص اللاحقة تبين حقوقا متساوية للمرأة والرجل، وحقوقا للمرأة أكثر من الرجل، كل حسب موقعه وحسب حكمته سبحانه. ومثلها شهادة المرأة وشهادة الرجل، والنص يبين حكما كثيرة الأحق ببيانها المرأة نفسها، إذ تعبر عن حقيقة انشغالها وعاطفتها واهتماماتها، التي ربما تنسيها بعض التفاصيل التي تضيع معها الحقوق، وهكذا.
وكذلك موضوع الحرية الذي يتغنى به الغرب الآن، وقد قبع في الماضي في براثن العبودية المذلة، وسبقه الإسلام في تحرير الإنسان من أوهام كثيرة عقدية واجتماعية وعرفية. ويحاول بعض الناس إلصاق بعض العادات السيئة بالإسلام ظنا منه أنه الدين، والحقيقة أنه ينبغي التفريق بين الدين نفسه وبين العادات، ومنها ما له علاقة بالمرأة أيضا، فلا نحمِّل النص ما لا يحتمل. فالإسلام دين الحرية حين يخلِّص العبد من عبودية غير الله.
أما الإرهاب وفهم آيات الجهاد فهذا موضوع طويل، ولكن ابتداء نقول إنه تشريع الله العالم بوجود تدافع بين الخير والشر، ولا بد من سلم يعيش فيه الناس بأمان، ولا بد من تضحية وقوة تردع، ولهذا تتخذ كل دولة جيشا وقوى أمنية تردع، داخليا وخارجيا، فهي طبيعة البشر وميولهم، وهناك حق عام في الاستقرار والأمن. من هنا نفهم آيات الجهاد عموما، ردعا يقود إلى استقرار وأمن ورخاء، تكون معها إيجابية الحياة والحضارة.

التعليق