"حتى يغيروا ما بأنفسهم"

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

حقيقة قرآنية ثابتة، من سننه تعالى التي لا تتخلف ولا تحابي أحدا، سنة التغيير. فما كان الله ليغير ما بقوم من خير إلى شر، أو من شر إلى خير، حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فلا بد من المبادرة على الأقل، والسعي في التغيير.
كم هي الأمور التي نتذمر منها ونريد تغييرها؛ على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي! ولا يمكن للأحوال أن تتغير بمجرد الدعاء ما لم نتحرك ونسير في الاتجاه الصحيح. وأنا هنا أتحدث عن التغيير الإيجابي نحو الأفضل، فلا بد من العزم في المسير، وحسن الثقة بالله تعالى، حتى نلتمس آثار التغيير.
كثيرون هم الذين يعانون على المستوى الشخصي، من قضايا كثيرة؛ فقرا أو فشلا أو عجزا، ويملكون من الطاقات ما يملك غيرهم، ولكنهم يفهمون القدر خطأ. وربما يصرح أحدهم بأن هذه إرادة الله تعالى، وكأنه اطلع على الغيب وعرف ما فيه! فالأصل أن يرضى الإنسان بما قسم الله له، ولكن مع ذلك يسعى ويجتهد ولا يستسلم. فالله أيضا قدّر أنك إن سعيت واجتهدت، فسيكون لك كذا وكذا من النتائج، وقد لا تكون، وفق علمه سبحانه وكمته. والمهم هنا أن يسعى أحدنا ولا يرضى بالدون أو الهوان، أو يستسلم لليأس؛ بل ينهض ويأخذ بالأسباب ويحسن توكله على الله تعالى، فهو مسبب الأسباب وخالقها، ولا يتم شيء في هذه الدنيا إلا بعلمه وإرادته ووفق حكمته سبحانه.
تسيطر على كثيرين مشاعر اليأس نتيجة الإخفاق أو الطلاق أو الموت أو الذنب وغير ذلك. والحقيقة القرآنية أن لا يأس مع الله تعالى. ولكن، مرة أخرى، لا بد من التغيير الذاتي، والثقة بالله تعالى، وحسن التوكل عليه. فلا يجوز لأحدنا أن يسمح لحياته أن تنقلب جحيما ونكدا ويأسا ومرضا، فالدنيا دار ابتلاء وتنغيص لا تستقيم لأحد، ولا بد فيها من الصبر، ومع الصبر أخذ بالأسباب وحسن ثقة بالله القادر على كل شيء سبحانه، فلعله يغير من حال إلى أفضل، ووعده حق حين يقول: "... إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ..." (الرعد، الآية 11). وليست الآية فقط في الأقوام، بل على المستوى الفردي أيضا، وعلى مستوى الأمة.
كم سمعنا عن أناس لم يستسلموا لواقعهم البئيس، فأخذوا بالأسباب وتوكلوا على الله، فغدوا أغنياء بعد فقر، وعلماء بعد جهل، وسادة بعد ذل. وهكذا الشأن حتى في الناحية العكسية، فلا بد من التغيير والهمة نحو الإيجابية، ولا بد من الحذر من التغيير السلبي حتى لا نعود أسفل سافلين.
وعلى مستوى الأمة، فنحن بحاجة إلى تغييرات كثيرة حتى نرجع أعزة. نعرف مواطن الخلل، ولكننا لا نقدّم شيئا لها؛ نعلم أن علاقتنا بالله معرفة وعبادة أمر أساسي، وأن نصرة منهج الله وسيلة لنصرنا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد، الآية 7)، ونعلم أن أخوتنا ضرورية: "إنما المؤمنون إخوة"، وأن ولاءنا الخالص لله ورسوله والمؤمنين لا بد منه: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ" (المائدة، الآيتان 55 و56). وجاءت هاتان الآيتان بعد أن ذكر الله في سورة المائدة موضوع الحاكمية عند اليهود والنصارى، وضرورة تحكيم شرع الله تعالى عندنا أيضا.
ثم كانت بعد ذلك آية عجيبة تحدثت عن الردة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ..." (المائدة، الآية 54). وبعدها تصحيح الولاء وحتمية النصر كما في الآيات أعلاه، وكأن الآيات تقول: حكّموا شرع الله، وإلا فسيتشتت ولاؤكم وتضعوه في غير موضعه الصحيح، ويكون هذا سببا لردتكم عن دينكم، والمخرج هو موالاة بعضكم بعضا، وستقودكم هذه الموالاة إلى الجادة من جديد، حيث الخضوع والاستسلام لله وشرعه، وحينها ينصركم الله تعالى، فلا بد من التغيير والعزم فيه.
نعيب زماننا والعيب فينا، وتدرج قوم ليعيبوا الدين ويتهموه بعدم صلاحيته، ويتجرأ بعضهم ليقول بوقاحة "يا أمة كنتم"، يعني: "كنتم خير أمة أخرجت للناس". وهؤلاء مسلمون ولكن بالاسم والنسب، ليتسببوا في تيئيس فئة مترددة لا تعلم الحقيقة ولا شيئا عن الدين، فتتيه في زمن يتعرض فيه ديننا للتشويه والتشكيك. ولن أتهم غير المسلمين، فهم أعداء معروفون، ولكنني أعتب وأغضب من مسلمين يستهزئون، وأسهموا في كثير من التراجع للأمة، بسبب شهواتهم وهواهم ورغباتهم.
لا بد من التغيير، والبداية على المستوى الشخصي، ولا يقولن أحدنا بأن الناس يفعلون كذا وكذا ولا يمكن أن أسير وحدي. ثق بالله وتوكل عليه، فكن على الحق ولو وحدك، وثق بأنك لست وحدك، وربما الآخرون ينتظرون منك خطوة، وتكون سببا في هداية آخرين وإنقاذهم من النار، أو على الأقل حسن إسلامهم والتزامهم.
كن مع الله ولا تبالي، وما أجمله من شعور بأن يملأ قلبَك شعور معية الله وحبه ورضاه، سكينة عجيبة رائعة، وشموخ وعزة لا يُدرك منتهاها، أن تكون مع الله وهو معك، الله الرحمن الرحيم العلي العظيم الحي القيوم السميع البصير، هو معك وأنت معه، تحبه ويحبك: "يحبهم ويحبونه"، رضي عنك ورضيت عنه: "رضي الله عنهم ورضوا عنه". فلا تتردد في إقدامك عليه، ستجده غفورا رحيما إن كنت من أهل الذنوب، عزيزا حكيما إن كنت يائسا ذليلا، غنيا كريما إن كنت في ضنك وفقر، فما أجمل معية الله!

التعليق