رصد أكثر من 2800 محل تجاري في عمان مخالف للأنظمة القانونية

مسميات لمحال تجارية.. ‘‘برستيج‘‘ اللغة الأجنبية على حساب العربية!

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

 منى أبو صبح

عمان- المار في شوارع الأردن وخاصة في العاصمة عمان، قلما يقع على يافطات لأماكن أو محلات تجارية تخلو من أسماء بلغات أجنبية. بل يتعمد كثيرون تجنب العربية واللجوء لغيرها بحجة أنها لافتة للنظر، وربما جاذبة للزبائن كما يرونها، وتعبيرا عن مواكبة العصر!
وتنتشر هذه الظاهرة بشكل متفشٍ مما يثير التساؤل: لماذا يتعمد أصحاب المحال التجارية استخدام اللغة الإنجليزية بل والفرنسية وغيرها أحيانا؟ هل هو عامل جذب للزبون أم نوع من “الحداثة” أم خجلا من لغتهم؟!
واستناداً إلى قانون حماية اللغة العربية رقم (35) لسنة 2015، فقد صدرت الإرادة الملكية السامية مؤخرا بإقرار نظام امتحان الكفاية في اللغة العربية، ومن المتوقع قريبا إقرار مشروع “نظام متابعة تنفيذ قانون حماية اللغة العربية لسنة 2016” بموجب المادة (17) من القانون، وفق الأمين العام لمجمع اللغة العربية الأردني د.محمد السعودي.
يقول السعودي، “هذا القانون به نصوص تتضمن جانبا توعويا وجانبا قانونيا بحتا، سواء بدفع الغرامة أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالنسبة لمخالفات الأسماء التجارية غير المكتوبة باللغة العربية”.
مضيفا أن المجمع قام في هذا السياق بإنشاء لجنة لتوثيق أسماء المحلات التجارية، و”بعد البحث تبين أن الأسماء المعلنة هي ليست نفسها المسجلة في وزارة الصناعة والتجارة”، وقد قام المجمع بتوثيق العديد من المحلات المخالفة بالصور بالتعاون مع الجهات المعنية، ووصل عددها لغاية الآن إلى أكثر من 2800 محل في العاصمة عمان”.
ويؤكد السعودي أن ما يجري من اختراقات للغة العربية وهيبتها، “وهذا يعكس للأسف تنازلا عن حقوقنا القومية والنفسية في الحياة”.
أستاذ قسم اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا د.محمد عبيدالله يقول، “يجب أن تكون تسمية المحلات التجارية باللغة العربية، فنحن عرب وبلدنا عربي.. فعندما يتم تسمية المحلات باللغة الإنجليزية يبدو ذلك أمرا غريبا”. موضحاً أن الزبائن عرب وليسوا أجانب هذا من ناحية تجارية، ومن الناحية الثقافية فإن كل مجتمع يحترم لغته الوطنية، فلا نجد بدولة أجنبية استعمالا للغات أخرى، كما هو عندنا، إلا عند الضرورة.
ويضيف أن هذه الظاهرة تعبر عن عقدة نفسية مرضية في تقليد الغرب.. وليس لها معنى لا من الناحية التجارية ولا الثقافية الوطنية، مبينا أنه من ناحية أخرى فإن قانون حماية اللغة العربية الساري المفعول يمنع تسمية المحلات التجارية بأسماء غير العربية، وعند الضرورة يتم استخدام الاسم الأجنبي بحرف أصغر إلى جانب الاسم العربي. مطالبا بتفعيل هذا القانون ومحاسبة المخالفين.
علا موسى معلمة اللغة العربية تقول، “أشعر باستياء كبير عندما أقرأ أسماء المحلات التجارية باللغة الإنجليزية، فهذا الأمر يناقض طبيعة شعوبنا.. ولا أرى به أي نوع من أنواع الحداثة، فلغتنا العربية هي اللغة الأم وعلينا استخدامها في كافة المجالات”.
وتضيف، “أعتقد أن هناك تقصيرا من قبل الجهات المسؤولة (الترخيص والسجل التجاري) في متابعة هذا الأمر، كما أن التقليد سيد هذه الظاهرة حتى في المناطق الشعبية، هنالك العديد من المحلات التجارية التي انتقلت لها عدوى الأسماء الأجنبية”.
وتذهب إلى أن مواكبة التطور التكنولوجي في العالم، لا تعني إهمال اللغة العربية.. لغة القرآن الكريم.. واستبدلها بأخرى في مختلف مجالات الحياة.
وانتقد الطالب الجامعي مراد الحلو/ تخصص لغة عربية استخدام الأسماء الأجنبية للمحال التجارية بقوله، “هناك أسماء تكتب باللغة العربية لكنها بلفظ أجنبي مثلا، وكأننا لا نمتلك كلمة باللغة العربية معناها جميل، وغيرها العديد من الأمثلة”.
ويضيف، “لدينا ثقافة وتاريخ أصيل.. علينا أن نستمد منها أسماءنا، فلغتنا العربية بحر، وكما قال الشاعر حافظ ابراهيم (أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل سألوا الغواص عن صدفاتي)، مبينا أن الكلمة الواحدة لها أكثر من مرادف جميل يمكن استخدامه في تسمية المحل التجاري.
أبو فهد مالك أحد المحال التجارية، وقد أطلق اسما أجنبيا عليه يقول، “اقترح أبنائي هذا الاسم، مؤكدين أن التسمية باللغة الإنجليزية تحقق الشهرة والنجاح إلى جانب تسميته باللغة العربية”.
ويضيف “أنا أعتز بلغتنا العربية.. لكن مواكبة التطور والعلم والتكنولوجيا مطلوب، فهذه التسمية وسيلة لجذب الزبائن فقط، فعندما يرى الزبون محلا تجاريا عنوانه أجنبي يقبل عليه أكثر، وجميع المحلات المجاورة لنا ذات أسماء باللغة الإنجليزية”.
وتنص المادة السادسة من قانون الأسماء التجارية لعام 2006 على أنه يجب تسجيل الاسم التجاري باللغة العربية، هذا بالإضافة إلى بلاغ رئاسة الوزراء رقم 30 لسنة 1997، الذي حصر التسميات الأجنبية بالشركات الأجنبية العاملة في خارج الأردن إذا رغبت بالعمل في الأردن، على ان يقترن اسمها بإضافة كلمة “الأردن” أو “الأردنية”، شريطة موافقة وزير الصناعة والتجارة على هذا الاستثناء حالة بحالة.
كما تنص التعليمات الداخلية الصادرة عن دائرة مراقبة الشركات للعام 2011، على أن لا يكون الاسم إلا عربياً؛ كما أن المادة “12” من تعليمات ترخيص وسائل الدعاية والإعلان في منطقة عمان الكبرى رقم “1” لسنة 2006، تنص على وجوب أن تحوي أية لافتة رسالتها باللغة العربية، وأنه لا يجوز أن تكون رسائل اللافتات بأكثر من لغتين. على ألا تحتوي اللافتة أي أخطاء نحوية أو إملائية أو أخطاء في تركيب الجمل.
وبحسب المركز الإعلامي في أمانة عمان الكبرى فإن القانون والأنظمة واضحة وصريحة فيما يخص الإعلانات ووسائل الدعاية والإعلان بأن تكتب باللغة العربية السليمة، والمحال التجارية تسجل في وزارة الصناعة والتجارة بأسماء عربية، وعندما يقوم أصحاب هذه المحال بتغيير الاسم التجاري من العربية للإنجليزية (اليافطة) فهذا يعد مخالفا للقانون.
وتتفقد أمانة عمان الكبرى المحلات التجارية المخالفة من خلال فرق تفتيش ترسلها لمختلف المناطق، ويتم إنذار صاحب المحل التجاري بضرورة تصويب أوضاعه خلال أسبوعين بتغيير اسم المحل التجاري، وإن لم يصوب أوضاعه لا يتم ترخيص محله بعد مرور عام  للترخيص الجديد، ويتم تحرير مخالفة مالية، وإن استمر في المخالفة ولم يصوب أوضاعه يتم تحرير مخالفة تصل للإغلاق أحيانا.
الدكتور محمود قدوم مهتم بأبحاث ومشاريع اللغة العربية/ أستاذ اللغة العربية لدى الجامعة الأردنية سابقا يقول، “يعبر اختيار أسماء المحلات عن جزء من “التنافس اللغوي” أو “الصراع اللغوي”، وهذا ملمح من ملامح التنافس الذي يشاركه في هذا المجال اختيار أسماء المحلات والأسواق.
ويضيف أن هذه الأسماء بوصفها أول ما يتلقاه الناس يحرص أصحابها على اختيار اسم يلفت الزبون ويجذبه.
ولأن أغلب الذين يحرصون على تداول ومتابعة كل جديد هم من فئة الشباب، فإن اختيار الاسم الأجنبي أنجح مع هذه الفئة التي غدت ميولها وتطلعاتها وأهواؤها تابعة لكل ما هو غربي الاسم والمحتوى، وفق قدوم.
وهذا يحتم على أصحاب القرار بدءا من أساتذة العربية في المدارس والجامعات مرورا بالمسؤولين عن معاملات تسجيل الأسماء أن يوجهوا الطلبة والمتعاملين إلى اختيار “العربية” في جميع جوانب حياتهم لتكون لسانهم المعبر عن أشواقهم وحاجاتهم.
ويضيف قدوم أن اللغة هي أحد أشكال الهوية، فلا يمكن فصل الثقافة والهوية عن اللغة، والأمم القوية تسعى جاهدة لحفظ لغتها بكل ما تملك، لذلك لا يمكن أن نعثر على مجلة واحدة في فرنسا بغير الاسم الفرنسي أو في إيطاليا بأحرف غير إيطالية وهكذا لأن اللغة تعبر عن الهوية، لكن الدول العربية أفرادا ومؤسسات فرطت بلغتها وانجرت وراء مسميات “الموضة” و”الحداثة”.
لذلك يستهجن كثير من المهتمين بشأن العربية شيوع هذه الظاهرة و”كأننا نعيش بدولة عربية لكن بأسماء واختيارات أجنبية”. وأخيرا إن تعلم اللغات الأجنبية وتعليمها مهمان في سياقات محددة دون أن يطغيا على لغتنا التي نزل بها القرآن الكريم وكتب بها الحديث والتراث والعلوم المختلفة.
ويرجح الخبير الاجتماعي د.حسين الخزاعي أن السبب في تسمية المحلات بأسماء أجنبية يعود إلى الرغبة في كسب الزبائن كون الزبائن تفضل البضاعة الأجنبية على البضاعة المحلية.
ويقول، إن المحلات التجارية تحرص على مرتاديها لشراء بضاعتهم، كما أن بعض الملابس والبضائع تكون من الماركات، ويحرص أبناء المجتمع على شرائها فيقوم التجار بكتابة أسماء متاجرهم باسم الماركة العالمية فتجذب الانتباه.
وتلعب الغيرة والتقليد الأعمى دورا لا يستهان به في مثل هذا السلوك، وعدم تفعيل القوانين والأنظمة التي تمنع كتابة الأسماء باللغة الأجنبية، وفق الخزاعي.

التعليق