من جبهة النصرة إلى "فتح الشام"

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2016. 12:00 صباحاً

iNSS
يورام شفايتسر  16/8/2016

في نيسان 2013 أعلن أبو بكر البغدادي عن اقامة تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق وسورية)، وحاول اخضاع جبهة النصرة التابعة للقاعدة في سورية لتنظيمه الجديد، لكنه فشل في ذلك. في حزيران (يونيو) 2014 راهن البغدادي على كل ما يملك وأعلن عن اقامة الدولة الإسلامية وعن نفسه كخليفة. والآن جاء دور زعيم القاعدة ايمن الظواهري ليراهن: في 28 تموز (يوليو) 2016 منح نائبه أحمد أبو الخير المباركة لإعلان أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، عن تغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام والانفصال عن أي جهة خارجية، أي الانفصال عن القاعدة.
يمكن أن تكون هذه المراهنة للظواهري قد تمت كأمر لا بديل له. وقد زعم نائبه من أن هذه الخطوة تنبع من تحليل الوضع في سورية، وأن الهدف منها هو دعم الجهاد هناك. ولكن يبدو أن هذا هو استجابة لظروف داخلية في جبهة النصرة، وظروف خارجية أيضا، أي التقارير عن نية الولايات المتحدة وروسيا المشتركة لمحاربة المنظمة ومنعها من المشاركة في أي اتفاق مستقبلي في سورية. إن أقوال الجولاني في هذا الموضوع تشير إلى الضائقة التي تعاني منها المنظمة، حيث زعمت أنها تدافع عن المواطنين في سورية، وفشلت، وعن رغبتها في اختبار التحالف الدولي الذي يقوم بقصف المنظمة من الجو بسبب هويتها السلفية الجهادية، الامر الذي يتسبب بمعاناة كثير من السوريين. إن نغمة أقوال الجولاني عبرت عن الشك حول امكانية الاعتراف بالمنظمة الجديدة من قبل التحالف الدولي الذي يعمل في سورية كجزء من تحالف سوري إسلامي واسع.
المباركة العلنية من قبل قيادة القاعدة للانفصال الرسمي لجبهة النصرة عن القاعدة، تشير إلى التنازل عما يحدث في سورية وعن التأثير في هذه الساحة التي تعتبر مركز المعركة للأمة الإسلامية ضد مؤامرات الغرب. ويضاف إلى ذلك أنه قد يتبين أن هذه الخطوة هي سابقة خطيرة لوحدة واستقرار الشراكات التي تقيمها القاعدة مع حلفائها الرسميين. على خلفية هذه السابقة، قد تقوم منظمات اخرى بخطوة مشابهة اذا فرضت الظروف ذلك. واذا حدثت حالات اخرى كهذه فهي ستعني اقتراب نهاية القاعدة وتقدم الدولة الإسلامية في المنافسة على قيادة الجهاد العالمي.
يجب القول إن خطوة الانفصال تم التنسيق لها مسبقا. والدليل على ذلك أنه في الشريط المسجل الذي نشره الظواهري في 7 أيار (مايو) 2016 تحدث بشكل واضح عن هذه الامكانية، وباركها بشكل غير مباشر. ويمكن أن نفهم من أقواله أن الانفصال قد تم بتفاهم بين الاطراف. وقال الظواهري إن هذه الخطوة تخدم هدف أسمى ومشترك، وهي مقبولة على القاعدة وشركائها بمن فيهم جبهة النصرة. وأنه في هذه الساعة المصيرية للمعركة فإن وحدة الصفوف في اوساط القوات الإسلامية المحاربة في سورية لطرد نظام الاسد، أكثر أهمية من تجميد أو الغاء التحالف الرسمي بينهم.
وقد وعد الظواهري بأن منظمته ستشكل "جبهة تأييد" لكل المحاربين المسلمين في سورية، وأن "الانتماء التنظيمي لن يكون عقبة في طريق الوحدة... القاعدة هي جزء من الأمة وليس من المسيطرين". وقد عاد الظواهري وأكد على أن هدف القاعدة وشركائها هو اقامة إمارة إسلامية في سورية تطبق الشريعة. وحذر من أن خطوة كهذه قد يتم استغلالها من التحالف الدولي من اجل تقسيم المسلمين والزامهم بأن يكونوا شركاء في اتفاقات الخضوع والاهانة وتأسيس نظام ديمقراطي في سورية. وفي هذه المناسبة عاد وميز نفسه عن أبو بكر البغدادي حيث أظهر قيادته الموحدة، خلافا للموقف الانقسامي والمدمر للبغدادي، والتشديد على مواقفه المنهجية ضد الفتنة، التي هي من أخطر الظواهر في الإسلام، وهي التي تبرر الموافقة على خروج النصرة.
إن انفصال جبهة النصرة عن القاعدة يعكس التوتر في صفوفها بين هويتها كمنظمة إسلامية مقاومة في سورية وبين هويتها السلفية الجهادية. المنظمة التي امتنعت منذ البداية عن التنسيق بين قادتها خارج سورية، تشدد طوال الوقت على الاندماج في القوات المحاربة داخل سورية. وقد جندت في صفوفها السوريين وتعاونت مع منظمات اخرى في سورية، بما في ذلك قوى علمانية، وهي تركز حربها ضد جيش الاسد وداعش. يمكن أن التفاهمات التي توصلت اليها الولايات المتحدة وروسيا حول التعاون الموضعي من أجل الاضرار بها بالتوازي مع الصراع ضد الدولة الإسلامية من جهة، والضغوط من المؤيدين في دول الخليج لازالة العقبة التي تمنع جبهة النصرة من أن تكون شريكة في الحل العسكري والسياسي والاقتصادي في سورية، من جهة اخرى، هي التي حسمت موضوع الانفصال عن القاعدة.
إن إعلان انفصال جبهة النصرة عن القاعدة تسبب في ردود فعل متداخلة من قبل اصحاب الفتاوى ممن يؤيدون القاعدة. فمن جهة سمعت اصوات للتوحيد بروح الدين الإسلامي الذي يشكل قاسما مشتركا يتغلب على الخلافات. ومن جهة اخرى سمعت اصوات حذرت من المؤامرة الأميركية من اجل السيطرة على سورية واستفادتها من الانقسام. د. هاني السباعي، من اصحاب الفتاوى الكبار، وعد بأن لا يكون عداء بين القاعدة وجبهة النصرة، مثلما حدث بين القاعدة والدولة الإسلامية. حيث قال: "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
يصعب في هذه الفترة تصنيف جبهة النصرة وطريقة عملها، واذا ما كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى موافقة التحالف الدولي على قبول المنظمة الجديدة كشريكة في الخطوات السياسية من اجل استقرار الوضع في سورية ووقف اطلاق النار. وحتى لو اعترفت الجهات الدولية بالمنظمة الجديدة كشريك، فليس واضحا كيف ستندمج قيادتها الجديدة في العملية السياسية وما هي الادوات التي ستتم من خلالها الاتصالات. ويشار إلى أن جبهة النصرة اعتبرت أن المحادثات الغربية والعربية هي كفر. وبالتالي، في هذه المرحلة الاولية يبدو أن الانفصال عن القاعدة لا يعني بالضرورة استعداد المنظمة لتبني قواعد اللعب التي بحسبها يتم بذل الجهود من اجل التوصل إلى اتفاق في سورية.
اذا استجابت الولايات المتحدة وروسيا بشكل ايجابي للخطوة الإدارية التنظيمية لجبهة النصرة، وتوقفتا عن العمل العسكري ضدها، عندها يمكن مطالبتها بالقيام بخطوات اخرى تضمن الابتعاد عن سياسة الجبهة السابقة كشرط لأن تكون جبهة فتح الشام من بين الشركاء في العملية السياسية. هذه المطالب قد تؤدي إلى حدوث الانقسام داخل المنظمة الجديدة وعودة مؤيدي القاعدة إلى الصفوف وإلى المعسكر السلفي الجهادي.
في جميع الحالات، من الواضح أن القاعدة بقيادة الظواهري لا تنوي حقا التنازل عن تأثيرها في سورية، رغم التصريحات الرسمية. ما زال هناك موالون كثيرون للقاعدة في صفوف المنظمة الجديدة، وسيستمرون في تمثيل القاعدة وفرض قيمها ومحاولة تحقيق حلم اقامة الامارة. في هذه المرحلة يمكن القول إن "النمر" الجهادي السلفي في سورية وخارجها لم "يغير جلده".
يجب على الاجهزة الأمنية والاستخبارية في إسرائيل عدم تجاهل الخطر الكامن في أقوال الظواهري والجولاني: في خطاب الظواهري الاخير تحدث عن اليوم الذي سيقف فيه المجاهدون على حدود إسرائيل من اجل احتلالها. وبهذا فهو يؤكد أنه لم يتنازل عن هدفه تجاه إسرائيل، وسيستمر في سعيه لتحقيق هذا الهدف عن طريق رجاله وشركائه في سورية. شركاؤه موجودون أيضا في صفوف المنظمة الجديدة. والتهديد انعكس أيضا في أقوال الجولاني حول مبادئ المنظمة الجديدة، حيث لم يتنازل عن هدفه في فرض الشريعة في سورية المستقبلية. التهديد الذي يمكن استنتاجه من ذلك تجاه إسرائيل، واضح. فقط اذا غيرت المنظمة أو بعض التيارات فيها، سياستها ودخلت إلى الحل السياسي بشروط التحالف برئاسة الولايات المتحدة، فإن إسرائيل يمكنها التوصل إلى تفاهمات حول حدود مشتركة في المستقبل.

التعليق